يتزايد الإقبال على مشروبات الطاقة في العراق بوتيرة لافتة، لتصبح جزءاً من الحياة اليومية لشريحة واسعة من الشباب، بل وحتى بعض كبار السن، في ظل تنامي أعداد الأنواع المستوردة التي تغزو المتاجر والأسواق، وسط غياب الرقابة الصحية على تداولها وضمان سلامة المستهلكين.
ويأتي ذلك في وقت سُجلت فيه حالات وفاة ومضاعفات صحية نُسبت إلى الإفراط في استهلاك هذه المشروبات في عدد من المحافظات، ما جدد التحذيرات من مخاطرها ودفع إلى مطالبات بتشديد الرقابة على تداولها.
ولم تعد مشروبات الطاقة تُستهلك على نطاق محدود، بل أصبحت جزءا من الروتين اليومي لشريحة واسعة من العراقيين، ولا سيما طلبة الجامعات والعاملين في المهن التي تتطلب ساعات عمل طويلة.
ويُقبل كثيرون على تناولها لمقاومة التعب والسهر وزيادة التركيز، متجاهلين التحذيرات الطبية من احتوائها على مستويات مرتفعة من الكافيين والمنبهات والسكريات، وما قد ينجم عن الإفراط في استهلاكها من مضاعفات صحية.
وتصاعدت المخاوف خلال الأشهر الأخيرة، بعد تداول تقارير عن حالات وفاة ومضاعفات صحية نُسبت إلى الإفراط في استهلاك مشروبات الطاقة، إلى جانب تسجيل حالات خفقان حاد في القلب، واضطرابات في ضغط الدم، ومضاعفات صحية أخرى استدعت نقل بعض المصابين إلى المستشفيات، وهو ما دفع أطباء للمطالبة بتشديد الرقابة على المنتجات المستوردة، إلى جانب تنظيم آليات تسويقها.
ويؤكد أصحاب متاجر وأسواق محلية أن الطلب على مشروبات الطاقة يتزايد بصورة مستمرة، خصوصاً خلال فصل الصيف وفترات الامتحانات.
ويقول الحاج يوسف العزاوي، وهو صاحب متجر للبيع بالجملة في منطقة الشورجة ببغداد، لـ" العربي الجديد"، إن" الطلب على هذه المشروبات مرتفع جداً، وخلال العامين الأخيرين تضاعفت الكميات التي نبيعها".
ويُقبل المراهقون والشباب بكثافة على استهلاك مشروبات الطاقة، التي تُباع في كثير من الأحيان من دون توفير إرشادات واضحة بشأن الكميات الآمنة لاستهلاكها أو الفئات التي يُنصح بتجنبها.
ويقول الشاب عمار سعد (26 عاماً)، وهو موظف في إحدى الشركات الخاصة، إنه اعتاد شرب عبوتين أو ثلاث من مشروبات الطاقة يومياً بسبب ضغط العمل.
ويضيف متحدثاً لـ" العربي الجديد" أن شعوره المؤقت بالنشاط كان يدفعه إلى تكرار التجربة، قبل أن يبدأ في المعاناة من تسارع ضربات القلب والأرق المستمر، الأمر الذي اضطره إلى مراجعة الطبيب وتقليل استهلاكها تدريجياً.
أما الطالب الجامعي فهد حسن (20 عاماً)، فيشير إلى أن مشروبات الطاقة أصبحت خياراً شائعاً بين الطلبة خلال فترة الامتحانات، إذ يلجأ إليها كثيرون لمقاومة السهر وتحسين التركيز.
ويضيف متحدثاً لـ" العربي الجديد": " معظم الطلبة لا يقرأون التحذيرات المكتوبة على العبوات، ولا يعرفون كمية الكافيين التي تحتويها، ويعتقدون أنها لا تختلف عن المشروبات الغازية العادية".
من جانبه، يحذر الطبيب الاختصاصي في الأمراض الباطنية والقلبية، الدكتور ضياء الدايني، من أن الإفراط في استهلاك مشروبات الطاقة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، لا سيما لدى المصابين بأمراض القلب، أو ارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات الجهاز العصبي، ويقول لـ" العربي الجديد" إن" المزج بين نسب مرتفعة من الكافيين والمنبهات والسكريات قد يزيد احتمالات الإصابة باضطراب نبضات القلب، والأرق المزمن، والقلق، والجفاف، وفي بعض الحالات قد يتسبب في مضاعفات تهدد الحياة، لا سيما عند استهلاك كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة".
ويضيف أن" الخطورة لا تقتصر على الإفراط في الكمية فقط، بل تشمل أيضاً عدم معرفة مكونات بعض المنتجات المتداولة في الأسواق"، مؤكداً أن" دخول أصناف متعددة من دون تدقيق وفحوصات مخبرية يثير القلق، خاصة مع اختلاف معايير التصنيع بين بلد وآخر".
ويرى مختصون في التغذية الصحية أن المشكلة تتجاوز المنتج نفسه، لتصل إلى ضعف الثقافة الصحية لدى المجتمع.
ويقول خبير التغذية مصطفى طه، لـ" العربي الجديد": " يفتقر كثير من المستهلكين إلى المعرفة بالمكونات الغذائية والمواد المنبهة الموجودة في المشروبات والأغذية المعلبة، فيما لا توجد حملات توعية بتلك المخاطر مقارنة بحجم الإعلانات التجارية التي تستهدف الشباب وتربط هذه المشروبات بالنشاط والإنجاز والقدرة البدنية".
ويشير إلى أن" الأسواق العراقية تشهد تدفقاً مستمراً لسلع غذائية ومشروبات مستوردة، في وقت يسجل فيه ضعف كبير في العمل الرقابي ومتابعة المنافذ الحدودية، وإجراء الفحوصات الدورية، وسحب المنتجات المخالفة، فضلاً عن محدودية حملات التفتيش على الأسواق وآليات التحقق من مطابقة المنتجات للمواصفات الصحية".
ولا تعتمد مواجهة مخاطر تلك المنتجات على المنع وحده، بل تتطلب بناء وعي صحي يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، مروراً بوسائل الإعلام، مع تشديد الرقابة على استيرادها، وإلزام الشركات بوضع تحذيرات صحية واضحة، والحد من تسويقها للفئات العمرية الصغيرة.
ومع استمرار الإقبال المتزايد على مشروبات الطاقة، يثير ضعف الرقابة على تداولها وتراجع الوعي بمخاطرها الصحية تساؤلات متزايدة بشأن سلامة استهلاكها.
وفي ظل غياب ضوابط أكثر صرامة، قد تتحول هذه المشروبات، التي يلجأ إليها كثيرون بحثاً عن نشاط مؤقت، إلى مصدر لمضاعفات صحية قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات، الأمر الذي يعزز الدعوات إلى تنظيم سوقها، وتشديد الرقابة عليها، ونشر ثقافة الاستهلاك الآمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك