أندي بيرنام، شخصية جديدة أو بالأحرى مجددة تبرز حاليا في المعترك السياسي البريطاني.
فالشخصية ليست جديدة تماما، جديدها، سنلقاه في السياق البريطاني الوطني الراهن: صوت يساري داخلي منتقد متنام، تجسد في مواجهة سياسة الاقتطاعات الميزانية لكير ستارمر.
عودة سريعة، بل متسرعة إلى قبة البرلمان، تقاطر للصحافيين على بلدية مانشستر في متابعة حثيثة لمشاريع اجتماعية تحمل آلياتها القياسية الذاتية لنتائجها على رخاء السكان.
لكن رياح التجديد التي يرى عدد من البريطانيين أن أندي بيرنام يمتلك مفاتيحها متجذرة أيضا في قديم شخصية ميدانية ذات خبرة سياسية عريقة طويلة النفس وطنيا ومحليا.
وطنيا: دخول مبكر إلى البرلمان سنة 2001، خبرة عمل حكومية في طور التكوين ضمن فريق جوردون براون، في قطاعات المالية والثقافة والصحة.
محليا: مغادرة طوعية للبرلمان سنة 2017 ليتمكن من انتزاع عمادة مانشستر الكبرى ذات الـ 2.
8 مليون نسمة، قبل أن يعاد انتخابه مرتين وبتسجيل الرقم القياسي لغالبية ثلثي الناخبين، أو قاب قوسين أو أدنى في الانتخابات التجديدية الأخيرة.
رياح التجديد التي يرى عدد من البريطانيين أن أندي برنهام يمتلك مفاتيحها متجذرة في قديم شخصية ميدانية ذات خبرة سياسية عريقة طويلة النفس وطنيا ومحلياالميدان إذن والمشاريع.
وهنا يكمن أحد محاور رهان بيرنام الآن، رهان نقل النجاح المحلي إلى نجاح وطني، نجاح محلي تجسد في تركيز ملّح على رخاء المواطن عبر تأميم النقل العمومي، وهو ما لقي تمجيدا وتبجيلا.
نجاح محلي وضعه في قلب المشهد السياسي البريطاني، بعد فوزه في الانتخاب الفرعي بدائرته مايكرفيلد، فبدأت الأنظار تشخص إليه بوصفه طاقة للتجديد داخل اليسار.
هذه الإنجازات، تجدها مؤصلة في خلفية نسجها حسن تقدير لقيمة العمل، وحب له بالتأكيد.
دخل أندي بيرنام، وهو نفسه من عائلة عمال (والده تقني ووالدته مساعدة طبية) حزب العمال ولم يناهز الرابعة عشرة من عمره.
بيئة سياسة منغرسة في العمل صقلت تنظيره لكفاح العمل، لكن بالتضافر مع دراسات أدبية عليا في جامعة كامبريدج ساعدته عضويا في تحديد مقاصد كفاحه الخاص الذي تشكل حول نقطة تحول: إضرابات المناجم في منتصف الثمانينيات.
ولا تمثل بيئة العمل والعمال بالنسبة لبيرنام عالما منغلقا على نفسه لا يحتمل الاختراق بل العكس تماما: فهي الجسر الذي يقوده إلى رؤيته الاقتصادية التي يرغب في الدفاع عنها: الاشتراكية الداعمة للمال والأعمال (pro-business socialism).
وتجد بيرنام من السياسيين القلائل الذين يأتونك بأمثلة وشهادات على إنجازات، بدل أن يواجهوك بخطاب سياسي تقليدي لا يقدم ولا يؤخر.
وفي هذا السياق، أثمن التصريحات التي أدلى بها للإعلام الفرنسي في برنامج «سوفت باور» (قوة ناعمة) الذي تقدمه إذاعة «فرانس كولتور» الفرنسية حول الإنجازات التي حققها على رأس عمادة مانشستر الكبرى، مستشهدا بمثال تعاون البلدية مع شركات فرنسية وازنة مثل «ألستوم» في تطوير شبكة الترام و»سويز» في مجال تدوير النفايات.
وهنا استغل بيرنام سياق هذا التعاون الاقتصادي التقليدي مع دول أوروبية صديقة وشريكة، ليطرح التساؤل المحوري، بصيغة مراجعة للحسابات قادته إلى مكاشفة رأيه العام عن جدوى البريكست.
كثيرا ما شعر بيرنام بنفسه في موقع الوصيف المطارد، بل الدخيل (outsider)، فقد باتت السيناريوهات التي يكتبها سيناريوهات موازية، تتحاشى الطرق الرسمية للسياسة التقليدية، لتؤسس تلك الخطط المعروفة بخطط «باء»، تلك المنطلقة من القاعدة الشعبية التي تحول المشاريع البسيطة إلى أضخمها منفعة.
وليس التصريح التالي الذي وصفه البعض بـ»الجدير برئاسة الوزراء « لافتا لرسميته بقدر ما يسترعي الانتباه بالنقيض تماما، فهو يعكس القاعدة ذاتها التي دائما ينطلق منها بيرنام حينما يرقي المشاريع وينميها: «الكل يستطيع أن يشهد أن البلد ليس في المكان الذي من المفروض أن يكون فيه.
من الآن فصاعدا، سأقدم كل ما في وسعي لجعله كذلك، لضمان أن اسم «مايكرفيلد « متناغم للأبد مع التغيير الذي يحتاجه البلد: استرجاع شيء فقدناه: الأمل.
الأمل للأبد».
الأمل والعمل من القاعدة والجذور لتحقيق أسمى المآرب.
طموح حقا جدير بالمتابعة.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك