في قاعة مجلس الأمن، حيث يُحسم وزن الدول بالحجة لا بالضجيج، قدمت مملكة البحرين نموذجاً لـ«دبلوماسية الحقائق»، وجاءت كلمة سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية لتؤكد أن «فن الخطاب بالوثائق» هو السلاح الأقوى في مواجهة الادعاءات، وأن الموقف الرصين المبني على الحقائق يكسب التأييد ويكشف زيف الباطل، وهذه من المرات المتميزة التي تستعرض فيها مملكة البحرين خطابها بالصور والوثائق، لأنها تحمل قضية عادلة ومحاميا متمكنا.
تميّز الخطاب البحريني بثلاث ركائز جعلته حاسما أمام المجتمع الدولي: أولاً: التأسيس على القانون الدولي، حيث ركزت الكلمة على أن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من السلم والأمن الدوليين، وتم تفنيد الاعتداءات الإيرانية من خلال الإشارة إلى وقائع موثقة، من محاولات زعزعة الاستقرار، إلى دعم الجماعات المسلحة، إلى التدخل في الشؤون الداخلية.
ذلك أن الوثائق والبيانات الرسمية التي استند إليها الوزير حولت الخطاب من «اتهام سياسي» إلى «ملف قانوني» لا يقبل التأويل.
ثانياً: فضح التناقض بالدليل بدلاً من الرد العاطفي، فقد كشف الخطاب الفجوة بين الخطاب الإيراني المعلن «حسن الجوار» وبين الممارسات على الأرض.
حيث عرض التواريخ، وتقارير الخبراء، وقرارات دولية سابقة.
وهنا تتجلى قاعدة دبلوماسية مهمة: «الباطل صوته عالٍ، لكن الحق أطول نفساً لأنه موثق».
ثالثاً: لغة الدولة لا لغة الأزمة تميّز الأسلوب بالهدوء والاتزان.
إذ لم ينجر إلى الإساءة، بل تمسك بمنطق الدولة التي تطالب بتطبيق ميثاق الأمم المتحدة، واحترام السيادة، وعدم التدخل.
وهذه اللغة هي التي تنال احترام أعضاء مجلس الأمن وتكسب التأييد، لأنها تخاطب ضمير المؤسسة الدولية لا الشارع فقط.
المستشار الألماني «بسمارك» يقول: «السياسة هي فن الممكن».
لكن مملكة البحرين أضافت: «والدبلوماسية الناجحة هي فن تحويل الممكن إلى وثيقة».
فحين تُقدم الحقائق موثقة، لا يبقى للادعاء مكان، فـ«زيف الباطل» لا يسقط بالشعارات، بل يسقط عندما تُقابل الدعوى بدليل، والرواية بتاريخ موثق.
في فبراير 2003، وقف وزير خارجية دولة كبرى في مجلس الأمن يحمل «أنبوب اختبار» وملفات وصور أقمار صناعية لإثبات روايته.
رغم اختلافنا أو اتفاقنا مع تلك الحالة، إلا أن الدرس واحد: المجتمع الدولي يتفاعل مع «الملف» أكثر من «الخطبة».
ومملكة البحرين طبقت الدرس بطريقة مسؤولة: قدمت وثائق عن الاعتداءات، ولم تقدم رواية مجردة، فكان التأثير أكبر، لأن الهدف لم يكن التصعيد، بل حماية الأمن الإقليمي وفق القانون.
كيف كسب الخطاب البحريني التأييد الدولي؟ سؤال مهم، وإجابته تجلت في خطاب وزير الخارجية، لأنها وضعت أمن مملكة البحرين في إطار أمن إقليمي ودولي، وليس كنزاع ثنائي، حيث عزلت السردية الإيرانية.
فعندما تُفنّد الادعاءات نقطة بالوثائق، يفقد الخصم مساحة المناورة الإعلامية، كما رسّخت مملكة البحرين مبدأ: «أن الدول حين تتكلم بلغة القانون والوثائق، يصبح صوتها مسموعاً في أكبر محفل دولي.
دبلوماسية الحقائق في مجلس الأمن لم تكن رداً لحظياً، بل كانت توثيقاً لموقف مبدئي، أثبتت أن الدفاع عن الوطن يبدأ بالقلم والوثيقة قبل أي شيء آخر.
وفي منطقة تشهد تحولات عميقة، تبقى مملكة البحرين على نهج ثابت، حيث الصدق في الطرح، القوة في الحجة، والالتزام بالقانون الدولي.
وهذا هو ما يجعل الباطل مهما ارتفع صوته، يظل باطلاً.
لأن الحقائـق حين تُقال بالوثائق لا تُهزم.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك