قناة الجزيرة مباشر - طائرة مسيرة ترصد الدمار الذي لحق بكييف عقب غارة روسية الجزيرة نت - تاكر كارلسون بعيدا عن الجمهوريين.. حزب ثالث دون منافسة ترمب الجزيرة نت - قبل مواجهة النرويج.. البرازيل تفقد خدمات نجم خط وسطها روسيا اليوم - الولايات المتحدة.. المحكمة العليا ترفض مرسوما لترامب يقييد منح الجنسية بالولادة beIN SPORTS-YouTube - حسام حسن يكشف في تصريح حصري عن آخر أخبار المنتخب المصري وعن مشاركة محمد صلاح في مباراة مصر وأستراليا العربي الجديد - "ترامبية" تُعيد تشكيل أميركا اللاتينية روسيا اليوم - إصابة 12 شخصا إثر هجوم أوكراني استهدف حافلة في جمورية لوغانسك الشعبية قناة الشرق للأخبار - تحشيد عسكري في غرب دارفور: هل تقترب الولاية من جولة مواجهات دامية جديدة؟ روسيا اليوم - "بلومبرغ": دول الخليج قد تسمح بفرض رسوم على عبور مضيق هرمز قناة الجزيرة مباشر - FIFA Signs Historic Official Agreement with the Puyallup Tribe, a World Cup First
عامة

نكون أو نصمت إلى الأبد

القدس العربي
القدس العربي منذ 3 ساعات

ماذا يحدث حين يستمر الإنسان في حجب مشاعر وأفكاره، في ضغطها عميقاً في منطقة صامتة تماماً من عقله وجسده؟ علمياً، تشير الكثير من الأبحاث إلى أن حجب الفكرة أو الرأي أو الشعور يتطلب مجهوداً مضاعفاً من العق...

ماذا يحدث حين يستمر الإنسان في حجب مشاعر وأفكاره، في ضغطها عميقاً في منطقة صامتة تماماً من عقله وجسده؟ علمياً، تشير الكثير من الأبحاث إلى أن حجب الفكرة أو الرأي أو الشعور يتطلب مجهوداً مضاعفاً من العقل، ما يتسبب في رفع نسب الهرمونات المسؤولة عن التوتر في الجسد، فيقود بدوره إلى ضعف عام في الجسد والعقل، وإلى وهن ذهني شديد قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض جسدية ونفسية خطيرة.

لذلك، فإنه من المتعارف عليه أن ضبط النفس ولجم اللسان سلوكيات صعبة تتطلب إرادة قوية من الإنسان، ذلك أن ما يأتي طبيعياً وتلقائياً هو التعبير اللفظي والجسدي عن مكامن الروح.

بلا شك، ضبط النفس وضبط اللسان صفتان محمودتان، وتشجيعاً عليهما خرجت الكثير من المقولات التي تحمد للإنسان قدرته على تحجيم ردود فعله، مثل «لسانك حصانك… وإذا كان الكلام من فضة…» إلى آخرها من مقولات تحض على ضبط رد الفعل وخصوصاً اللفظي.

لكن الانفعال الجسدي أو اللفظي وانطلاقة اللسان بما قد يؤذي الآخرين شيء والضرورة الملحة للتعبير عن الرأي والشعور شيء آخر؛ فالأولى فيها الكثيرمن الهياج والانفعال غير المحكومين، أما الأخرى ففيها ممارسة لحق الوجود الإنساني وللحق في المشاركة في الحياة.

ماذا يحدث حين تتلاشى حرية التعبير في بيت الأسرة، حين يخشى الأبناء التعبير عن رأيهم لوالديهم ويكتمون التصريح بما يرون ويشعرون ويعتقدون من زاويتهم من الحياة؟ لا بد أن يصبح هذا البيت قاتماً، المحبة فيه محجوبة بالخوف، والحياة فيه زائفة ومغطاة بطبقة ما يفرضه الأبوان على الأبناء.

لا بد أن يصبح أفراد هذه الأسرة ضعفاء، ويستنسخ بعضهم بعضاً، لا شيء يميزهم أو يفرد بعضهم عن بعض.

مما لا شك فيه أن أفراد هذه الأسرة لا يعرفون المعنى الحقيقي للحب، فالحب يتطلب حرية، الحب اختيار وليس فرضاً، فإذا كانت الحياة كلها مفروضة في هذا البيت فلن يستطيع أفراده تمييز أو تفرقة أنواع المشاعر التي يختبرون.

سينتظر أفراد هذه الأسرة لحظة التحرر بفارغ صبر، لينطلقوا بعدها باتجاه هذه الحياة التي يرومها الإنسان بفطرته: حياة الحرية والاختيار، إلا أنهم في الغالب سيكونون ضعفاء، معدومي الخبرة والتدريب في حسن الاختيار.

سيعيش أفراد هذه الأسرة بلا شك، ولكن، هل سيكونون أحياء؟ماذا يحدث حين تتلاشى حرية التعبير في الصف الدراسي، حين يخشى الطلبة التعبير عن رأيهم أو أن يفصحوا عن اختلافهم بالرأي لمعلمتهم أو معلمهم؟ هذا هو الصف الذي لن يتعلم فيه أحد أي شيء.

قد يتلقن الطلبة في هذا الصف المعلومات ويحفظونها إلى وقت الامتحان، قد يكررون ويقلدون مثل الببغاوات، لكنهم لن يطوروا مهارة ذهنية حقيقية، لن يعيشوا تجربة التعلم بالتجربة والخطأ وبالنقاش الحر الذي من خلاله قد يكتشفون أخطاءهم أو قد يتثبتون من صحة آرائهم.

سيكون هذا الصف الدراسي صف مرايا؛ كل طالبة أو طالب فيه مجرد مرآة تعكس قول المعلم وفكرته، ليبقى هذا القول وهذه الفكرة على سطح العقل مجرد قشرة سرعان ما تسقط بانتهاء زمن هذا الصف.

يخرج الطلبة من تجربة كهذه بخواء وخوف وكره للعلم والتعليم، وسيتركون خلفهم معلمة أو معلماً لن يتذكروهما بخير، هذا إذا تذكروهما أصلاً.

ماذا يحدث حين تتلاشى حرية التعبير بين الزوجين؟ ماذا يحدث لروحك حين تخشى شريك حياتك أكثر مما تحبه، فتحجب عن هذا الذي يشاركك فراشك وحمامك وأكثر مناطق حياتك خصوصية رغبة أو فكرة أو رأي أو شعور؟ أي نوع من الحياة تلك التي تعيشها تمثيلاً طوال الوقت، دون لحظة حقيقية، دون تعبير حقيقي عن مكمن روحك؟ كيف ستحب هذا الماثل أمامك، تستسلم في حضنه، تقبل وجهه، تمسك يديه، تشاركه بناء حياة، تشتري معه بيتاً، تصنع معه بشراً، تبني معه ذكريات وأنت تحجب عنه داخلك، وأنت تخشاه فلا تستطيع أن تعبر له عن هذا الداخل حتى وأنت بين يديه؟ أليست هذه هي العبودية بحذافيرها؛ أن تستسلم جسداً وتصمت روحاً؟ماذا يحدث حين تتلاشى حرية التعبير في الوطن؟ ربما ليس هناك من داع لقول الكثير، فالأمثلة تتجلى أمامنا في العالم، وربما تحديداً في عالمنا العربي المسكين.

لكن لو نظرنا إلى أشد الأمثلة وضوحاً، فربما تتمثل في مجتمع مثل مجتمع كوريا الشمالية، حيث لا يبدو الشعب، فيما يظهر لهم من صور وفيديوهات قليلة، حتى أنهم بشر حقيقيون.

شيء ما غريب وميكانيكي حول هؤلاء في حركتهم وحديثهم وحتى تصفيقهم المطول المستمر المتواتر لخُطب الرئيس.

لا يعرف الكوريون الشماليون الكثير عن الحياة الخارجية، يحيون في رعب دائم، يؤمنون بخرافات مرعبة، مثل ألوهية رئيسهم واستمرار الحياة الأبدية للرئيس الأب الذي توفي منذ سنوات طويلة، التي تبقيهم سجناء أنفسهم قبل حكومتهم.

ليس هناك في كوريا الشمالية تطور تكنولوجي أو صناعي حقيقي، لا يوجد إنتاج أدبي أو فني له قيمة، ليس هناك علوم بحثية متطورة، فكل تلك تحتاج إلى بشر حقيقيين، وهؤلاء حتى يصبحون حقيقيين، يحتاجون لإكسير الحياة الذي يبقيهم على بشريتهم: حرية الرأي والاختيار والتعبير.

لسلب حرية الرأي والشعور والتعبير العديد من التداعيات الرهيبة جسدياً ونفسياً، فردياً وجماعياً.

قسر الإنسان على السكوت يقتله ببطء تماماً مثلما يقتل السم المدسوس في الطعام الجسد الذي التهمه.

منع الإنسان من التعبير عن رأيه أو شعوره يغتال إنسانيته ويحيله آلة بيولوجية تأكل وتنام، دون أن تستطيع أن تبدع أو تفكر لنفسها فتتطور، أو تختلف مع غيرها فتفتح آفاقاً جديدة للبشرية.

لكن هذا ليس أسوأ نتاج القمع، فأسوأ منتج له هو الإنسان الكاذب المنافق الجبان، أسوأ تبعاته هو صنعه لمجموعات كبيرة من الكذابين والمنافقين والمتزلفين، لتكبر هذه المجموعات مع الوقت وتلتهم حيزها، سواء كان البيت أو الصف الدراسي أو الوطن، فلا يعود للصدق مكان، ويعم الكذب والنفاق، فلا يصبح من الممكن تمييز رأي عن رأي، صادق عن كاذب، حقيقي عن مزيف.

تنغمس المجموعة كلها في كذب خائف، واحد يُسكِت الآخر، واحد يكذب على الآخر، واحد يحذر الآخر، فتنتهي إنسانية المجموعة، وتتلاشى أهم مميزات بشريتهم، ويموتون وهم يأكلون ويشربون ويتنفسون.

للحياة معنى حين نفلسفها ونعبر عن رأينا فيها، فتلك هي الصفة البشرية الغريبة التي تفرقنا عن كل الكائنات الحية من حولنا؛ أننا نسأل عن معنى وجودنا وسببه، أننا نفلسف هذه الحياة ونحاول فهم مغزى لها.

ومن دون ذلك كله، نحن مثل الشجرة والجزرة والببغاء والغيمة التي تجوب السماء، نكون فقط دون أن نفكر بسبب لهذا التكون.

وتلك -أن نكون دون أن نسأل عن معنى أن نكون- هي أعظم مأساة بشرية يمكن أن تصيب جنسنا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك