تتحوّل موجات الحر المتكررة في إيطاليا من ظاهرة موسمية عابرة إلى تحدٍ بنيوي يفرض إعادة النظر في شبكة المرافق العامة ومن بينها المدارس.
في وقت باتت العاصمة الإيطالية روما في قلب الضغط الحراري خلال موسم الصيف الذي تتجاوز فيه درجات الحرارة 40 مئوية، وتتكرر في شكل متقارب وغير مسبوق، ما يجعل الموسم أطول وأكثر قسوة من المعتاد، تزداد شكاوى الناس من تأثير الحرارة على الحياة اليومية، من النقل العام إلى الصحة العامة وصولاً إلى المدارس التي تجد نفسها في موقع هشّ في ظل تحوّل الفصول الدراسية إلى بيئات خانقة تؤثر في التركيز والتحصيل الدراسي.
وأمام هذا الواقع، أطلقت بلدية روما أكبر مشروع من نوعه في تاريخ إيطاليا لإعادة تأهيل المدارس الحكومية وتحويلها إلى" مدارس خضراء" قادرة على التكيّف مع تغير المناخ لمحاولة ربط البنى التعليمية الجديدة بالتحولات المناخية المتسارعة التي تعيد رسم خريطة الحياة في جنوب أوروبا.
ويستهدف المشروع تحديث نحو 1350 مدرسة في العاصمة بكلفة تبلغ 850 مليون يورو، ما يشكل اعترافاً بأن المباني التعليمية القديمة لم تعد تستجيب للمتطلبات المناخية الجديدة، ولا توفر بيئة تعليمية آمنة ومريحة.
تشير صحيفة" كورييري ديلا سيرا" إلى أن معظم مدارس روما شُيّدت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي حين لم تكن أنظمة التبريد أو معايير التكيف المناخي جزءاً من التخطيط العمراني، أما اليوم فأصبحت الفصول الدراسية خلال أشهر مايو/ أيار ويونيو/ حزيران ويوليو/ تموز، وحتى مع انطلاق العام الدراسي في سبتمبر/ أيلول، أشبه بأفران، مع تزامن الامتحانات النهائية مع موجات حر تتجاوز 40 درجة مئوية في كثير من الأحيان.
وترى إدارات المدارس ومسؤولو التعليم أن استمرار التعليم في هذه الظروف يهدد صحة الطلاب والمعلمين ويؤثر في التركيز والتحصيل.
ويحذر متخصصون من أن الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بموجات الحر، وأن ارتفاع درجات الحرارة داخل الصفوف ينعكس مباشرة على التركيز والأداء الدراسي والصحة الجسدية والنفسية، ما يجعل" الراحة الحرارية" جزءاً من معايير جودة التعليم في عدد متزايد من الدول الأوروبية.
ويصف رئيس بلدية روما روبرتو غوالتيري المشروع بأنه" الأكبر الذي يُنفذ في إيطاليا لإعادة تأهيل كل المدارس من دون استثناء، علماً أن التمويل يتوزع بين 600 مليون يورو من بلدية روما وشركائها، و250 مليون يورو من مدينة روما الكبرى، ومساهمات حكومية ومؤسسات تمويل عامة.
ولا تقتصر الخطة على تركيب أجهزة تبريد، بل تشمل إعادة تصميم المباني لرفع كفاءتها في استهلاك الطاقة وتعزيز قدرتها على مواجهة آثار تغير المناخ".
ويوضح أن" أعمال التطوير تشمل تحسين العزل الحراري للأسقف والجدران، واستبدال أنظمة التدفئة القديمة بمضخات حرارية توفر التدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف، إلى جانب رفع كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية، وزيادة المساحات الخضراء والأشجار المحيطة بالمدارس للحدّ من ظاهرة الجزر الحرارية، وتحسين جودة الهواء داخل الفصول".
ويؤكد مسؤولو التعليم أن هذه الإجراءات لن توفر بيئة دراسية أكثر راحة فقط، بل ستخفض أيضاً تكاليف تشغيل المدارس على المدى الطويل.
وعموماً تعكس التحسينات البنيوية في مدارس روما تحوّلاً أعمق في مفهوم" المدرسة الآمنة"، إذ لم تعد المؤسسة التعليمية تُقاس فقط بجودة المناهج أو عدد المعلمين، بل أيضاً بقدرتها على توفير بيئة مادية تحمي الطلاب من آثار المناخ المتطرف، لذا تتجه مدن أوروبية عدة إلى اعتماد معايير" المرونة المناخية" في تصميم المدارس، والتي تشمل التهوية الطبيعية، وتقليل امتصاص الحرارة، واستخدام مواد بناء تعكس أشعة الشمس بدلاً من تخزينها.
كما بدأت بعض البلديات بإدخال مساحات خضراء داخل المدارس، مثل الحدائق الصغيرة والأسطح النباتية، بهدف خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء.
ويرى متخصصون أن هذه الإجراءات لا تقتصر على الجانب البيئي، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية للأطفال وزيادة قدرتهم على التركيز، في ظل بيئة دراسية أصبحت أكثر عرضة لتقلبات مناخية حادة وغير مسبوقة في تاريخ التعليم الحديث في أوروبا.
ورغم ضخامة التمويل، سيستغرق تنفيذ المشروع سنوات، وبدأ تقديم المقترحات الهندسية تمهيداً لإطلاق الأعمال، ويُتوقع انطلاق المرحلة الرئيسية عام 2029 بعد استكمال الإجراءات الإدارية والمناقصات.
ولتخفيف المعاناة في المدى القريب، خصصت بلدية روما ستة ملايين يورو لشراء وتركيب أجهزة تكييف في المدارس الأكثر تضرراً، على أن يُعاد استخدامها لاحقاً بعد اكتمال أعمال التأهيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك