متغابون/ متذاكون عن سابق قصد، وبعض السذّج أيضاً ومن باب استكمال الصورة، هم على الأرجح في طليعة المؤمنين بأنّ ما سُمّيت «صولة الفجر» ضدّ الفساد في العراق هي خاتمة أحزان الأنساق الأشدّ توحشاً واستشراساً من اللصوصية الصارخة والنهب الفاضح للمال العام والموارد والثروات في البلد.
فئات أخرى من المرائين والمداهنين، ثمّ الشركاء الذين افتُضحوا للتوّ أو توشك فضائحهم على الانكشاف، سوف يستمرئون إسناد الفضل في «الصولة» إلى رئيس الوزراء الجديد علي فالح الزيدي، صنيعة التوافق الشيعي/ الفصائلي والاضطرار الإيراني والمصادقة الأمريكية.
صحيح، بالطبع، أنّ أسماء المتورطات والمتورطين الذين اعتُقلوا خلال الحملة ليسوا، وحتى إشعار آخر قد يطول أو قد لا يبزغ فجره، أكثر من قطط سمان كانت تحركها وتحميها قطعان من ذئاب وضباع وتماسيح في الذرى الأعلى من معمار السلطة المهيمنة على العراق؛ فصائلية كانت أم حزبية أم حكومية، تابعة لعواصم ومحاور أم محض أدوات تنفيذ، مذهبية وطائفية وإثنية ومناطقية.
ليس أقلّ صحة، استطراداً، أنّ قسطاً إلزامياً من صفقة قبول واشنطن بترئيس الزيدي حكومة ما بعد محمد شياع السوداني، وإقصاء ترشيح نوري المالكي، كان يقتضي جولات (وبالتالي: صولات! ) من ذرّ الرماد في عيون عراقيين جوعى، بؤساء، ضحايا النهب في بلد يسبح على بحار من النفط.
أمّا الأعلى صحة، في يقين هذه السطور بالطبع، فهو حقيقة الجذور الكبرى للفساد في العراق؛ التي لم تبدأ من الاجتياح الأمريكي للبلد سنة 2003 فقط، ولكنها بعده بلغت مستويات قصوى وماراثونية من تركيز شبكات النهب وتكريس قادتها وتمكينهم تحت لافتات شتى: إذا كانت بدأت من أزلام الاحتلال الأمريكي، فإنها تواصلت مع معظم هؤلاء وقد انقلبوا إلى بيادق على رقعة شطرنج عراقية تسلمتها طهران من أمريكا جورج بوش الابن ورهط المحافظين الجدد مهندسي الاجتياح أنفسهم.
بهذا المعنى فإنّ أوّل من يحقّ له أن يسقط على قفاه ضحكاً إزاء مشاهد «صولة الفجر» ضدّ صغار الفاسدات والفاسدين في العراق، لن يكون المواطن العراقي البائس ذاته (إذْ قد تختلط في قهقهته مرارة إدراك هذا الاستسهال الفظيع في تبديد ثروات الشعب والأمّة)؛ بل مواطن أمريكي، كابراً عن كابر، شغل ذات يوم وظيفة «المفتش الخاصّ لإعادة إعمار العراق» SIGIR، التي استحدثها الاحتلال الأمريكي للتدقيق في… أموال العراق، نعم! فهذا الرجل، وفريقه من خلفه، امتلك من سلطات التحقيق والتفتيش ما جعله الأقدر على تسجيل الفضائح والاختلاسات والهدر، سواء بأيدي بعض ممثلي سلطة التحالف، أو بمشاركة وتشجيع وإغماض العين من جانب سلطات الاحتلال الأمريكية ذاتها.
آخر تقارير هذا المفتش، وكان يدعى ستوارت بوين الابن، قبل أن تُطوى وظيفته وتُدفن خلاصاتها، حمل (في الترجمة العربية الرسمية) عنوان «الدروس القاسية: تجربة إعادة إعمار العراق»؛ ونُشرت في صفحاته الأولى لائحة بأسماء 57 من الشخصيات الأمريكية الرئيسية المتورطة في الأكذوبة الكبرى، بينهم أمثال بوش الابن، ريشارد شيني، كولن باول، دونالد رمسفيلد، كوندوليزا رايس، روبرت غيتس، بول ولفوفيتز، دافيد بيترايوس، إليوت أبرامز، زلماي خليزاد…وبمعزل عن الوقائع التي يسوقها التقرير، على سبيل تبرئة الاحتلال الأمريكي (أو «التحالف» كما يسميه) من مسؤولية الفساد والإفساد؛ واظبت الصحافة الأمريكية، ثمّ العديد من وسائل الإعلام الدولية، على تناقل طرائف النهب التي عُزيت إلى رجال واشنطن في العراق: مسؤول عسكري أمريكي رافق فريق الملاكمة الأولمبي العراقي إلى الفليبين، فأنفق 40 ألف دولار من مخصصات الفريق على موائد القمار؛ أو موظف أخفى مليوني دولار، سيولة خالصة، في صندوق أحد المراحيض؛ أو متعهد قبض 100 ألف دولار لإعادة تجهيز المسبح الأولمبي، فلم ينجز سوى دهان مضخّة المسبح، فقط لا غير؛ أو متعهد آخر أعاد تجهيز مستشفى الهلال بمصاعد جديدة، وقبض أكثر من 660 ألف دولار، فهوى أحد المصاعد إلى الطابق السفلي…أسماء المتورطات والمتورطين الذين اعتُقلوا خلال الحملة ليسوا، أكثر من قطط سمان كانت تحركها وتحميها قطعان من ذئاب وضباع وتماسيح في الذرى الأعلىوبموجب قانون إحداث الوظيفة، توجّب على المفتش العام رفع تقاريره إلى اثنين من كبار صانعي القرار في الولايات المتحدة، وزير الدفاع دونالد رمسفيلد ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، الأمر الذي عنى أنه يمزج الشأن السياسي بالشأن العسكري من جهة؛ وينتهي، بالتالي، إلى خلاصات وتوصيات ذات طابع ستراتيجي بعيد الأثر، من جهة ثانية.
وكانت فضائح الفساد ستبدو عادية، على غرار ما يجري هنا وهناك في العالم شرقاً وغرباً، لولا أنّ التفاصيل ظلت مذهلة في جانبين جوهريين، بين جوانب أخرى أقلّ إثارة: أنّ الفضائح تلك دخلت، أوّلاً، في سياقات منهجية منتظمة تجعلها أقرب إلى النسق الدائم وليس المظاهر العابرة؛ وأنها، ثانياً، كانت تتمّ في شروط احتلال عسكري تمارسه ديمقراطية عريقة، يحدث أنها أيضاً القوّة الكونية الأعظم، تحت شعار تحرير العراق من دكتاتورية العهد البائد.
عائدات النفط العراقي كانت الميدان الأكبر، في غمرة أسئلة حارقة من طراز: أين تذهب؟ ما قِيَمها الإجمالية؟ مَن يتحكّم بصرفها؟ كيف، وهل، توضع في خدمة العراقيين؟ ذلك لأنّ المعلومات الرسمية، في مناسبة كلّ تقرير جديد، كانت تقول إنّ كامل عائدات مبيع النفط والغاز العراقيين، بالإضافة إلى مليار دولار اقتُطعت من «برنامج النفط مقابل الغذاء»، ظلت تذهب إلى «صندوق تنمية العراق» الذي تمّ إنشاؤه قبل أكثر من عام بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483.
والقرار ذاك نصّ على وضع الصندوق في عهدة الاحتلال، بغرض استخدام الأموال على نحو شفاف لتلبية الحاجات الإنسانية للشعب العراقي.
كذلك نصّ على أن يعيّن العراق هيئة محاسبة تتابع أوجه صرف تلك الأموال، بما في ذلك قانونية العقود التي تبرمها سلطات الاحتلال مع مختلف المتعاقدين.
ما لا يعرفه الكثيرون أنّ هيئة المحاسبة هذه لم تتمكن أبداً من أداء عملها كما ينبغي (وعلى سبيل المثال فقط، لم تفلح في تدقيق عقود الاحتلال مع الشركة العملاقة هاليبرتن، ذات الارتباطات الوثيقة القديمة والمتجددة مع نائب الرئيس الأمريكي شيني)، وجابهت عشرات العراقيل البيروقراطية.
في المقابل، وعلى نقيض ما هو شائع، لم تنفق سلطات الاحتلال سوى 500 مليون دولار من مبلغ الـ 18.
7 مليار التي وضعها الكونغرس في تصرّف البيت الأبيض بهدف إنفاقها في العراق، حسب معلومات صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.
من جانبها كانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد خفّضت المبلغ إلى 400 مليون، وأوضحت أنّ معظم الصرف ذهب لصالح متعاقدين أمريكيين وشركات أمريكية، وهذه لم تشغّل أكثر من 15 ألف عامل عراقي!وبصرف النظر عن خريطة التوزع الجغرافي أو المذهبي أو الوظيفي أو الفصائلي أو الحزبي للموقوفين، اليوم، على ذمة الحملة الأخيرة ضدّ الفساد؛ وبمعزل، أيضاً، عن أنساق النهب خلال عهود سياسية سابقة، على رأسها عقود حكم حزب البعث ودكتاتورية صدام حسين؛ فإنه قد يصعب على غير المتغابين/ المتذاكين والسذّج والمداهنين، إنكار سلسلة الحقائق الساطعة التي تشير إلى أنّ تجذّر نهب الموارد العراقية كان زراعة أمريكية أعقبت اجتياح البلد سنة 2003، وكان محتماً أن تنقلب إلى استنبات إيراني حين سُلّم العراق إلى طهران وأذرع «الحرس الثوري» المحلية.
ولعلّ أحداً لن يعتب على ستوارت بوين الابن إذا كان، اليوم، أوّل الضاحكين على «صولة» لا تذرّ في عيون العراقيين سوى النزر الضئيل من الرماد!٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك