أعاد التفجير الذي استهدف مقهى خلف القصر العدلي في قلب دمشق ملف الأمن إلى واجهة النقاش السوري، بعدما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في واحدة من أكثر المناطق ازدحاما في العاصمة.
وبينما سارعت فرق الإسعاف والدفاع المدني إلى احتواء آثار الهجوم، وبدأت الحياة تعود تدريجيا إلى طبيعتها، فتح الحادث بابا واسعا من الأسئلة حول دلالاته الأمنية والسياسية، ومدى قدرة الدولة على مواجهة التهديدات في مرحلة ما بعد الحرب.
وخلال حلقة خاصة من برنامج" سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا أمس، ناقش مسؤولون وخبراء وباحثون أبعاد التفجير، وجاهزية القطاع الصحي، ومستوى الأداء الأمني، والسيناريوهات المحتملة وراء العملية، إضافة إلى انعكاسات الحادث على مسار الاستقرار والعدالة الانتقالية في البلاد.
حصيلة الضحايا.
واستجابة طبية عاجلةأكد مساعد مدير صحة دمشق، الدكتور أحمد حباس، أن الحصيلة الرسمية للتفجير بلغت 9 قتلى و20 مصابا، موضحا أن المصابين نُقلوا إلى عدد من مستشفيات العاصمة، بينها دمشق، وابن النفيس، والهلال، والمواساة، إضافة إلى مستشفى خاص في باب شرقي.
وأشار إلى أن معظم الإصابات أصبحت مستقرة، باستثناء حالة حرجة واحدة، فيما خضع أحد المصابين لعملية جراحية تكللت بالنجاح، مؤكدا جاهزية القطاع الصحي وسرعة استجابة فرق الإسعاف والدفاع المدني، التي تمكنت من نقل المصابين خلال وقت قياسي.
وأوضح حباس أن وزارة الصحة تعاملت مع جميع الضحايا بصفتهم مدنيين، دون تصنيفهم بحسب المهن أو الانتماءات الوظيفية.
التحقيقات الأولية.
عبوة ناسفة في مقهى مدنيوبحسب المعلومات الأولية التي عُرضت خلال الحلقة، فإن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الانفجار نجم عن عبوة ناسفة زُرعت داخل مقهى يقع خلف القصر العدلي، فيما يُرجح أن منفذ العملية وصل إلى المكان سيرا على الأقدام، مع استمرار التحقيقات لكشف ملابسات الحادث وهوية المسؤولين عنه.
خبراء أمنيون: العملية تكشف الحاجة إلى تطوير العمل الاستباقياعتبر الخبير الأمني والاستراتيجي العميد منير الحريري أن التفجير يُعد من أخطر الحوادث التي شهدتها دمشق خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن استهداف منطقة مكتظة وفي ساعة الذروة يدل على أن اختيار المكان والتوقيت لم يكن عشوائيا.
ورأى أن الحادث يفرض مراجعة شاملة للإجراءات الأمنية، مع التركيز على تعزيز العمل الاستخباراتي الوقائي، وتوسيع استخدام كاميرات المراقبة، وزيادة الدوريات الأمنية، وتكثيف نقاط التفتيش المتحركة، ولا سيما في المناطق الحيوية ذات الكثافة البشرية العالية.
وأكد الحريري أن وقوع حادث أمني واحد لا يعني انهيار المنظومة الأمنية، لكنه يستوجب استخلاص الدروس وتعزيز أدوات الوقاية لمنع تكرار مثل هذه العمليات.
سيناريوهات متعددة.
والتحقيقات وحدها تحسم المسؤوليةمن جانبه، شدد الكاتب والباحث في الشؤون السياسية محمد جلال العلي على أن التفجير يمثل عملاً إرهابياً استهدف مدنيين، لكنه دعا إلى عدم استباق نتائج التحقيقات في تحديد الجهة المنفذة.
وأشار إلى أن طبيعة العبوة المستخدمة، وطريقة إدارة التحقيقات، قد توحي بفرضيات متعددة، سواء كانت مرتبطة بجهات داخلية أو مدعومة من أطراف خارجية، لكنه أكد أن جميع هذه الاحتمالات تبقى في إطار التحليل إلى حين صدور نتائج التحقيقات الرسمية.
كما رأى أن عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن العملية يجعل من الصعب الجزم بطبيعة المنفذين أو دوافعهم.
هل يقف تنظيم" داعش" أو جهات أخرى خلف التفجير؟وفي الجزء الثاني من الحلقة، رأى الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية عبد الله حمادة، والخبير الأمني ضياء قدور، أن التفجير قد يخدم أكثر من جهة تسعى إلى زعزعة الاستقرار في سوريا، من بينها تنظيم داعش أو أطراف أخرى، مع التشديد على أن هذه الطروحات تبقى تحليلات وليست اتهامات مثبتة.
وأشار الضيفان إلى أن اختيار موقع قريب من القصر العدلي يحمل دلالات رمزية تتعلق باستهداف مؤسسات الدولة، معتبرين أن توقيت العملية يتزامن مع مرحلة تشهد انفتاحاً سياسياً ودبلوماسياً متزايداً لسوريا.
وفي المقابل، أكدا أيضا أن التحقيقات الرسمية وحدها هي التي ستحدد الجهة المسؤولة والدوافع الحقيقية وراء التفجير.
السلاح المنفلت.
تحدٍ رئيسي أمام الدولةواتفق المشاركون في الحلقة على أن انتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية في المرحلة الحالية.
وأوضح العميد الحريري أن كميات كبيرة من الأسلحة بقيت خارج سيطرة الدولة بعد سقوط النظام السابق، ما يجعل استكمال عمليات جمع السلاح وتنظيم حيازته ضرورة لتعزيز الاستقرار.
بدوره، أكد محمد جلال العلي أن احتكار الدولة للسلاح يشكل المدخل الأساسي لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الأمنية، معتبرا أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة يضعف هيبتها ويعقّد مهمة فرض الأمن.
الأمن والعدالة الانتقالية.
مساران متوازيانوتناول النقاش العلاقة بين الأمن والعدالة الانتقالية، حيث رأى الحريري أن الإسراع في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة يعزز ثقة المواطنين بالدولة ويحد من دوافع الانتقام الفردي.
من جهته، اعتبر العلي أن بناء دولة مستقرة لا يمكن أن يتحقق من دون احتكار السلاح، ومحاسبة المتورطين في الجرائم، وترسيخ سلطة القانون على جميع الأراضي السورية.
تقييم الأداء الأمني.
إنجازات قائمة وتحديات مستمرةورغم اعتبار التفجير خرقاً أمنياً يستوجب المراجعة، رأى الضيوف أن السلطات السورية حققت خلال الفترة الماضية تقدما في مكافحة الإرهاب وإحباط عدد من المخططات قبل تنفيذها، إلى جانب تفكيك شبكات مرتبطة بتصنيع وتهريب المخدرات، وتحسين مستوى التنسيق بين المؤسسات الأمنية.
وأشاروا في الوقت نفسه إلى أن المرحلة الانتقالية ما تزال تفرض تحديات معقدة، تتطلب تطوير القدرات التقنية والاستخباراتية، وتعزيز التدريب والتعاون مع الدول الشريكة في مجال مكافحة الإرهاب.
وخلص النقاش إلى أن تفجير دمشق، رغم خطورته، لا يكفي للحكم على المشهد الأمني العام في البلاد، لكنه يمثل اختبارا جديدا لقدرة المؤسسات الأمنية على كشف المنفذين بسرعة، وتعزيز الإجراءات الوقائية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، وأن نجاح التحقيقات، وسرعة الوصول إلى المسؤولين عن التفجير، واستكمال جهود حصر السلاح وتعزيز سيادة القانون، ستبقى عوامل حاسمة في ترسيخ الثقة بالأجهزة الأمنية، ودعم مسار الاستقرار الذي تسعى سوريا إلى تثبيته في مرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك