في زحمة الأحداث التي تعيشها المنطقة، تتسلل قضية المسجد الأقصى إلى هامش الاهتمام الإعلامي والسياسي، رغم أنها تشهد واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات طويلة.
فالمسألة لم تعد تقتصر على اقتحامات المستوطنين المتكررة أو الاعتداءات الموسمية التي اعتاد العالم سماعها، بل تجاوزت ذلك إلى استهداف مباشر للمؤسسة التي تتولى حماية المسجد ورعايته، في محاولة تبدو ممنهجة لإضعافها وإفراغها من دورها التاريخي.
الأرقام التي كشفتها مؤسسة القدس الدولية أخيرًا تثير القلق البالغ.
فعدد الحراس المناوبين في المسجد الأقصى تراجع إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تتواصل إجراءات الإبعاد والمنع والتضييق بحق موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة دفعت بعضهم إلى ترك العمل أو التغيب عنه.
ويحدث كل ذلك في وقت تتصاعد فيه الاقتحامات والاعتداءات ومحاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد المبارك.
غير أن ما يبعث على القلق أكثر هو ما يشبه التعتيم الإعلامي الذي أخذ يخيّم على أخبار المسجد الأقصى.
فتراجع التوثيق، وتعطل المنصات الإعلامية، وغياب الإحاطات المنتظمة حول الانتهاكات الجارية، كلها عوامل تتيح للاحتلال مساحة أكبر للعمل بعيدًا عن رقابة الرأي العام العالمي.
فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الرواية لا تقل أهمية عن السيطرة على المكان، وأن إسكات الشهود مقدمة لتغيير الحقائق على الأرض.
ولعل السؤال الأهم اليوم هو: ماذا يُراد بالمسجد الأقصى؟إن قراءة المشهد بمجمله تشير إلى أن الهدف يتجاوز المضايقات اليومية أو الإجراءات الأمنية المزعومة، ليصل إلى محاولة تقويض الإدارة الإسلامية التاريخية للمسجد الأقصى، وإضعاف دور الأوقاف المشرفة عليه، تمهيدًا لفرض واقع جديد ينسجم مع مشاريع التقسيم والسيطرة الكاملة على المكان.
لكن الصورة الأوسع تكشف أن الاستهداف لا يقتصر على المقدسات الإسلامية وحدها.
فالقدس بمساجدها وكنائسها وتراثها الديني المتنوع تواجه منذ سنوات ضغوطًا متصاعدة تطال هويتها الحضارية بأسرها.
وقد شهد العالم مرارًا الاعتداء على الكنائس والتضييق على رجال الدين المسيحيين، ومنع المصلين من الوصول إلى أماكن عبادتهم، وفرض القيود على الاحتفالات والشعائر الدينية، في مشهد يؤكد أن القضية تتعلق بمحاولة إعادة تشكيل هوية المدينة التاريخية، لا باستهداف فئة دينية بعينها.
ومن هنا فإن الدفاع عن المسجد الأقصى لا ينبغي أن يُفهم باعتباره قضية إسلامية فحسب، بل هو دفاع عن حرية العبادة، وعن حق أتباع الديانات كافة في الحفاظ على مقدساتهم وممارسة شعائرهم بعيدًا عن الإقصاء والتمييز والهيمنة.
فالقدس التي احتضنت عبر قرون طويلة التنوع الديني والثقافي تستحق أن تبقى مدينة مفتوحة للسلام والتعايش، لا ساحة لفرض الأمر الواقع ومصادرة الحقوق.
إن دعم حراس المسجد الأقصى وموظفي الأوقاف، وتعزيز صمود المقدسيين، وكسر حالة الصمت الإعلامي، وتوثيق الانتهاكات المستمرة، كلها خطوات باتت ضرورة ملحة في هذه المرحلة الحساسة.
كما أن على المؤسسات الدينية والحقوقية والإعلامية العربية والإسلامية والمسيحية أن ترفع صوتها دفاعًا عن القدس ومقدساتها، قبل أن يصبح تغيير الواقع أمرًا يصعب تداركه.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن المقدسات لا تُنتزع فجأة، بل عبر خطوات متدرجة تبدأ بإضعاف الحراس، ثم تغييب الشهود، ثم فرض الوقائع الجديدة.
وما يجري اليوم في القدس يستدعي من الجميع وقفة جادة ومسؤولة، لأن الدفاع عن الأقصى هو في جوهره دفاع عن هوية القدس، وعن حق الإنسان في العبادة الحرة، وعن إرث حضاري وإنساني يخص البشرية كلها.
إن الأقصى اليوم لا يحتاج إلى بيانات التعاطف بقدر ما يحتاج إلى يقظة دائمة، وإسناد حقيقي، وصوتٍ عالٍ يرفض محاولات عزله أو تهويده أو تغييب قضيته عن الوعي.
فحين يُترك الأقصى وحيدًا، لا تكون القدس وحدها الخاسرة، بل تخسر الإنسانية كلها جزءاً من ذاكرتها الروحية والحضارية.
إن القدس ليست حجارةً تُتنازع عليها القوى، بل رسالة حضارية تعاقبت على حمايتها الأديان والشعوب، وأي اعتداء على مقدساتها الإسلامية أو المسيحية هو اعتداء على هذا الإرث الإنساني المشترك.
فمعركة القدس اليوم ليست معركة على الجغرافيا وحدها، بل على الذاكرة والهوية والرواية، وعلى حق المؤمنين جميعًا في أن تبقى بيوت الله مفتوحةً للصلاة والسكينة والسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك