لا تبحثوا عن سر منتخب مصر في غرف الملابس.
فالسر الحقيقي أقدم من كرة القدم نفسها.
منذ أكثر من خمسة آلاف عام، كانت مصر تبني حضارة تؤمن بأن أعظم الانتصارات لا يصنعها الأقوى… بل الأكثر اتزانًا.
لم يكن المصري القديم يقدّس الحرب، بل كان يقدّس النظام.
لم يكن يعبد الفوضى، بل جعل من الانضباط فلسفة حياة.
واليوم، وكأن هذه الفكرة القديمة عادت في هيئة منتخب يرتدي القميص الأحمر.
العالم يرى فريقًا يفوز بالمباريات، بينما المصري يرى شيئًا آخر.
يرى ذاكرة وطن تستيقظ.
لسنوات طويلة، كان المنتخب المصري يدخل البطولات الكبرى وهو يحمل إرثًا نفسيًا ثقيلًا؛ تاريخًا يهمس في أذن اللاعبين: “لا تكرروا الإخفاق.
” وهذا النوع من الضغط لا يُقاس بالإحصاءات، بل تدرسه علوم النفس الرياضي بوصفه أحد أكبر معوقات الأداء تحت الضغط.
لكن الفرق العظيمة لا تغيّر نتائجها أولًا… بل تغيّر الرواية التي تؤمن بها عن نفسها.
لقد خرج المنتخب من سجن الاحتمالات إلى فضاء اليقين.
فنيًا، لم تعد مصر تعتمد على موهبة فردية مهما بلغ بريقها، بل على منظومة تشبه البناء الهرمي؛ قاعدة واسعة تحمل الجميع، وقمة تلمع لأنها تستند إلى آلاف التفاصيل الصغيرة.
الضغط يبدأ من المهاجم، والدفاع يبدأ من لاعب الوسط، وصانع اللعب يتحول إلى أول مدافع عند فقدان الكرة.
لا أحد يعمل منفردًا، ولذلك يصعب كسر الفريق.
والهندسة كانت دائمًا اللغة التي برعت فيها مصر.
المنتخب الحالي يمتلك ما يمكن تسميته “الذكاء الجماعي”.
وهذه إحدى أندر الصفات في الرياضة الحديثة؛ أن يعرف كل لاعب أين يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصمت، ومتى يهاجم.
عندما يصل فريق إلى هذه المرحلة، فإنه يتوقف عن مطاردة المباراة… ويبدأ في التحكم بإيقاعها.
والأخطر من كل ذلك أن مصر تخلّصت من العقدة التي لاحقتها عقودًا.
ذلك الخصم الذي لم يكن يظهر على شاشة التلفاز، لكنه كان حاضرًا في كل مباراة كبيرة.
ولهذا أصبحت المنتخبات الكبرى تنظر إلى مصر بعين مختلفة.
لم تعد ترى منتخبًا إفريقيًا يحاول الصمود.
بل ترى فريقًا قادرًا على تحويل أي مباراة إلى معركة استنزاف ذهنية، ثم توجيه الضربة في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن المباراة انتهت.
وهنا يصبح التاريخ مجرد استعارة جميلة.
فالهرم لم يُبنَ في يوم واحد.
أما الحجر الأخير.
فهو كسر الخوف.
وحين اكتمل هذا البناء، لم يعد المنتخب مجرد أحد المشاركين في كأس العالم، بل صار مشروعًا يفرض على الآخرين إعادة حساباتهم.
لكن هناك انتصارًا تحقق بالفعل، ولا يمكن لأحد أن يسلبه منه.
لقد خرج منتخب مصر من عباءة “الفريق الذي يحلم بالمفاجأة” إلى مكانة “الفريق الذي يخشاه الجميع”.
وهذه هي اللحظة التي تتغير فيها خرائط كرة القدم.
ربما لن يكتب المؤرخون أن الفراعنة عادوا من المعابد، ولن تقول العلوم إن أرواح الملوك القدامى حضرت إلى الملاعب، فهذه صور أدبية لا أكثر.
لكنهم سيكتبون شيئًا آخر أكثر أهمية:أن مصر، بعد سنوات طويلة من الانتظار، استعادت أخطر ما امتلكته عبر تاريخها.
الإيمان بأنها قادرة على صناعة المستحيل.
فإن العالم كله يضطر إلى إعادة النظر في معنى القوة.
وسلملي على احمد شوبير ونفرتيتي.
! !*رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك