يضيق حلم السكن في لندن على شرائح واسعة من البريطانيين، بينما تزداد قيمة السوق العقارية جاذبية للمليارديرات.
يكشف اتجاه عائلة سجواني الإماراتية لشراء قصر" ذا هولم" التاريخي في ريجنت بارك بنحو 190 مليون جنيه إسترليني، هذا التناقض.
يقع القصر قرب بحيرة ويمتد على نحو أربعة أفدنة ويضم 40 غرفة.
ولا تكمن أهمية الصفقة حصراً في السعر الذي هبط من 250 مليون جنيه سابقاً، بل في ما تكشفه عن اقتصاد موازٍ تتحول فيه العقارات النادرة والعصية على البريطانيين، إلى خزائن للأثرياء وملاذ من الاضطراب.
تأتي الصفقة في لحظة حساسة لسوق العقارات البريطاني.
فالسوق الأوسع لا يزال متأثراً بفوائد مرتفعة، وتراجع القدرة الشرائية، وحذر المشترين المحليين.
أما في سوق العقارات فائقة الفخامة، حيث تتجاوز الصفقات عشرات أو مئات الملايين، فتبدو القواعد مختلفة تماماً.
هنا لا يتحرك الطلب وفق دخل الأسرة أو موافقة البنك، بل وفق الندرة والموقع والرمزية السياسية والمالية للمدينة.
في هذا السياق، يقول ديفيد فيل، كبير المحللين في شركة الاستشارات والوساطة العقارية" هامبتنز"، في حديث حصري مع" العربي الجديد"، إن أسواق لندن الراقية تعتمد بكثافة على المشترين النقديين.
فبينما كانت نحو نصف مشتريات وسط لندن الراقي تتم عادة نقداً، ارتفعت هذه النسبة في السنوات الأخيرة إلى نحو 60% بالتزامن مع صعود معدلات الرهن العقاري، مقارنة بما يزيد قليلاً على ربع المشتريات فقط في عموم البلاد.
ويعني ذلك أن هذا الجزء من السوق لا يتأثر بارتفاع الفوائد بالطريقة نفسها التي تضغط فيه الفائدة على المشترين العاديين.
فالعائلات فائقة الثراء لا تنتظر بالضرورة موافقة مصرف، ولا تحسب قدرتها على الشراء وفق القسط الشهري.
بيد أنّها، بحسب فيل، لا تتحرك خارج الحسابات الاقتصادية تماماً، إذ تظل حساسة لما يسميه" كلفة الفرصة البديلة".
وبعض المشترين، خصوصاً من لا يشترون مسكناً رئيسياً للإقامة فيه، وجدوا خلال السنوات الأخيرة أنهم يستطيعون تحقيق عوائد أعلى على أموالهم في فئات أصول أخرى.
ويضيف فيل أن أسواق العقارات الراقية أكثر حساسية للتغيرات الضريبية، بل أصبحت في السنوات الأخيرة هدفاً لها.
فقد ارتفعت رسوم الدمغة على شراء المنازل باهظة الثمن خلال العقد الماضي، خصوصاً بالنسبة إلى المشترين الأجانب ومشتري المنازل الثانية، ما ساهم في تقليص عدد المستثمرين والمشترين الدوليين.
ويرى أن هذه الأسواق تحركها السياسة والمزاج الاستثماري والعوائد أكثر من أسعار الفائدة وحدها، ولذلك فإن تغير التوقعات السياسية، لا مجرد انخفاض الفوائد، قد يكون العامل الأهم في إعادة تنشيطها.
تتقاطع هذه القراءة الحذرة مع ما يقوله ليام موناغان، المدير الإداري في شركة" إل سي بي برايفت"، في حديث حصري لـ" العربي الجديد"، حيث يشرح أن جاذبية لندن كملاذ آمن" لم تختفِ فعلياً"، بل إن فترات عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي تذكّر المستثمرين الدوليين بأسباب توجيه رؤوس الأموال إليها تاريخياً.
ويشير إلى أن العاصمة البريطانية تجمع بين الاستقرار السياسي والنظام القانوني الشفاف وقوة حقوق الملكية والعملة المعترف بها عالمياً، وهي عناصر تبقى جذابة للعائلات فائقة الثراء، الساعية إلى حفظ الثروة على المدى الطويل.
غير أن موناغان يحذر من تفسير عدد محدود من الصفقات الكبرى على أنه دليل على تعافٍ واسع في سوق وسط لندن الراقي.
فأحجام الصفقات، بحسبه، لا تزال ضعيفة، والمشترون ما زالوا شديدي الحساسية تجاه الأسعار.
لكنه يرى أن صفقات بارزة مثل" ذا هولم" تخلق ثقة وتتحول إلى نقاط مرجعية مهمة لمشترين دوليين آخرين، لأن المستثمرين في الأسواق الاختيارية يبحثون غالباً عن إشارات تفيد بأن آخرين مستعدون للالتزام قبل اتخاذ قرارهم.
لذلك، لا تعني صفقة" ذا هولم" تعافي السوق، بل تكشف أن قمته تتحرك بمنطق مختلف: حفظ الثروة والخصوصية والأمن أهم من عوائد الإيجار أو الربح السريع، فيما يمنح سعر الصرف المشترين المرتبطين بالدولار والعملات الخليجية أفضلية إضافية.
ولا يقتصر الأمر، بالنسبة إلى العائلات فائقة الثراء، على شراء منزل في مدينة آمنة.
ففي حديث حصري لـ" العربي الجديد"، يقول معين شعبان، مدير الأبحاث والتحليلات في شركة بيانات الثروات العالمية" ألتراتا"، إن اهتمام أثرياء الخليج بعقارات لندن" ليس ظاهرة جديدة"، بل يمتد لعقود، معتبراً أن صفقة" ذا هولم" ليست سوى أحدث حلقة في هذا المسار.
ويشير إلى أن القصر نفسه انتقل بين ملاك كويتيين وسعوديين منذ ثمانينيات القرن الماضي، بينما امتلكت قطر أصولاً بارزة في لندن، من" هارودز" إلى" ذا شارد"، منذ أكثر من عقد.
لكن ما تغيّر، بحسب شعبان، ليس الشهية الخليجية للعقار اللندني، بل" مزاج" المشترين، مع دخول صناديق سيادية ومكاتب عائلية ورواد أعمال عصاميين إلى سوق أصبح أكثر ليونة ويقدم قيمة أفضل.
ويوضح أن العقار والأمن والتنقل العالمي باتت، بالنسبة إلى العائلات فائقة الثراء، استراتيجية واحدة لا ثلاثة قرارات منفصلة.
فالأثرياء، وفق قوله، يبنون اليوم" محافظ وصول" عبر ولايات قضائية متعددة من خلال الإقامات وجوازات السفر، فيما يتحول المنزل البارز في مدينة ملاذ مثل لندن إلى المرساة المادية لهذه المحفظة: مخزن صلب للقيمة وقاعدة للحركة العالمية ومنزل عائلي خاص وآمن تحميه سيادة القانون.
بهذا المعنى، لا يُشترى القصر كسكن فقط، بل كعنوان آمن ومخزن ملموس للقيمة ضمن استراتيجية أوسع لحفظ الثروة والتنقل العالمي.
وفي رد على أسئلة" العربي الجديد"، وصفت روزي خالاستشي، مديرة في شركة الوساطة العقارية الفاخرة" بوشوم إستيتس"، صفقة" ذا هولم" بأنها" مذهلة وواحدة من أهم صفقات العقارات فائقة الفخامة التي أُنجزت في لندن خلال سنوات".
وتضيف خالاستشي أن اللافت في هذه المرحلة هو أن الأمر لم يعد مقتصراً على العائلات الملكية الخليجية التي امتلكت تاريخياً أصولاً كبيرة في لندن، بل باتت عائلة مليارديرية خليجية من خارج الدوائر الملكية تتحول إلى لاعب مؤثر في السوق خاصة في ظل تراجع أسعار وسط لندن الراقي بأكثر من 20% عن ذروتها السابقة، ووجود فرص لشراء أصول نادرة بأسعار أقل من مستوياتها التاريخية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك