في الذكرى المئوية لميلاد مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، خصصت صحيفة" أربايدن" الدنماركية اليسارية، أمس الخميس، ملفاً أعادت فيه قراءة مسيرته، من طبيب فلسطيني شاب دفعته النكبة إلى العمل السياسي، إلى أحد أبرز منظري القومية العربية والكفاح المسلح، مروراً بتأسيس الجبهة وما شهدته من تحولات فكرية وتنظيمية، وصولاً إلى تراجع نفوذها في العقود الأخيرة.
لا يقدم الملف سيرة ذاتية تقليدية بقدر ما يضع حبش داخل سياق تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وصراعات المنطقة والحرب الباردة، مع تركيز على البعد الأيديولوجي في تجربته والإرث السياسي الذي تركه داخل اليسار الفلسطيني والعربي، في لحظة لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو أشكال التنظيم أو طبيعة الجدل حول المقاومة وحدودها.
" الضمير الثوري لفلسطين" وبداية التكوينتصف الصحيفة جورج حبش الذي يعرف بـ" الحكيم" بأنه" الضمير الثوري لفلسطين"، مشيرة إلى مشاركته في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تبنت منذ بداياتها الكفاح المسلح باعتباره الطريق الرئيس للتحرير، متأثرة بحركات التحرر في فيتنام والجزائر، وبخطابات مناهضة للاستعمار في تلك المرحلة.
وترى الصحيفة أن المشروع الذي بدأ حركةً قوميةً عربية تقدمية، دخل لاحقاً في مسارات تحول وانقسام، وصولاً إلى تقلص حضوره مع صعود الإسلام السياسي وتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى تغير أولويات الفاعلين الفلسطينيين أنفسهم داخل الساحة السياسية.
يربط الملف بين المسار الشخصي لحبش ونكبة 1948 التي شكلت نقطة التحول في حياته، إذ أدى تهجير عائلته وفقدان شقيقته إلى تعميق انخراطه في الفكر القومي العربي خلال دراسته للطب في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث بدأت تتبلور لديه رؤية سياسية تعتبر القضية الفلسطينية جزءاً من مشروع تحرري عربي أشمل.
في تلك المرحلة، انخرط مع زملائه في تأسيس" حركة القوميين العرب" التي رفعت شعارات الوحدة والتحرر من الاستعمار، وربطت القضية الفلسطينية بالسياق العربي الأوسع، في محاولة لصياغة هوية سياسية تتجاوز الحدود القطرية، وتتحالف مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، في سياق مواجهة النفوذ الغربي المتزايد في المنطقة، كما أشارت" أربايدن".
من القومية إلى الجبهة الشعبيةيتوقف التقرير عند التحولات المفصلية، من الإطار القومي إلى تأسيس الجبهة الشعبية عام 1967 بعد حرب الأيام الستة (النكسة) وخلافات داخل منظمة التحرير، حيث برز حبش واحداً من أبرز الداعين إلى خط أكثر راديكالية في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، مع نقد واضح لخيارات التسوية المبكرة.
وفي عام 1969، أعلنت الجبهة تبني الماركسية اللينينية، واضعة نضالها ضمن سياق عالمي مناهض للإمبريالية، مع الإبقاء على هدف إقامة دولة فلسطينية علمانية، وهو ما منحها في حينه حضوراً فكرياً يتجاوز الإطار الفلسطيني الضيق نحو شبكات يسارية دولية.
الكفاح المسلح والبعد الدوليتركز الصحيفة على عمليات الجبهة" المثيرة" في السبعينيات، بما في ذلك خطف الطائرات واستهداف مصالح إسرائيلية في الخارج، معتبرة أنها هدفت إلى نقل القضية الفلسطينية إلى الاهتمام الدولي وإخراجها من التهميش الإعلامي والسياسي في الغرب.
وتنقل عن حبش قوله، إن تلك العمليات جاءت لكسر العزلة عن القضية الفلسطينية، في مواجهة ما اعتبره انحيازاً إعلامياً غربياً، ما أسهم لاحقاً في تصعيد المواجهة وطرد الفصائل من الأردن إلى لبنان، وفتح مرحلة جديدة من إعادة تموضعها الإقليمي.
من الصدام مع عرفات إلى رفض أوسلويبرز التقرير الخلاف مع الزعيم الراحل ياسر عرفات حول التسوية السياسية، إذ عارض حبش أي توجه نحو حل الدولتين، معتبراً أنه تنازل عن الثوابت الوطنية.
ومن هنا ساهم في تأسيس" جبهة الرفض" التي ضمت قوى يسارية وقومية رافضة لأي اعتراف بإسرائيل.
واعتبر اتفاق أوسلو عام 1993، تحولاً استراتيجياً خطيراً يرسّخ الاحتلال بدل إنهائه، ودعا إلى رفضه بالكامل، معتبراً أن ما تلاه لا يحقق الحد الأدنى من الطموح الوطني، بل يعيد تشكيل الصراع ضمن إطار تفاوضي غير متكافئ.
وترى الصحيفة أن هذا الموقف يعكس رؤية أيديولوجية تعتبر الصراع جزءاً من مواجهة أوسع مع النظام الدولي، لكنه أصبح لاحقاً محل جدل بين من يراه تمسكاً بالمبادئ ومن يعتبره عجزاً عن التكيف مع التحولات السياسية المتسارعة في المنطقة.
الأممية الثورية وتراجع المشروعيبرز التقرير البعد الأممي في تجربة الجبهة الشعبية من خلال علاقاتها بحركات يسارية وثورية في أميركا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا، وارتباطها بالمعسكر الاشتراكي خلال الحرب الباردة، بما منحها حضوراً رمزياً خارج حدود الصراع الفلسطيني المباشر.
لكن انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود الإسلام السياسي وتراجع اليسار العربي، كما ذهبت الصحيفة، وتغير أولويات الأنظمة الإقليمية أدت مجتمعة إلى انحسار دور الجبهة وتحولها إلى فاعل سياسي محدود التأثير مقارنة بمرحلتها التأسيسية.
إرث حبش في الذاكرة السياسيةتشير الصحيفة إلى أن حبش ظل حاضراً في الذاكرة الفلسطينية باعتباره رمزاً للثبات والرفض، رغم الجدل المستمر حول الوسائل التي اعتمدتها الجبهة في مراحل مختلفة، خاصة تلك المرتبطة بالعمل المسلح خارج الإطار التقليدي.
كما تقدم صورته بوصفها تركيبة فكرية تجمع القومية العربية والماركسية وخلفيات ثقافية ودينية متداخلة، تعكس جيلاً كاملاً خرج من تحولات منتصف القرن العشرين، حيث تداخلت الأيديولوجيا مع التجربة الشخصية والواقع الاستعماري في تشكيل وعيه السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك