قراءة في «خواطر سبعيني» لمحمد همام فكري (1-2 ).
كتاب الإجازة الصيفية: ذاكرة المقيم حين تكتب المكانقبل ثلاثة أشهر مرَّت منذ أطلعني الصديق الأستاذ محمد همام فكري على بعض ما كتبه في كتابه المنشود «خواطر سبعيني.
ذكريات مقيم في قطر» وما إن قرأ لي بعض السطور بصياغته السلسة وأسلوبه الهادئ في وصف الحدث ونقلاته الرشيقة منه إلى غيره من الأحداث حتى استهديته الكتاب قبل ولادته، وأوفى - كما عهدته - بالوعد وأهداني الكتاب، فلم أتركه أو يتركني حتى قرأته «من الغلاف إلى الغلاف» كما يقولون.
يأتي الكتاب، الصادر عن وزارة الثقافة في الدوحة سنة 2026، حصيلة إقامة طويلة بدأت منذ وصول الكاتب إلى قطر عام 1979م، لكنها، كما يصرّح في مقدمته، لم تكن «مجرد رحلة عمل؛ بل حياة كاملة»؛ حياة توزعت بين جامعة قطر، ودار الكتب، ونادي الجسرة، والنادي العلمي، والمسرح، والإذاعة، والمتحف، والأسواق، والمجالس، والطرقات، والوجوه التي صنعت ذاكرة المكان.
ومن هنا لا تبدو قطر في هذا الكتاب موضوعًا خارجيًا يصفه الكاتب من بعيد، بل فضاءً عاشه حتى صار جزءًا من تكوينه؛ فهو يقول في عبارة لافتة إن تلك المعالم «عشتها.
وعاشتني».
لذلك يمكن قراءة «خواطر سبعيني» بوصفه كتابًا عن قطر، نعم، لكنه قبل ذلك كتاب عن معنى الإقامة الطويلة حين تتحول من وضع إداري إلى تجربة وجودية.
فالمقيم هنا ليس عابرًا، ولا سائحًا، ولا شاهدًا محايدًا تمامًا؛ إنه إنسان يقف في منطقة دقيقة بين وطن جاء منه ومكان أقام فيه حتى صار جزءًا من ذاكرته.
ومن هذه المنطقة يكتب محمد همام فكري قطر لا بعين الوثيقة وحدها، بل بعين من جاور المكان طويلًا، وأصغى إلى صوته، وحفظ أسماءه، وشهد تبدل ملامحه.
وفي هذه السطور أعرض للقارئ محاور يمكنه أن يعاينها وهو يقلب صفحات الكتاب مما وقعت عليه وحاولت استلهامه منه، ولا أدعي أنني فككت كل مكنوناته، ولكل قارئ منطلق كما كان لصاحبنا - محمد همام - ميزانه لما رأى وعايش.
1.
جدلية هوية المقيم الراحل يجد القارئ أن الكاتب لا يتعامل مع «المقيم» بوصفه وضعًا قانونيًا أو إداريًا، بل بوصفه هوية نفسية وثقافية مركّبة، فهو ليس زائرًا عابرًا، وليس ابن المكان بالمعنى الوراثي، لكنه أيضًا لم يعد غريبًا كامل الغربة.
إنه يقف في منطقة بينية؛ فالمؤلف يقف هو نفسه بين مصر التي لم تغادره روحًا وإن غادرها جسدًا، وقطر التي عاش فيها دهشة البداية وأنسام المعايشة.
حتى أن القارئ يلمس أن الكاتب غدا لا يدري أي هوية يعلي في نفسه تلك التي ورثها أم تلك التي صنعها.
«من ضفة الغريب إلى ضفة المقيم» يستخدم محمد همام هذه العبارة عند حديثه عن سعادته بتحصيله رخصة القيادة وهي تُظهر برمزية عالية كيف يتحول الإجراء الإداري البسيط إلى طقس عبور.
وكحال الكثير من الوافدين أو المقيمين في بداياتهم تخفّف محمد همام في أحواله المعيشية فقال: «كنت أتعامل مع كل شيء بخفة الغريب العابر» وهي تعبيرات في غاية العمق عن شعور البدايات المتردّدة، إلى أن نشأت بينه وبين المكان تلك اللحمة لينزاح الستار عن وطن جديد، فنجده يقول: «هكذا غدت قطر لي وطنًا اخترته حين اختارتني الحياة»، هاتان العبارتان وحدهما ترسمان مسارًا كاملًا، مسار من العبور إلى الاختيار، ومن الخفة إلى الرسوخ.
2.
أثر أدب الرحلة في بناء الكتاب يعدّ محمد همام من الأسماء المرموقة في توثيق وتدوين التراث الجغرافي والتاريخي لدولة قطر، فالكاتب ليس مجرد شاهد عادي؛ هو قارئ ومشتغل بكتب الرحالة والخرائط، وخصوصًا الرحالة الذين مروا بالخليج وشرقه.
لذلك يبدو أن أثر أدب الرحلة حاضر في طريقته في النظر والتدوين، وأكّد على ذلك في عرضه لما في الكتاب بقوله: «كنت أدوّن.
».
لكن الفرق المهم أن الرحالة التقليدي يأتي ويمضي، أما محمد همام فيكتب رحلة طويلة داخل الإقامة، هو رحالة استقر.
لذلك يستعير الكاتب من أدب الرحلة عين الملاحظة، وحب التفاصيل، وتسجيل الأسماء والأماكن، لكنه يختلف عن الرحالة التقليديين في أن رحلته لا تنتهي بالمغادرة؛ إنها رحلة إقامة طويلة، تحوّل فيها المكان من موضوع للمشاهدة إلى جزء من تكوين الذات.
وإن دعي الكتاب بـ «خواطر» فهو لا يقصد عفو الخاطر حيث يتكشّف للقارئ أن الكتاب لا يقوم على التذكّر العفوي وحده، بل على عادة توثيقية تأصيلية دقيقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك