تنطلق خلال أغسطس/ آب المقبل بعثة علمية دولية إلى واحدة من أكثر مناطق العالم عزلة وقسوة، في مهمة تمتد ثمانية أشهر داخل المحيط المتجمد الشمالي، بهدف دراسة تأثير التغير المناخي والتلوث على النظم البيئية الهشة، واكتشاف أشكال جديدة من الحياة لم تُرصد من قبل.
ويتوجه ستة علماء وستة من أفراد الطاقم إلى بلدة كيركينيس الواقعة في أقصى شمال النرويج بالقرب من الحدود الروسية، حيث سيستقلون محطة تارا القطبية، وهي مختبر عائم متطور صممته فرنسا خصيصًا للأبحاث العلمية في البيئات القطبية.
وسيخضع الفريق في البداية لانتظار تحسن الأحوال الجوية ووصول كاسحة جليد تفتح لهم طريق العبور، قبل الانطلاق في رحلة تنجرف خلالها المحطة ببطء مع الجليد البحري عبر القطب الشمالي باتجاه غرينلاند، وفقًا لصحيفة" غارديان".
رحلة علمية إلى قلب القطب الشماليستكون المهمة من أصعب الرحلات العلمية في العالم، إذ سيعيش الفريق وسط ظروف مناخية قاسية تشمل ليالي قطبية طويلة تمتد لأشهر، ودرجات حرارة قد تصل إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر.
ويبلغ طول المحطة العائمة 26 مترًا وعرضها 16 مترًا، وقد صُممت لتتجمد داخل الجليد البحري وتتحرك معه بصورة طبيعية، ما يسمح للعلماء بإجراء قياسات دقيقة في قلب المحيط المتجمد الشمالي.
ويسعى الباحثون إلى جمع بيانات غير مسبوقة حول تأثير الاحتباس الحراري والتلوث في النظم البيئية القطبية، التي تُعد من أكثر البيئات هشاشة على كوكب الأرض.
ويؤكد المدير التنفيذي لمؤسسة تارا أوشن، عالم الأحياء الدقيقة رومان تروبليه، أن العالم قد يفقد أنواعًا كاملة قبل أن يتمكن العلماء من اكتشافها، مضيفًا أن العقود المقبلة ستشهد تغيرات جذرية في المنطقة نتيجة التسارع الكبير في ذوبان الجليد.
صفحة بيضاء في علم الأحياء القطبيورغم التقدم الكبير في دراسة الخصائص الفيزيائية للمحيط المتجمد الشمالي، لا تزال الحياة البيولوجية في أعماقه تمثل لغزًا كبيرًا بالنسبة للعلماء.
ويقول تروبليه إن الباحثين يمتلكون معرفة واسعة بفيزياء القطب الشمالي، لكنهم لا يزالون يجهلون معظم تفاصيل الحياة التي تزدهر تحت الجليد، واصفًا المنطقة بأنها" صفحة بيضاء" تنتظر من يكتشفها.
وتستند هذه المهمة إلى خبرات مؤسسة تارا أوشن التي نفذت عام 2006 رحلة انجراف ناجحة عبر القطب الشمالي، لتصبح ثاني بعثة من نوعها بعد الرحلة التاريخية التي قادها المستكشف النرويجي فريدجوف نانسن على متن السفينة" فرام" في نهاية القرن التاسع عشر.
وبلغت تكلفة إنشاء محطة تارا القطبية نحو 26 مليون يورو، وجاء تصميمها ثمرة تعاون بين أغنيس تروبليه وإتيان بورجوا، فيما أشرف رومان تروبليه على تأمين التمويل وتنظيم المهمة.
ويشارك في المشروع علماء من 15 دولة، ضمن برنامج بحثي طويل الأمد يتألف من عشر بعثات تمتد على مدار عشرين عامًا، ويهدف إلى توفير بيانات علمية تساعد في وضع سياسات أكثر فاعلية لحماية القطب الشمالي.
ورغم إمكانية تنفيذ عمليات إنقاذ عند الضرورة، فإن الوصول إلى أفراد البعثة قد يستغرق نحو أسبوع بسبب بُعد المنطقة وصعوبة الظروف الجوية.
اكتشاف أنواع جديدة من الكائنات الدقيقةتشير الدراسات إلى أن القطب الشمالي يسخن بمعدل يزيد بثلاث إلى أربع مرات عن بقية مناطق العالم، وهو ما يؤدي إلى ذوبان الجليد البحري بوتيرة متسارعة، ويفتح الباب أمام أنشطة الشحن والصيد والتعدين، إضافة إلى زيادة مخاطر التلوث.
وتوضح الدكتورة نينا شوباك، عالمة المحيطات البيولوجية المشاركة في البعثة، أن صور الأقمار الصناعية تكشف بوضوح التغير في الغطاء الجليدي، لكن فهم تأثير هذه التحولات على الكائنات الحية لا يزال يتطلب بيانات ميدانية يصعب الحصول عليها.
ويحتضن المحيط المتجمد الشمالي منظومة بيئية متكاملة تضم الدببة القطبية والفقمات وحيتان البيلوغا، إضافة إلى الطحالب والكائنات الدقيقة التي تمثل أساس السلسلة الغذائية.
وسيعمل الباحثون على جمع عينات من مياه البحر والكائنات المجهرية عبر فتحة مركزية في المحطة تُعرف باسم" حوض القمر"، والتي ستُستخدم أيضًا لإطلاق غواصين وطائرات مسيّرة ومركبات آلية لاستكشاف الأعماق تحت الجليد.
ويأمل العلماء أن تقود هذه الدراسات إلى اكتشاف أنواع جديدة من الكائنات الدقيقة التي تكيفت مع بيئة لا تشرق فيها الشمس لنحو نصف العام.
تعترف شوباك بأنها تشعر بالحماس والرهبة في الوقت نفسه قبل خوض أول تجربة لها مع الشتاء القطبي، مؤكدة أن أكبر مخاوفها تتمثل في الظلام الطويل والعزلة، لكنها ترى أن فرصة المشاركة في مهمة علمية بهذا الحجم لا تتكرر كثيرًا.
وتؤكد أن قيمة الاكتشافات العلمية المرتقبة تجعل كل التحديات جديرة بالمحاولة، في مهمة قد تسهم في كشف أسرار واحدة من آخر المناطق الغامضة على كوكب الأرض، وتوفير معلومات حاسمة لفهم مستقبل القطب الشمالي في ظل التغير المناخي المتسارع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك