أحدثت التوترات العسكرية وهجمات الصواريخ والمسيرات المتكررة صدمة غير اعتيادية في الأسواق الاستهلاكية ومحال التجزئة المحلية في الكويت والبحرين، حيث تسببت هذه التطورات المتسارعة في تغييرات واضحة في سلوك المستهلكين وحركة الشراء اليومية، رغم قصر مدة الهجمات، إلا أن هذا القلق بدأ يتراجع، حسب مراقبين تحدثوا لـ" العربي الجديد".
وبمجرد سماع صافرات الإنذار وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي لاعتراض الصواريخ، تسود حالة من القلق والارتباك المؤقت التي تدفع مواطنين ومقيمين إلى الاندفاع الفوري نحو المجمعات التجارية الكبرى ومنافذ التجزئة لتأمين السلع الأساسية والمياه الصالحة للشرب خوفا من عودة الاضطرابات، أو فرض قيود على الحركة كما جرى خلال الحرب على إيران، وهو ما تسبب في ضغط استثنائي ومفاجئ على الرفوف وطوابير الدفع.
وتثير الهجمات الجوية والتهديدات للملاحة في مضيق هرمز من آن لآخر مخاوف من حدوث ارتباك مؤقت في سلاسل توريد السلع والأغذية الطازجة، كالفواكه والخضروات واللحوم والأسماك، نظرا لأن الأسواق تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد الخارجي لتأمين ما يقارب 90% من احتياجاتها الغذائية.
ومع توقف أو انخفاض حركة الشحن البحري التقليدية عبر الممرات المعتادة، تتزايد الضغوط اللوجستية التي تدفع الشركات الكبرى وموردي الأغذية إلى الاستعانة بمسارات شحن بديلة، كالشحن الجوي المكلف أو الطرق البرية المزدحمة، وهو ما يحول دون وصول الأغذية الطازجة وسريعة التلف بكفاءتها المعهودة ويتسبب في رفع أسعارها بشكل حاد، حسبما أورد تقرير نشرته" فاينانشال تايمز".
وفي مواجهة هذه الضغوط المتزايدة، يصبح التعاون الوثيق بين صغار التجار والأجهزة الرقابية الحكومية حجر الأساس لمنع استغلال هذه الأوقات الحرجة لرفع الأسعار بصورة غير مبررة واحتكار السلع الأساسية، ويمكن لصغار التجار دعم استقرار الأسواق من خلال الالتزام الصارم بالقرارات الوزارية الصادرة لتجميد أسعار السلع الاستهلاكية، وتجنب تخزين المواد التموينية بغرض المضاربة، إلى جانب تزويد مفتشي وزارة التجارة ببيانات الشراء والبيع والأسعار الحقيقية لمواجهة أي تلاعب يمارسه كبار الموردين والموزعين.
وتؤكد تقارير رصد الأسواق ضرورة تبني هذه الإجراءات الوقائية الصارمة في ظل رصد ارتفاعات سعرية لبعض المواد الاستهلاكية، حيث أوردت" ميد" البريطانية أن زيادات كبيرة متوقعة في أسعار معظم السلع الأساسية مع استمرار الاضطراب الاقتصادي العالمي، في حين ينخفض سعر النفط.
ولا تقتصر التدابير الحكومية الرامية لضبط الأسواق الاستهلاكية في الكويت والبحرين على الجولات التفتيشية اللحظية، بل تمتد لتشمل تبني سياسات وقرارات هيكلية متكاملة تهدف إلى تعزيز المرونة التشغيلية وتجفيف منابع الاحتكار الرقمي والتقليدي لعمليات توزيع الأغذية والسلع الاستهلاكية.
وفي هذا الإطار يأتي تكثيف وزارتي التجارة في البلدين جهودهما لفرض أسقف سعرية محددة ودعم مدخلات الإنتاج المحلي لضمان استمرار تدفق السلع الحيوية دون توقف، بحسب خبراء تحدثوا لـ" العربي الجديد".
عن تلك الحالة، يشير الخبير الاقتصادي محمد رمضان، في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أن حدة التوتر في سلوك المستهلك بالكويت والبحرين تراجعت بشكل ملحوظ مقارنة بالأيام الأولى للأزمة، حيث اعتاد الناس على الواقع الجديد وأصبحوا يتعاملون مع صفارات الإنذار والصواريخ التي تستهدف المناطق العسكرية وتصدّها الدفاعات الجوية بقلق أقل بكثير، إذ أدركوا أن أضرارها محدودة ولا تؤثر مباشرة على حياتهم اليومية.
ويلفت رمضان إلى أن حركة تدفق البضائع عبر السعودية مستمرة" بشكل كبير ومطمئن"، حسب وصفه، ورغم تأخر وصول بعض الأنواع المحددة من السلع أو تباعد فترات وصولها، إلا أن هذا الأمر لم يؤثر على السلوك الاستهلاكي العام، كما أن الأغذية الطازجة متوفرة في الأسواق رغم احتمال تأخر بعض الأصناف، ما يعني عدم وجود مشاكل حقيقية تثير القلق كما كان الحال في بداية الأزمة.
كما تعمل الأجهزة الرقابية الحكومية بفعالية لمنع رفع الأسعار إلا بشكل مبرر، حسب رمضان، لافتاً إلى أنّ معظم المنتجات الاستهلاكية مستوردة من الخارج ولا تواجه مشاكل في التوفر، بل إن التحدي الوحيد يتمثل في ارتفاع طفيف في تكاليف النقل وتأخر وصول بعض السلع عن المواعيد المطلوبة، وهو أمر محدود الأثر، حسب تقديره.
وساهمت الإجراءات الحكومية الداعمة، مثل إعفاء المقاولين من غرامات التأخير بسبب الظروف القاهرة، في مساعدة الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة على تجاوز المرحلة، ما حافظ على استمرارية الأعمال وسلاسة العمليات التجارية، ومع استمرار وصول البضائع عبر الطرق البرية السعودية وبعض المسارات البحرية، وإن كان بنسبة أقل، تسير الأمور بوتيرة مستقرة تتجاوز التوقعات في ظل هذه الظروف، وفق تحليل رمضان.
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي حسام عايش، في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أن عودة التوتر والعمليات العسكرية وصفارات الإنذار في بعض الأوقات إلى المنطقة الخليجية تؤثر سلبا على طمأنينة الشعوب واستقرارها المعيشي، ما يدفع الأفراد للانتقال من مرحلة التوتر إلى مرحلة التحوط وإعادة التفكير في ما يتعلق بنوعية وكميات وطرق الإنفاق، ولا سيما الاستهلاكي.
وإزاء ذلك، يعيد المواطنون في الكويت والبحرين النظر في سلم أولويات إنفاقهم، وسيكونون مضطرين أكثر للمحافظة على سيولة نقدية أكبر والتركيز على الاحتياجات الأساسية، وقد يميلون إلى تخزين بعض السلع الغذائية الضرورية تحسباً لتطور الأمور نحو الأسوأ، خاصة إذا استهدفت العمليات محطات الكهرباء والخدمات الحيوية في فصل الصيف، ما قد يؤدي إلى انهيار كامل في المعروض من السلع الغذائية في السوق، حسب تقدير عايش.
وتتضاعف المخاوف بشأن تخزين السلع بشكل آمن في ظل درجات الحرارة المرتفعة في فصل الصيف، سواء للمخزون الاستراتيجي أو للسلع المتاحة في الأسواق التي قد تتلف بسرعة، وهو ما يزيد حدة القلق لدى المستهلكين والتجار على حد سواء، كما يشير عايش.
ومن جانب آخر، يلفت عايش إلى المخاوف من أن يستغل التجار والفعاليات الاقتصادية المختلفة هذه الأجواء لرفع الأسعار بأعلى من المعدلات الحقيقية، حتى دون تأثر مباشر بسلاسل الإمداد، ما يدخل الجميع في دورة ارتفاع مفتعلة في الأسعار تؤثر على توازن دخل وإنفاق الأفراد والأسر، ولا سيما الوافدين الذين يكونون أكثر عرضة لمخاطر الغلاء.
ويخلص عايش إلى أنّ الأحوال القائمة أثبتت أن التعامل مع فكرة الاستقرار الدائم ليس دقيقاً، وأنّ على الجميع اتخاذ إجراءات التحوط اللازمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك