هل قتلت التكنولوجيا الصداقة الحقيقية؟ ! وأصبح خداع الوفرة الرقمية من قِبل أناس لا نعرفهم، حينما نستبدل الأصدقاء كما نستبدل الهواتف؟ قد يكون عنوان هذه المقالة طويلاً، ويحضرني الكثير من العناوين لما يعيشه الإنسان في هذه الأيام، وكيف حولت التكنولوجيا المشاعر الإنسانية النبيلة إلى أرقام وإحصائيات! وكيف سمحنا لها بأن تحدد من هو الصديق، ومن لا يهتم بمشاعرنا لأنهم قليلو التواصل، وأن نثق بمن نعتبرهم أصدقاء مقربين لأنهم يمطروننا بالتعليقات والتفاعلات المنافقة! وكيف أصبح تجاهل الشريك أو الصديق لحساب الهاتف.
حينما نجلس مع شخص أو أشخاص ونرى أن أحدهم يتفحص هاتفه كل دقيقة ويعبث به، فهو يرسل لوعيك رسالة خفية مفادها أن العالم الافتراضي أهم منك.
ما يضطر الآخر إما إلى لفت نظر ذلك الشخص بتعليق أو الابتعاد.
في الماضي، كانت الصداقة تُقاس بالمواقف والوقت الذي نقضيه معًا في المحادثات وما فعلناه في الأيام، وننصت بالعيون والآذان ونتفاعل بالنصح أو اللوم عما حدث في حياتنا.
أما اليوم، فقد أصبحت الصداقة سطحية وتُقاس بـ (الإعجاب) (like) أو تعليق سريع.
وأعطتنا التكنولوجيا وهم الاتصال الإلكتروني أكثر من الحضور الإنساني؛ فإذا تأخر شخص في الرد أو لم يضع إعجابًا على صورة اعتبره البعض تجاهلاً، بينما سلبتنا عمق التواصل.
وأصبح الإنسان يملك آلاف الأصدقاء الوهميين على منصات التيك توك، الإنستغرام، والفيسبوك، وإنتاج وفرة رقمية من الصور الجميلة؛ فنحن نعرف ماذا يأكلون، وأي مطاعم فخمة يرتادون، أو ماذا يلبسون وأين يسافرون، ولكن دون معرفة نفسياتهم وطباعهم من التعب والمرض أو مخاوفهم.
واغترب الناس عن العلاقات القائمة على المجالسة الجسدية التي تضيف من الخبرات والنضج في الحوارات التي تجري بين الجالسين، والتي تختلف تمامًا عن الرقميات الإلكترونية في المحادثات المخفية وراء الشاشات، والتي يغيب عنها الدفء الإنساني الذي ينتهي بمجرد إغلاق الشاشة!وما أراه بأن سبب هذا النوع من التواصل والصداقات الوهمية هو الإدمان! فقد خلقت هذه الحضارة سلوكًا اجتماعيًّا غريبًا يُعرف بـ (phubbing) وهو (تجاهل الشريك أو الصديق لحساب الهاتف).
إن هذا السلوك يغتال المشاعر الإنسانية بالأمان والحميمية، ويجعل المحادثات والتفاعلات الإنسانية مبتورة وباردة، ويزيد من ابتعاد الناس والعوائل عن بعضهم البعض، حيث حولتهم التكنولوجيا إلى كائنات تبحث عن الدفء في حرارة بطاريات هواتفها.
فالتقارب الجسدي والحضور - كما ذكرت - يزيد من ترسيخ العلاقات الحميمة وتقويتها.
وإن هذا التباعد الجسدي السطحي ولد نوعًا جديدًا من المرض الاجتماعي والفراغ الداخلي مع التفاعلات الرقمية.
ليجد المرء نفسه حينما يستيقظ في نهاية اليوم وحيدا تماما؛ فهذا الفراغ يتعمق بسبب ثقافة الاستعراض، فالكل ينشر الجانب المضيء واللوحات المثالية من تحركاته الوهمية، ما يجعل الفرد يشعر بأن حياته ناقصة، فيدخل في دوامة من المقارنة التي تزيد غربته الداخلية وتقلل رضاه النفسي.
وأرى أن هناك بعض الحلول لمحاولة التغلب على الحياة الناقصة والغربة والوحدة الداخلية، وتحويل الاتصال الرقمي إلى تواصل جسدي.
وحتى لا أطيل عليكم، سأحاول الإجابة وطرح بعض الحلول في المقالة القادمة إن شاء الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك