قد لا يخفى أن النص الشعري اليوم في ثقافتنا، شبكة كثيفة من الأنساق الثقافية والفنية، مردها إلى أنواع أدبية تتحدر إليه من كل صوب مادة ووسائط وسجلات؛ الأمر الذي يدفع إلى إعادة تعريف الشعر نفسه.
وهذا منعطف في أي بحث لا مناص منه؛ ونتبينه في كل الشعر الذي يكتب في شرق البلاد العربية وغربها؛ على تفاوت أصحابه شهرةَ و»مقروئية».
ولعل ما يجمع الأحدث منهم، أن مصدر قصائدهم رؤية للفنون تشحذ خيال الشعراء العرب منذ عصر النهضة، حيث أخذ الشعر العربي يبرح دائرة الأغراض المتأصلة (مديح وهجاء وغزل وفخر ورثاء…) وينخرط في التيارات والمدارس الوافدة عليه من رومنطيقية ورمزية وتصويرية وسريالية وواقعية اشتراكية، بشتى أنساقها… وهذه نشأت في الثقافات الغربية، والتبست كثيرا، أو قليلا بما تسرب إليها من روافد الفنون والأنواع الأخرى.
لنا أن نذكر بعضهم ممن رحل عن عالمنا ( بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ويوسف الصائغ ومحمود درويش وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر ومحمد عفيفي مطر وسامي مهدي ومحمد الغزي…) ومن الأحياء (أدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد بنيس وعلى جعفر العلاق).
ونحن ندرك أنه قد يكون بيننا وبين الأحياء منهم، ما يسمى «حجاب المعاصرة» الذي يملي علينا حدوده ويلزمنا متطلباته، ويجعلنا نتريث في استصدار أي حكم؛ إذ ما دام هؤلاء يكتبون الشعر، فالنص مرجأ أبدا، والحكم النقدي ناقص ضرورة.
ونعرف من الدراسات الحديثة أن ما يفصل بين المؤلف والقارئ إذا كانا متعاصرين، قد يحجب الرؤية، وقد يجعل القراءة أكثر عنتا عند استقبال النص.
وهي صعوبة بالغة لا يمكن تذليلها، إلا إذا عرف الناقد كيف يستأنس بالنص سياقا ومراجع جغرافية أو أنساقا ثقافية أو تاريخية وأدبية وفنية؛ وبخاصة في موضوع «شائك» كالذي نحن به.
على أن البحث الجاد يحسن أن يكون مخصوصا بقصائد تستجيب لموضوع بعينه، وليس بتجارب هؤلاء الشعراء.
لكنه يقتضي مع ذلك معرفة بالشعر، وبأعمال الشاعر وتجاربه.
وهذه «مرجعيات» لا غنى عنها، إذ من شأنها أن تحمي القراءة من شطط التأويل الذي لا سند له من النص، وأن تمهد لها طريقين: النص/الشاعر والنص/القارئ، آخذين بالاعتبار جملة من «المصادرات» في قراءة أوجه «الشعرية ثقافيا وفنيا»، ومدى اختلافها وائتلافها في القصيدة الواحدة التي يتعهد بعضها «نسقا» داخليا خاصا، ويستدعي أنساق السرد أو الحجاج أو الرسم أو المسرح، بل السينما، حيث اللغة الشعرية منشدة إلى بيئتها بسبب أو أكثر، مثلما هي منشدة إلى عالم رموز وعلامات ومراجع خاصة بها وبصاحبها، محكومة بمنطق نصي داخلي؛ وهي تستدعي «أنساقا»، أو «أجساما غريبة لها وجود نصي مستقل»، بما يضفي عليها غموضا ما، ليس من السهل دائما تبديده؛ إلا في ضوء هذه «الأجسام» أو الأنساق التي ليست من الشعر وهي أدبية وفنية؛ فليس بالمستغرب أن «توسعنا» في عرض بعضها حينا، أو بسطنا فيه القول حينا.
لكن في حدود ما يمليه النص الشعري، فلا الإيقاع يفلت من يقظتنا، ولا التركيب النحوي، سواء التزم فيه الشاعر القاعدة، أو هو حرَفها وعدل عنها؛ ولا علامات الترقيم؛ وبخاصة عندما تُخْفى أو تختفي من النص؛ أو هي تتخلله لِماما، فقد تكون علامة على إيقاع ما خفي، أو على معنى غائب أو هو ملتبس بسبب من الأنساق الأدبية والفنية المتراسلة في النص الواحد.
ومهما يكن، فالعين القارئة هذه «الكاميرا» التي بها نرصد، إنما تحاول أن لا تلتقط من النص إلا ما يتصل بالموضوع المطروح قربا وبعدا، ومكانا وزمانا؛ في مراوحة بين الشعر وهذه الأنساق التي تتداخل فيه وفي نسيجه.
ومن ثمة فنحن في داخل النص آنا، وفي خارجه آنا، من أجل فهم هذه «الشعرية» أو تلك «النسقية»، فوصفها فتفسيرها فتأويلها.
وقد يتعذر الفهم في بعضها، كما في نص أدونيس خاصة حيث يضع شعره معادلة التأثر والانفعال، فالفهم أساس الكتابة، بدل الفهم فالتأثر والانفعال.
وهذه قصائد تتكشف عن أنساق ثقافية وفنية قد تكون مختلفة إلى حد التباين بالجملة (أدونيس في «مفرد بصيغة الجمع» وصلاح عبد الصبور في «الأميرة تنتظر» و»مأساة الحلاج» ويوسف الصائغ في «انتظريني عند تخوم البحر»، أو «المعلم» وعن وحدة الزمان والمكان في الشعر والرسم (سعدي يوسف مثلا في « تحت جدارية فائق حسن»)، وبعضها عن «النسق» إيقاعا وتدويرا في «القصيدة المدورة» والبعض «قصيدة النثر الموزون» (محمد بنيس في «باب المراثي» وحسب الشيخ جعفر في «زيارة السيدة السومرية» ويوسف الصائغ في «انتظريني عند تخوم البحر»…) وهو ما يجنبنا القراءة «الخطية»، وتتبع التسلسل الهرمي النصي، فالنص كل لا يتجزأ، وليس تمثلا حرفيا لأنساق بعينها، أو محاكاة للوحة أو لواقع؛ ولنا بحكم ما يمليه الموضوع والمنطق «السيميائي»، أن ننتقل من العنوان وقد يكون صورة أو تركيبا نحويا قائما على الحذف أو الإضمار، أو من فاتحة النص، أو من وسطه أو من خاتمته، أو العكس، عسى أن نكشف المعنى، ومنه ننفذ إلى عمل الأنساق في النص ودلالاتها.
سؤالنا كلما تعلق الأمر بـ»النسقية»: هل لنا أن نستبدل بـ»النسق»»النظام»، أو «الانتظام» أو «الطوار» أو أن نستخدم هذه المصطلحات، استئناسا بلسان العرب، حيث النسق من كل شيء هو ما كان على طريقة نظام واحد، عام من الأشياء.
وهذه القصائد أشبه من حيث انتظامها وتركيبها بحروف العطف، أو «حروف النسق»، كما يسميها قدماء النحاة؛ لأن الشيء إذا عطفت عليه شيئا بعده جرى مجرى واحدا.
وما نخال «النسق» إلا ترجمة للكلمتين الفرنسية والإنكليزية système/ system التي تعني أيضا: النظام والمذهب والنظرية والمنهج والمنظومة والنمط والطراز والأسلوب والطريقة.
وما يفضي إليه هذا من أسئلة شائكة: فما هي «الأنساق الثقافية» و»الأنساق الشعرية» المقصودة؟ أهي تلك الأجناس أو «الأنواع» الخمسة التي نقف عليها في دراسات المعاصرين: النوع الشعري والنوع السردي والنوع المسرحي والنوع الحجاجي والنوع الترسلي؟ وهل هي كلها ذات «أنساق» بالمعنى الذي استتب لكلمة «نسق»؟ وهذه أسئلة لا يمكن تحاشيها، وهي تحتاج إلى قدر من التدقيق والتفصيل؛ مثلما لا يمكن إغفال مصطلح «القصيدة العربية المعاصرة»، فما المقصود بـ»المعاصرة»؟ وهل من حقنا أن نستبدل بها مصطلحا آخر شائعا هو «القصيدة العربية الحديثة»؟ لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فلا النعت «معاصر» مرادف لـ»حديث» ولا «حديث» مرادف لـ»معاصر»، وإن أَوْهَما بغير ذلك.
والمعنى الأول الذي يتبادر إلى الذهن أن مصطلح «الأدب المعاصر» هو الأدب الذي ينتمي إلى الحاضر، أو الراهن، أو «الحال» في النحو العربي القديم؛ أي هو أدب هذا العصر، ونعني حقبة زمنية بعينها، تُحد عامة بالأربعينيات من القرن الماضي، أو الثلث الأول منه، على ضرورة تنسيب هذا الحكم.
وهي الحقبة التي شهدت الحرب العالمية الثانية، مثلما شهدت بدايات حركات التحرير الوطنية في افريقيا وآسيا من أجل إنهاء الاستعمار، ولكنها عرفت أيضا الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، أو الاشتراكي، فنمو الاقتصاد العالمي، والآداب والفنون المعاصرة بأساليبها المتعددة المتنوعة مثل السريالية والدادائية والتكعيبية خاصة، وصناعة نشر الكتب، ثم «رقمنتها»؛ وما إليها من شتى التغيرات الجيوسياسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
وكان لهذا أثره الكبير في الآداب والفنون، وبخاصة في ثقافة مثل ثقافتنا العربية حيث ظهرت في الثلث الأول من القرن الماضي، أجناس من الكتابة غير معهودة مثل «الرواية» و»المسرحية» و»القصة القصيرة» بالمعنى الذي استتب لهما في الغرب؛ وهي تختلف عن الأجناس السردية المأثورة مثل الخبر والحديث والنادرة والمقامة… بل لم يسلم الشعر أيضا وهو «ديوان العرب» و»العربية»، إذ ألمت بالشعراء مؤثرات رومنطيقية ورمزية وسريالية… بل ظهرت «قصيدة النثر» أو «الشعر المنثور» مع أمين الريحاني منذ بدايات القرن الماضي؛ قبل ظهور «شعر التفعيلة» في الأربعينيات.
غير أن السؤال الذي لا مناص من طرحه هو: ما هو مفهوم «المعاصرة»؟ وكيف نحد هذه «المعاصرة» عربيا؟ ماذا يعني أن تكون القصيدة معاصرة؟ أن يكون الشاعر معاصرا؟ على حين أن نصوصا غير قليلة تنتمي إلى ماضٍ ولى وانقضى، قد تتخطى زمن نشأتها، وقد تكون أقرب إلى بعضنا من نصوص معاصرة لنا زمانا ومكانا.
فلعل المعنى الأعمق ل»المعاصرة» هو أن يكون المبدع منخرطا في علاقة فريدة مع زمنه، وأن يمتلك من الحس أو الحدْس أو «الاستشراف» ما يجعله ينأى بنفسه عنه في الآن ذاته؛ أي أن يكون «هنا» و»هناك»، في راهنه وفي مستقبله.
ولعلها «المفارقة» التاريخية الأصعب، وهي في ما نرجح «لب» المعاصرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك