أثار التفجير الذي استهدف، أمس الأول الخميس، مقهى المشيرية في منطقة الحجاز وسط العاصمة السورية دمشق قرب القصر العدلي، وأسفر عن سقوط عشرة قتلى و21 مصاباً، تساؤلات بشأن الجهة التي تقف وراءه، ودلالات توقيته، وانعكاساته المحتملة على الواقع الأمني والسياسي في البلاد، في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى ترسيخ الاستقرار وتعزيز الانفتاح العربي والدولي.
ولم تكد تمضي ساعات على التفجير، حتى شهد محيط دمشق هجوماً جديداً، فجر أمس الجمعة، استهدف حاجز كشكول في منطقة الدويلعة، وفق وزارة الداخلية السورية، التي قالت إن شخصين حاولا تفجير قنبلة بجانب الحاجز، ما أدى إلى مقتل أحدهما ليتبين أن جثته تعود لشخص متهم بجريمة قتل وتجارة المخدرات.
وأشارت إلى انه كان برفقة شخص آخر على دراجة نارية، وعند توقيفهما على الحاجز للتفتيش سحب القتيل مسدسه وأطلق عيارات نارية باتجاه عناصر من القوى الأمنية، التي تمكنت من إحباط محاولة المذكور رمي قنبلة انفجرت به ما أدى إلى وفاته على الفور، وإسعاف ثلاثة من عناصر الحاجز إلى المستشفى.
آخر مستجدات التفجير في دمشقوأعلنت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الأولية أظهرت أن التفجير الذي استهدف مقهى المشيرية في شارع النصر بمنطقة الحجاز، نُفذ بواسطة عبوة ناسفة وضعت داخل حقيبة قرب مدخل المقهى.
وأكدت أن التفجير أسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة 21 آخرين، بينما باشرت فرق الأدلة الجنائية جمع العينات ورفع البصمات وتوثيق مسرح الجريمة.
وتفقد محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي، رفقة قائد الأمن الداخلي في المحافظة العميد أسامة عاتكة، والمحامي العام بدمشق القاضي حسام خطاب، موقع التفجير.
وقال المحافظ إن الهدف من العملية هو" التشويش في وقت تتعافى فيه سورية في مختلف المجالات"، مؤكداً أن العمل مستمر لتعزيز الإجراءات الأمنية، وأن مرتكبي الجريمة سيحاسبون بعد استكمال التحقيقات.
كما أعلنت وزارة العدل أن مثل هذه الأعمال" لن تثني مؤسسات الدولة عن مواصلة ترسيخ سيادة القانون وتحقيق العدالة وملاحقة المسؤولين عنها"، في إشارة الاتهامات الموجهة لـ" فلول النظام" السابق بإمكانية وقوفهم خلف التفجير في المكان الذي يشهد محاكمات لبعض رموز الحقبة السابقة.
ويعد مقهى المشيرية من أقدم المقاهي الشعبية في دمشق، ويقع بمحاذاة القصر العدلي في منطقة الحجاز، ويعرف بأنه ملتقى للمحامين والقضاة والحقوقيين، إلى جانب كونه يشهد حركة يومية كثيفة من المراجعين والمدنيين.
نوار شعبان قباقيبو: الثغرة الأولى تتمثل في قدرة المنفذ على الدخول إلى المقهى وزرع العبوة الناسفة ومن ثم الخروجويرى مراقبون أن اختيار هذا الموقع لا يبدو عشوائياً، نظراً لما يمثله من رمزية مرتبطة بالمؤسسة القضائية، إضافة إلى كثافته البشرية، بما يمنح أي اعتداء فيه أثراً إعلامياً وسياسياً واسعاً حتى وإن كانت العبوة الناسفة محدودة القوة.
ويأتي التفجير في توقيت تشهد فيه البلاد سلسلة من التطورات السياسية، أبرزها اكتمال تشكيل مجلس الشعب واستعداد المجلس لعقد أولى جلساته الاثنين المقبل، إلى جانب استمرار الانفتاح العربي والدولي، وبدء الحديث عن مشاريع استثمارية وإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية.
كما تزامن الحادث مع تحركات دبلوماسية سورية خارجية، وزيارات رسمية، إضافة إلى نقاشات داخلية تتعلق بمحاسبة قضاة متهمين بالفساد، وبحث مشاريع قوانين مرتبطة بالعدالة الانتقالية وتجريم تمجيد النظام السابق.
ويرى محللون أن هذا التوقيت يمنح العملية أبعاداً تتجاوز بعدها الأمني، إذ قد يكون الهدف منها توجيه رسالة تهدف إلى إضعاف ثقة الداخل والخارج بقدرة الدولة على فرض الأمن، والتأثير على صورة الاستقرار التي تسعى الحكومة إلى ترسيخها خلال المرحلة الانتقالية.
ورغم تداول العديد من الروايات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك معلومات غير مؤكدة عن هوية المنفذين أو طريقة التنفيذ أو توقيف مشتبه بهم، فإن السلطات السورية لم تعلن حتى الآن أي نتائج نهائية تحدد الجهة المسؤولة عن التفجير.
وقال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية في المركز العربي لدراسات سورية نوار شعبان قباقيبو، في حديث مع" العربي الجديد"، إنه من الناحية الاستخبارية، فإن الثغرة الأولى تتمثل في قدرة المنفذ على الدخول إلى المقهى وزرع العبوة الناسفة ومن ثم الخروج.
وهذا مؤشر خطير على قدرة الجهات التخريبية على القيام بذلك بسلاسة، ما يستدعي تعزيز الأدوات الاستباقية، خصوصا لدولة معرضة لتهديدات مضاعفة مثل سورية في ظل تعدد الجهات المتربصة، فبعضها مرتبط بالنظام السابق، وأخرى بإيران أو خلايا تنظيم" داعش"، وقد يكون التفجير مرتبطاً بمسار المحاكمات الخاصة بالنظام السابق أو الهدف التشويش على المسار الداخلي.
ورأى شعبان أنه لا يمكن الجزم بمسؤولية جهة محددة، وهو ما يضاعف مسؤولية الجهات الأمنية في العمل الاستباقي وسرعة التحرك، في مواجهة ما سماه" التهديدات المركبة" التي تتعرض لها البلاد.
وأوضح ان التهديدات المركبة تحصل في أكثر من مكان من دون أن تكون مرتبطة ببعضها بالضرورة، وهو ما يستدعي تطوير القدرات الخاصة بالكشف المبكر عن هذه التهديدات.
محمد عاطف جاويش: الضربة لا تخدم سلطة قائمة، بل تستهدف مساراً ناشئاً للعدالة الانتقالية ومحاكمة رموز النظام البائدمن جانبه، قال المحامي محمد عاطف جاويش لـ" العربي الجديد"، وهو أحد الناجين من تفجير سابق استهدف القصر العدلي في دمشق عام 2017، إنه يضع الحادثتين في سياقهما الصحيح من دون خلط بينهما.
وأوضح جاويش انه في عام 2017، كان الاستهداف يقع" في ظل نظام ساقط كان هو ذاته يصنع بيئة العنف ويغذّيها، وكانت الأطراف المنفذة والمستفيدة من ذلك المناخ الأمني تعمل تحت مظلة سلطة لا تريد عدالة ولا محاسبة، بل تريد الفوضى ذريعةً لبقائها"، مشيراً إلى أنه تعرض لإصابة في ذلك الانفجار، بقيت آثارها في جسده وذاكرته منذ ذلك الحين.
ورأى جاويش أن تفجير أمس الأول الخميس في دمشق مختلف جوهرياً، من ناحية المكان تحديداً وإن تقاطع مع محيط القصر ذاته، ومن ناحية الزمان جذرياً إذ يقع اليوم في ظل مرحلة انتقالية تسعى لبناء دولة القانون بعد سقوط الاستبداد، فضلاً عن اختلاف الأهداف، فالضربة اليوم لا تخدم سلطة قائمة، بل تستهدف مساراً ناشئاً للعدالة الانتقالية ومحاكمة رموز النظام البائد.
كما تختلف الأطراف المنفذة والمستفيدة، إذ تحوّلت من أدوات نظام حاكم إلى بقايا فلوله الرافضة لمحاسبتها.
وأضاف أن من أُصيب في 2017 ثم شهد استشهاد زملائه في 2026 في الموقع نفسه، لا يملك إلا أن يقرأ في هذا التكرار رسالة واحدة وهي: " أن معركة العدالة لم تنته، وأن ثمنها ما زال يُدفع.
وأؤكد أنني، ومعي زملاء المهنة، لن نتراجع خطوة واحدة حتى تحقيق العدالة المنشودة، ومحاسبة كل من ساند أو موّل أو غطّى جرائم نظام البراميل وأعوانه".
ويأتي تفجير مقهى المشيرية بعد سلسلة من الحوادث الأمنية التي شهدتها دمشق خلال الأشهر الماضية.
في مايو/ أيار الماضي، أعلنت السلطات السورية مقتل أحد عناصر وزارة الدفاع وإصابة 12 آخرين في انفجار سيارة مفخخة قرب إدارة التسليح التابعة للوزارة، وذلك بالتزامن مع عمل وحدة عسكرية على تفكيك عبوة ناسفة.
كما شهدت منطقة الدويلعة في يونيو/ حزيران 2025 هجوماً انتحارياً استهدف كنيسة مار إلياس، وأسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 53 آخرين، وقالت وزارة الداخلية حينها إن منفذ الهجوم ينتمي إلى تنظيم" داعش".
ويرى مراقبون أن نجاح السلطات في كشف ملابسات التفجير بسرعة، والإعلان بشفافية عن نتائج التحقيق، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه العمليات، سيكون عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المواطنين، وكذلك طمأنة المستثمرين والدول التي تتابع تطورات المرحلة الانتقالية في سورية.
في المقابل، يرى آخرون أن منفذي العملية، أياً تكن هويتهم، قد لا يحققون أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى، بل إن مثل هذه الهجمات قد تؤدي إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وتسريع ملاحقة الخلايا المتورطة، بما قد يفضي إلى نتائج عكسية على الجهات التي خططت ونفذت العملية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك