قناة القاهرة الإخبارية - الأصول الإيرانية المجمدة.. هل تتحول إلى مفتاح الحل بين واشنطن وطهران؟| تغطية خاصة القدس العربي - طعن في فرنسا برفض ضمني لإعادة فتاتين من مخيم روج في سوريا العربي الجديد - دلالات سياسية وأمنية لتفجير مقهى قصر العدل في دمشق وكالة الأناضول - حسام حسن: أهدي الفوز للشعب الفلسطيني الذي لم يخذلنا أبدا قناة الجزيرة مباشر - Egyptian community celebrations in New York following historic Round of 16 qualification قناة الشرق للأخبار - ترتيبات خلف الكواليس.. ماذا وراء الاتصال المفاجئ بين نتنياهو وترمب؟ الجزيرة نت - بين البديل الناجح والثبات الذهني.. 4 مفاتيح قادت مصر إلى الفوز على أستراليا (فيديو) CNN بالعربية - ترامب ينشر صورة لورقة نقدية من فئة 100 دولار تحمل توقيعه روسيا اليوم - مصر تستطر التاريخ في كأس العالم 2026 (فيديو) روسيا اليوم - رئيس ليتوانيا يحذر من خطر تشظي "الناتو" إلى ثلاثة أجزاء
عامة

من البرغل إلى الكبة… سيرة السلطة في سوريا من المطبخ

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

يصعب أن نعثر في كتب التاريخ السياسي على فصل يحمل عنوان: «ماذا كان يأكل الرؤساء؟ » فالمؤرخون يهتمون عادة بالانقلابات العسكرية، والحروب، والمؤتمرات، والخطب، بينما تبدو المائدة شأناً شخصياً لا يستحق كثير...

يصعب أن نعثر في كتب التاريخ السياسي على فصل يحمل عنوان: «ماذا كان يأكل الرؤساء؟ » فالمؤرخون يهتمون عادة بالانقلابات العسكرية، والحروب، والمؤتمرات، والخطب، بينما تبدو المائدة شأناً شخصياً لا يستحق كثيراً من الانتباه.

لكن الطعام يقول، في أحيان كثيرة، عن السياسة ما لا تقوله الوثائق الرسمية.

فهو يكشف البيئة الاجتماعية التي خرج منها الحاكم، ويعكس طبيعة المجتمع الذي حكمه، بل يمكن أن يتحول إلى مدخل لفهم التحولات الاقتصادية والثقافية التي عاشتها دولة بأكملها.

وفي سوريا تبدو هذه الفكرة أكثر إثارة، فمن فاكهة شكري القوتلي التي كانت تصل إلى قصور الزعماء العرب، إلى صحن الحمص الذي جمع ميشيل عفلق وصلاح البيطار في سنوات الفقر، ومن الكبة التي دخلت اجتماعات وزير الدفاع حافظ الأسد، وصولاً إلى الخبز الذي تحول في الثمانينيات إلى قضية سياسية، يمكن إعادة قراءة جانب واسع من تاريخ البلاد من خلال المائدة، لا من خلال بيانات الحكومات وحدها.

ويحتل حافظ الأسد مكانة خاصة في هذه الحكاية.

ليس لأنه اشتهر بولعه بالطعام، بل لأن حياته الخاصة بقيت بعيدة إلى حد كبير عن أعين السوريين.

فعلى امتداد ثلاثة عقود، أحاط النظام صورة الرئيس بهالة من الغموض، فلم يعرف الناس مطعمه المفضل، ولا عاداته الغذائية، ولا تفاصيل يومه، كما عرفوا عن كثير من الرؤساء الآخرين.

ومع ذلك، تسمح بعض المذكرات والشهادات، وفي مقدمتها ما أورده مصطفى طلاس، إلى جانب روايات عدد من معاصري الأسد، بإعادة تركيب صورة مختلفة للرجل؛ وهي صورة تبدأ من قرية صغيرة في جبال الساحل السوري، حيث كان الطعام مرآة للفقر أكثر منه وسيلة للترف.

ولد حافظ الأسد عام 1930 في القرداحة، في زمن كانت فيه موائد الريف السوري تقوم على البرغل، والحمص، والعدس، والزيتون، واللبن، فيما بقيت اللحوم مرتبطة بالمناسبات والأعياد.

أما الحلويات والمطاعم والأسواق الكبيرة، فكانت جزءاً من حياة المدن أكثر مما هي من حياة القرى.

ويشير باتريك سيل، في سيرته المعروفة عن حافظ الأسد، إلى أن الطفل لم يشعر في سنواته الأولى بأنه مختلف عن أبناء قريته، فجميعهم كانوا يعيشون الظروف نفسها.

لكن ذلك تبدل عندما أرسله والده عام 1939 إلى اللاذقية لإكمال تعليمه.

وهناك اكتشف مدينة مختلفة.

بدت اللاذقية، بالنسبة إلى الفتى القادم من القرداحة، عالماً آخر.

فقد شاهد أبناء التجار والموظفين يدخلون المطاعم، ويشترون الحلوى، ويجلسون في المقاهي، بينما كان أبناء الأسر الفقيرة يكتفون بالنظر إلى تلك الواجهات.

ويذكر سيل أن الأسد تحدث لاحقاً عن تلك السنوات بوصفها المرحلة التي بدأ فيها يدرك الفوارق الاجتماعية، لا من خلال الكتب، بل من خلال تفاصيل الحياة اليومية، والطعام أحد أبرز هذه التفاصيل.

ولم يكن حافظ الأسد حالة استثنائية.

فقد خرج جيل كامل من قادة البعث من ظروف متقاربة.

فعلى الرغم من أن ميشيل عفلق ينتمي إلى أسرة دمشقية ميسورة نسبياً، فإن سنوات شبابه مع صلاح البيطار اتسمت بالتقشف.

كان الاثنان، وهما يعملان في التدريس، خلال الأربعينيات، يرتادان المطاعم الشعبية القريبة من المدارس والأسواق، حيث كان صحن الحمص يباع بخمسة عشر قرشاً، ورغيف الخبز بعشرة قروش.

ويروي معاصروهما أن الأيام كانت تمر أحياناً من دون أن يملكا سوى ثمن تلك الوجبة البسيطة.

أما حافظ الأسد، فقد وجدت رحلته منعطفاً جديداً مع الالتحاق بالكلية الحربية.

فبالنسبة إلى أبناء الريف، كانت المؤسسة العسكرية طريقاً إلى حياة مختلفة.

فهي توفر الطعام، واللباس، والسكن، والراتب الشهري، وتفتح باباً للصعود الاجتماعي لم يكن متاحاً في البيئات الريفية الفقيرة.

حتى الطعام داخل المؤسسة العسكرية كانت له حكايته.

فقد اشتكى كثير من طلاب الكليات العسكرية، ولاسيما في مدرسة الطيران في حلب، من رداءة الوجبات في الخمسينيات.

وتروي بعض الشهادات أن الإدارة استعانت لاحقاً بطباخ أرمني يدعى ميناس كوزيان، اشتهر في حلب بإجادته للطهي، فتحسنت نوعية الطعام.

ولم يتخيل ذلك الطباخ، أن كثيراً من الشبان الذين يعد لهم الطعام سيصبحون، بعد سنوات، حكام سوريا ووزراءها وقادة جيشها.

وتكشف هذه القصة جانباً آخر من مدينة حلب نفسها.

فقد كان مطبخها ثمرة قرون من التفاعل بين العرب والأرمن والأناضول، ولذلك أصبحت الكبة، بأشكالها المتعددة، عنواناً ثقافياً للمدينة قبل أن تتحول، لاحقاً، إلى جزء من ذاكرة السلطة السورية.

خلال سنوات الوحدة مع مصر بين عامي 1958 و1961، عاش حافظ الأسد تجربة مختلفة تماماً.

فقد انتقل إلى القاهرة مع عدد من الضباط السوريين، حيث أقاموا في مساكن جيدة، وتقاضوا رواتب منتظمة، وقضوا جانباً من أوقاتهم في وسط العاصمة.

وهناك برز مقهى «غروبي» بوصفه أحد أشهر الأماكن التي يرتادها الضباط السوريون.

كان غروبي أكثر من مقهى.

فمنذ أن أسسه الحلواني السويسري جاكومو غروبي في أواخر القرن التاسع عشر، تحول إلى معلم من معالم القاهرة الحديثة، يقصده السياسيون والدبلوماسيون والفنانون، وتقدم فيه القهوة الأوروبية، والشوكولاته، والجاتوه، والآيس كريم، والحلويات الفرنسية.

وفي تلك القاعة التي كانت تعج بالوجوه المختلفة، جلس ضباط سوريون يناقشون مستقبل الوحدة، ويعبرون عن استيائهم المتزايد من سياسات جمال عبد الناصر، ومن قرار حل حزب البعث.

وهكذا تحول غروبي، بالنسبة إليهم، من مقهى إلى مساحة سياسية، تشكل فيها كثير من الأفكار التي ستقود لاحقاً إلى صعود اللجنة العسكرية داخل الحزب.

ولم تتوقف رحلة الطعام عند القاهرة، فعندما أوفد حافظ الأسد إلى الاتحاد السوفييتي للتدريب، اعترف لاحقاً بأنه لم يستسغ الطعام الروسي، وبقي يشتاق إلى أكلات بلاده.

وقد تبدو هذه الملاحظة بسيطة، لكنها تكشف أن الأسد الذي سيبني أوثق تحالف عربي مع موسكو، لم يستسغ طعامهم.

لعله نظر إلى علاقته مع موسكو من منظور عقلاني، بوصفها حليفا جيدا في طبخاته الإقليمية أكثر منها حليفا ثقافيا.

وعندما عاد إلى سوريا، كان على موعد مع مرحلة جديدة، لن يكون الطعام فيها مجرد تفصيل من تفاصيل حياته، بل جزءاً من ذاكرة السلطة نفسها.

وهناك، في بيت وزير الدفاع المستقبلي مصطفى طلاس، ستدخل الكبة للمرة الأولى إلى قلب الحكايةولعل الكبة كانت التعبير الأوضح عن هذا العالم.

فهي أكثر من طبق اشتهرت به حلب؛ إنها تقليد اجتماعي كامل، يبدأ من اختيار البرغل واللحم، ويمر بطريقة العجن والحشو والتشكيل، وينتهي بطقوس التقديم.

الكبة التي دخلت وزارة الدفاعولعل الكبة كانت التعبير الأوضح عن هذا العالم.

فهي أكثر من طبق اشتهرت به حلب؛ إنها تقليد اجتماعي كامل، يبدأ من اختيار البرغل واللحم، ويمر بطريقة العجن والحشو والتشكيل، وينتهي بطقوس التقديم.

ولم يكن غريباً أن تتباهى العائلات الحلبية بإتقان نسائها لصناعة الكبة، تماماً كما تتباهى بتاريخها أو تجارتها.

في هذا السياق تكتسب الحكاية التي يرويها مصطفى طلاس في مذكراته، والتي تعكس مدى شهوته للمال والسلطة والطعام والنساء، معناها الحقيقي.

ففي عام 1968، وخلال اجتماع ضم وزير الدفاع حافظ الأسد، ورئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي، ووزير دفاع الاتحاد السوفييتي آنذاك في منزل طلاس.

خرج وزير الدفاع السوفييتي من الصالة وتوجه الى المطبخ، بعدما جذبته رائحة الكبة التي كانت تعدها لمياء الجابري، زوجة طلاس.

وقف يتابعها وهي تشكل حبات الكبة الواحدة تلو الأخرى، ثم قال مبتسماً إنه لا يفهم كيف تستطيع أصابع صغيرة أن تصنع هذا العدد الكبير من الحبات المتشابهة بهذا الإتقان.

وبعد دقائق، أدى لها تحية عسكرية مازحة، وعاد إلى الاجتماع وكأن شيئاً لم يكن.

قد تبدو القصة أقرب إلى طرفة، لكنها تكشف وجهاً آخر من ثقافة السلطة في سوريا.

فالمنازل الخاصة كثيراً ما تحولت إلى امتداد لغرف القرار، وكانت الولائم العائلية تسبق أحياناً اجتماعات سياسية أو تعقبها.

وهكذا دخلت الكبة، من باب المصادفة، إلى وزارة الدفاع، ثم إلى ذاكرة السلطة السورية.

ولم يكن ذلك الحدث الوحيد الذي حضر فيه الطعام داخل المشهد السياسي.

ففي مذكرات تلك المرحلة تتكرر الإشارات إلى الموائد الرسمية بوصفها جزءاً من لغة الضيافة والدبلوماسية.

فعندما زار جمال عبد الناصر مدينة حلب في الخامس عشر من مارس/ آذار عام 1958، استقبله الحلبيون بمائدة أصبحت جزءاً من الذاكرة المحلية ضمت عشرات الأصناف، من المامونية، والعجة، والكبة الصاجية، والزعتر، والنقانق، والبقلاوة، وأنواع الجبن المختلفة.

لم يكن ذلك مجرد استعراض للطعام، بل كان تعبيراً عن هوية مدينة عرفت تاريخياً بفخرها بمطبخها.

وتكتسب هذه المائدة دلالة إضافية إذا ما قورنت بما يرويه مصطفى طلاس عن زيارته لعبد الناصر في القاهرة.

فقد فوجئ، كما يذكر، ببساطة المائدة المصرية، التي اقتصرت في إحدى المناسبات على البط والبرتقال وحلوى «أم علي».

وربما لم تكن المسألة مرتبطة بالإمكانات بقدر ما كانت تعكس اختلافاً في تقاليد الضيافة بين دمشق وحلب من جهة، والقاهرة من جهة أخرى.

ومع تعاظم العلاقة بين دمشق وموسكو خلال السبعينيات والثمانينيات، أصبح الطعام جزءاً من تلك العلاقة.

ومن أكثر المشاهد دلالة أيضا، ما ارتبط بليلة الحركة التصحيحية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1970.

فقبل ساعات من التحرك الذي سينقل حافظ الأسد إلى قمة السلطة، جلس مع عدد من أقرب معاونيه حول مائدة عشاء ضمت الكباب.

ويصف بعض الشهود أنهم أكلوا بشهية لافتة، رغم إدراكهم أن الساعات التالية قد تغير مصيرهم جميعاً.

كان التوتر يبلغ ذروته، لكن المائدة بقيت حاضرة، وكأنها الهدوء الأخير قبل العاصفة.

ومع استقرار حكم الأسد، ازدادت حياته الخاصة غموضاً، وأصبحت المعلومات المتعلقة بعاداته اليومية نادرة.

ولهذا اكتسبت الروايات القليلة التي خرجت من دائرة المقربين أهمية خاصة.

ومن أشهرها ما رواه رئيس الوزراء اللبناني الراحل سليم الحص.

كان الحص نباتياً، وخلال إحدى الولائم الرسمية لاحظ الأسد أنه يكتفي بالسلطات والمقبلات، فسأله عن السبب، فأجابه بأنه يتبع نظاماً غذائياً نباتياً، ثم أخذ يشرح فوائده الصحية.

وبعد مدة، دعا الأسد ضيفه إلى غداء آخر، فإذا بالمائدة نباتية بالكامل.

استغرب الحص وسأله: «وماذا ستأكل أنت يا سيادة الرئيس؟ » ابتسم الأسد قائلاً: «منذ حديثنا السابق أصبحت نباتياً.

» عندها انفجر الحص ضاحكاً وقال عبارته التي ستصبح لاحقاً واحدة من أشهر النوادر السياسية في لبنان وسوريا: «هذه أول مرة في حياتي أرى فيها أسداً نباتياً.

» سواء عكست هذه الرواية تحولاً حقيقياً في عاداته الغذائية في سنواته الأخيرة، أم بقيت في إطار الدعابة السياسية، فإنها تقدم صورة نادرة لرجل عرفه السوريون رئيساً أكثر مما عرفوه إنساناً.

إذا كانت الكبة قد رافقت صعود حافظ الأسد إلى السلطة، فإن البرغل والخبز والفلافل رافقت حياة ملايين السوريين خلال سنوات حكمه.

وهنا ينتقل الطعام من كونه جزءاً من سيرة الرئيس إلى كونه مرآة لسيرة المجتمع كله.

من موائد السلطة إلى موائد السوريينإذا كانت الكبة قد رافقت صعود حافظ الأسد إلى السلطة، فإن البرغل والخبز والفلافل رافقت حياة ملايين السوريين خلال سنوات حكمه.

وهنا ينتقل الطعام من كونه جزءاً من سيرة الرئيس إلى كونه مرآة لسيرة المجتمع كله.

عرفت سوريا في النصف الأول من السبعينيات مرحلة من التحسن الاقتصادي، مدعومة بعائدات حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، والمساعدات العربية، والعلاقة المتينة مع الاتحاد السوفييتي، فضلاً عن التحويلات المالية من دول الخليج.

توسعت المدن، وظهرت أحياء جديدة، وارتفعت القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الموظفين، حتى بدا أن البلاد تتجه نحو مرحلة من الاستقرار.

غير أن هذا المشهد لم يدم طويلاً.

فمع مطلع الثمانينيات بدأت الأزمة الاقتصادية تفرض نفسها.

تراجعت المساعدات الخارجية، وارتفع الإنفاق العسكري، وأصبحت الأسواق تعاني نقصاً متزايداً في كثير من المواد الأساسية.

وهكذا انتقلت السياسة إلى المطبخ، وصار السوريون يتابعون أسعار السكر والزيت والشاي والرز أكثر مما يتابعون الخطب الرسمية.

وقد انعكس ذلك مباشرة على المائدة السورية.

فالخبز والبرغل والفلافل، أصبحت أكثر حضوراً، بينما أخذت اللحوم تغيب تدريجياً عن موائد كثير من الأسر مع تراجع القدرة الشرائية، وربما لهذا السبب ارتبطت الفلافل، في الذاكرة الشعبية، بسنوات طويلة من الحياة اليومية في المدن السورية، حتى شاع المثل المعروف: «الفلافل دواليب الجنة.

» ولم تكن الفلافل وجبة الفقراء وحدهم، بل كانت الطعام الأرخص والأكثر قدرة على إشباع أسرة كاملة بكلفة محدودة، ولهذا تحولت إلى واحدة من علامات تلك المرحلة.

وفي المقابل، اكتسبت بعض الأطعمة معنى مختلفاً تماماً.

فقد ظل الموز، طوال سنوات، رمزاً للندرة.

كان حضوره في الأسواق محدوداً، ولا يدخل كثيراً من البيوت إلا في المناسبات.

وعندما بدأ يتوافر بكثرة في أواخر التسعينيات، راح أحد الباعة في إحدى المدن السورية ينادي ساخراً: «ثلاثة بمية يا موز… تبهدلت يا موز… أكلوك الشوايا يا موز.

».

كانت العبارة الساخرة تعكس دهشة جيل كامل عاش زمناً كان فيه الموز أقرب إلى الفاكهة الفاخرة، ثم رآه يتحول إلى سلعة عادية على بسطات الأسواق.

غير أن الصورة تبقى ناقصة إذا اكتفينا بموائد البيوت والأسواق.

ففي مكان آخر من سوريا، خلف أسوار السجون، اكتسب الطعام معنى مختلفاً تماماً.

في شهادات معتقلين سابقين في سجن تدمر، لا يحضر الطعام بوصفه غذاء، بل بوصفه امتداداً للعقوبة نفسها.

يروي عدد منهم أن الوجبات كانت تعتمد بصورة شبه دائمة على البرغل والبطاطا، وأن نوعية الطعام كانت بالغة السوء، حتى غدا جزءاً من منظومة الإذلال اليومية.

ويذكر بعض المعتقلين أن البطاطا كانت تطبخ أحياناً بقشورها الملطخة بالتراب، بينما يقدم البرغل من دون أي إضافات تذكر، في صورة تختصر جانباً من قسوة ذلك السجن.

وتبدو المفارقة هنا لافتة، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تستقبل ضيوفها بأطباق الكبة والمشاوي والمقبلات، كان معتقلون يكتبون، بعد سنوات، عن قطعة خبز أو طبق برغل بوصفهما جزءاً من أكثر ذكرياتهم قسوة.

وهكذا يصبح الطعام مفتاحاً آخر لفهم تاريخ سوريا في عهد حافظ الأسد، فمن البرغل الذي عرفه الطفل في القرداحة، إلى صحن الحمص الذي جمع ميشيل عفلق وصلاح البيطار، إلى الكبة التي دخلت وزارة الدفاع، ثم إلى رغيف الخبز الذي تحول إلى قضية دولة، وأخيراً إلى وجبات السجون، تتشكل سيرة أخرى للسلطة، أقل ظهوراً في الوثائق الرسمية، لكنها أكثر حضوراً في ذاكرة السوريين.

ولعل هذا هو الدرس الذي تقدمه المائدة للمؤرخ.

فالتاريخ لا يُكتب بالخطب والانقلابات وحدها، بل يُكتب أيضاً بما أكله الناس، وما حُرموا منه، وبالوجبات التي جمعت السياسيين، كما بتلك التي قسمت بينهم وبين مجتمعاتهم.

ومن هذه الزاوية، يصبح الطعام شاهداً على تاريخ السياسة، تماماً كما تصبح السياسة جزءاً من تاريخ الطعام.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك