تواجه الجاليات المصرية في الخارج تحديا صامتا يتعلق بالهوية الوطنية للجيلين الثاني والثالث من الأبناء، فهؤلاء الأطفال والشباب، الذين ولدوا ونشأوا في مجتمعات غربية أو عربية مختلفة، يعيشون في بيئات ثقافية تفصلهم تدريجيا عن واقع وطنهم الأم، وبالنسبة لغالبية هذا الجيل، لا تمثل مصر سوى مجموعة من الحكايات الشفهية التي يرويها الآباء والأمهات في المنازل، أو ذكريات عابرة لزيارات صيفية قصيرة لا تكفي لبناء وعي وطني حقيقي وعميق.
وتكتسب هذه القضية خطورة بالغة بالنظر إلى حجم الكتلة البشرية التي نتحدث عنها، حيث تشير البيانات الرسمية لوزارة الهجرة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن إجمالي عدد المصريين في الخارج يقارب 14 مليون مواطن، كما تؤكد التقديرات أن فئتي الأطفال والشباب من الجيلين الثاني والثالث يشكلون ما بين 30% إلى 40% من هذا الرقم، وهو ما يعني أننا نتحدث عن كتلة حرجة تتراوح بين 4 إلى 5 ملايين نسمة، يتركز وجودهم بكثافة في الأمريكيتين وأوروبا وبعض دول الخليج، وهم القوة البشرية المعرضة مباشرة لذوبان الهوية.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن الجهود الفردية التي تبذلها الأسر المهاجرة لربط هؤلاء الملايين من الأبناء بالهوية المصرية لم تعد كافية وحدها أمام أوعية الثقافة البديلة التي يستهلكونها يوميا، ليظهر لنا أننا نواجه خطرا حقيقيا ومحدقا خلال السنوات القليلة القادمة، يتمثل في الانفصال التام لهؤلاء الشباب عن جذورهم ومحيطهم القومي، وتحولهم إلى مواطنين ينتمون كليا لبلدان المهجر دون أي رابط حقيقي بمصر، وهو ما بدأ في الظهور بالفعل حين اختار عدد منهم أداء الخدمة العسكرية في بلد المهجر، بما يمثل انفصالا واضحا عن هويته الأصلية.
لكن المشهد الأخير في مدرجات بطولة كأس العالم، ومظاهر التشجيع الحاشدة وغير المسبوقة التي أظهرها أبناء المهاجرين للمنتخب الوطني، كشفت عن زاوية مضيئة مغايرة، فقد نجحت كرة القدم فيما تعثرت فيه وسائل أخرى، حيث تفجرت مشاعر الانتماء لدى هؤلاء الشباب، وارتبطوا بالهوية المصرية ربما للمرة الأولى في حياتهم عبر قنوات العاطفة الرياضية والالتفاف حول الرمز الوطني المتمثل في العلم والقميص الأحمر، والنشيد الوطني، وبعض الأغنيات الوطنية والشعبية في أثناء الاحتفال بالفوز أو الصعود، وتمثل هذه الحالة مؤشرا حيويا على وجود مخزون عاطفي يحتاج فقط إلى قنوات رسمية منظمة ومستدامة لاستيعابه وتوجيهه.
وهي حالة تمثل فرصة ذهبية لا تحتمل التأجيل، وتستدعي تدخلا فوريا من مؤسسات الدولة المعنية، والمطلوب الآن هو صياغة خطة عمل عاجلة ومشتركة تقودها وزارة الثقافة التي تولي وزيرتها اهتماما واضحا بالدبلوماسية الثقافية، بالتعاون والتنسيق الكامل مع وزارتي الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، ويجب أن يركز الهدف الأساسي لهذه الخطة على التوسع الأفقي والعمودي في المبادرات القائمة بالفعل مثل مبادرة" اتكلم عربي" ومبادرة" اعرف مصر"، وتحويلهما من إطار التوعية التقليدية إلى برامج تفاعلية جاذبة تستهدف الفئات العمرية الناشئة بلغتهم وأدواتهم العصرية.
وفي هذا السياق، يصبح استغلال التأثير الواسع للاعبي المنتخب الوطني ضرورة استراتيجية، الذين يمثلون للأبناء في الخارج قدوة ونماذج نجاح عالمية، ويمكن توظيف هؤلاء اللاعبين كسفراء للهوية، من خلال تنظيم معسكرات صيفية ثقافية ورياضية داخل مصر برعايتهم، أو من خلال إطلاق منصات رقمية تفاعلية تقدم محتوى يربط التاريخ والفن والثقافة المصرية بالرياضة الشابة.
إن الوعي الوطني لدى ملايين الشباب والأطفال من أجيال المهاجرين يمر بمرحلة مفصلية، وإذا لم نحسن استثمار هذا الحماس الرياضي وتحويله إلى برامج ثقافية ومجتمعية مستدامة تربطهم بالأرض واللغة والتاريخ حالا، فإننا سنواجه بكل تأكيد خطر خسارة هذه الثروة البشرية إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك