لم تكن نسبة التصويت المتدنية في الانتخابات النيابية التي جرت أمس الأول الخميس في الجزائر مفاجئة للسلطة ولعموم الأحزاب والمجتمع السياسي، إذ كانت مؤشرات العزوف عن التصويت بادية خلال الحملة الانتخابية التي لم تشهد تفاعلاً شعبياً مع المرشحين وقادة الأحزاب السياسية، بفعل حزمة إكراهات سياسية ذات صلة بغلق مجال الحريات والنقاش في الفضاء العام، وضغوط اجتماعية واقتصادية.
لكن المفاجئ نسبياً هو أن تسجل هذه الانتخابات أدنى نسبة تصويت على الإطلاق في تاريخ الجزائر بما فيها انتخابات عامي 2019 (الرئاسية)، و2021 (النيابية)، اللتين جرتا في ظروف الحراك الشعبي والمقاطعة السياسية.
وأعلن رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان، مساء الخميس الماضي عقب غلق مكاتب الاقتراع، أن نسبة التصويت الأولية في الانتخابات النيابية بلغت 20.
79% عبر 69 ولاية في الداخل، إذ صوّت 4.
9 ملايين ناخب فحسب، من مجموع ما يقارب الـ24 مليوناً مسجلين في الهيئة الناخبة، بينما بلغت نسبة المشاركة الأولية بالنسبة للجالية (في الخارج)، 10.
67%، حيث صوت 80 ألف ناخب من بين 800 ألف ناخب في الجالية.
تمدد كتلة العزوف الانتخابي في الجزائروإذا تم اقتطاع نسبة الأصوات الملغاة والورقة البيضاء من نسبة المصوتين، فإن نسبة الأصوات المعبّر عنها ستنزل أكثر.
وما هو لافت في هذا السياق أن تمدد كتلة العزوف الانتخابي انتقل من كون ثلثي الكتلة الناخبة ترفض التصويت في الغالب، إلى أربعة أخماس الكتلة الناخبة لم تصوّت، وهو مؤشر إلى وجود أزمة ثقة بين الناخب الجزائري والسلطة والمجتمع السياسي، خصوصاً في ظل غياب منجز اجتماعي واقتصادي من جهة، وتقلص فضاءات التعبير السياسي من جهة أخرى.
لم يصوّت الكاتب والإعلامي محمد ايوانوغان في انتخابات الخميس الماضي، بل إنه أعلن بكل وضوح أنه لم يدلِ بصوته في هذه الانتخابات، وأنه ينتمي إلى كتلة الـ80% التي لم تصوّت، على الرغم من أنه كان مرشحاً في هذه الانتخابات في لائحة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في العاصمة الجزائر قبل أن يتم رفض القائمة من قبل السلطة المستقلة للانتخابات.
وشرح ايوانوغان، لـ" العربي الجديد"، سبب عدم تصويته بأنه موقف سياسي واحتجاجي مرتبط بحرمان السلطة له من حقه في الترشح، قائلاً: " أنا لست مقاطعاً للانتخابات، بل السلطة هي التي منعتني من التصويت، ولم تترك لي حرية اختيار القائمة التي أصوّت لها، وهي قائمة التجمع التي أسقطت في العاصمة، والسلطة هي التي وجهت لي رسالة مفادها أنها لا تريدني أن أصوّت ولا تريد أن يصوّت الشعب".
مجزرة إقصاءات اللوائح الانتخابيةبهذا المنظور السياسي، اعتبر ايوانوغان عدم تصويته موقفاً سياسياً، ويحمّل السلطة مسؤولية عدم تصويته.
وعزا عدم التصويت إلى" مجزرة" الإقصاءات التي طاولت اللوائح الانتخابية.
تتشارك في هذا الموقف الكثير من القراءات السياسية التي تعتبر أن لجوء سلطة الانتخابات في الجزائر إلى إقصاء المئات من المرشحين واللوائح سببٌ فاقم معضلة العزوف الانتخابي في هذه الانتخابات.
وبالعودة إلى سجل الاستحقاقات الانتخابية الخمسة الأخيرة التي جرت في أعقاب الحراك الشعبي في الجزائر، يتبيّن أن معدل التصويت كان يتدحرج من انتخابات إلى أخرى.
فخلال الانتخابات الرئاسية في ديسمبر/ كانون الأول 2019، بلغت نسبة التصويت 39%.
وشهد استفتاء تعديل الدستور في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 نسبة مشاركة بلغت 23.
7%، تلته الانتخابات النيابية في يونيو/ حزيران 2021 حين بلغت نسبة المشاركة 30.
20%، و34% في الانتخابات المحلية بنهاية العام 2021.
وفي الانتخابات الرئاسية في سبتمبر/ أيلول 2024، حصل لغط بشأن معدل التصويت، إذ اعتمدت سلطة الانتخابات نسبة 24%.
أحمد صادوق: إجراء الانتخابات من دون نقاش سياسي حقيقي وجدي، كان سيؤدي إلى هذه المآلاتولم تصدر الأحزاب السياسية حتى عصر أمس مواقف بشأن هذه المؤشرات المقلقة، لكونها كانت منشغلة بتجميع أصواتها وعدّ مقاعدها، لكن نائب رئيس حركة مجتمع السلم، كبرى القوى الإسلامية في البلاد، أحمد صادوق، أكد لـ" العربي الجديد"، أن" إجراء الانتخابات من دون نقاش سياسي حقيقي وجدي، كان سيؤدي إلى هذه المآلات، أعتقد أننا بحاجة الآن إلى نقاش مسؤول حول نسبة التصويت هذه".
من جهته، رأى المتحدث باسم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان بنسعيد، في حديث لـ" العربي الجديد" تعليقاً على نسبة التصويت: " إننا أمام واقع سياسي قائم، الشعب غير مكترث وغير مقتنع بالمسار السياسي والأجندة القائمة، ونسبة التصويت تؤكد وجود استقالة شعبية احتجاجية، أكثر منها لامبالاة، وقد لمسنا ذلك بوضوح خلال الحملة الانتخابية.
لذلك فإن نسبة التصويت هذه لم تكن مفاجئة بالنسبة لنا مطلقاً".
ما يحسب للسلطة هذه المرة، هو الجرأة في الإقرار بنسبة التصويت المتدنية هذه، من دون أي زيادة أو تلاعب بشأنها، لكن ذلك يعني تجاوزها عقدة نسبة المشاركة، واكتفاءها بإجراء" الانتخابات بمن حضر"، إذ لم تعد السلطة تربط الشرعية الشعبية للبرلمان بنسبة التصويت، كثيرها أو قليلها.
وسبق للرئيس عبد المجيد تبون أن عبّر عن ذلك بصراحة واضحة في 12 يونيو/ حزيران 2021، خلال الانتخابات النيابية، حين قال تعليقاً على توقعات بعزوف شعبي عن الانتخاب: " بالنسبة لي، نسبة المشاركة لا تهمني، ما يهمني أن من ينبثقون من الصندوق من نواب البرلمان، تكون لديهم الشرعية للأخذ بزمام الأمور، ومهما كانت الحال ومهما كانت النسبة، هناك دول ديمقراطية كبيرة ولا تكون فيها نسبة التصويت كبيرة، خصوصاً في الانتخابات التشريعية".
يدفع هذا المشهد إلى طرح تساؤلات حول ظروف ودوافع استمرار العزوف الانتخابي باعتباره ظاهرة قائمة في الجزائر منذ أكثر من ثلاثة عقود، وما إذا كان الأمر مرتبطاً بسياقات سياسية، وإمكانية اعتبار عزوف الناخبين موقفاً سياسياً من السلطة والأحزاب، أم شكلاً احتجاجياً صامتاً إزاء أوضاع اجتماعية واقتصادية، أم أنه لامبالاة اجتماعية.
أسباب تدني معدل العزوف الانتخابي في الجزائرمراد بوفولة: هناك نوع من لامبالاة الناخبين نتيجة لتصرفات السلطةأرجع محللون تدني معدل العزوف الانتخابي في الجزائر إلى مجموعة أسباب وعوامل متداخلة، تحكمت جميعها في تشكل هذا المشهد الانتخابي غير الإيجابي، والذي يضعف نسبياً مصداقية المؤسسات المنتخبة.
وقال الباحث والكاتب في علم الاجتماع السياسي مراد بوفولة، لـ" العربي الجديد"، إن" تقلص فضاءات الممارسة السياسية عامل يدفع نحو العزوف، وغياب الحرية التامة والنقاش السياسي تجعل العزوف عن الفعل الانتخابي واقعاً قائماً، لأن الكتلة الناخبة المهتمة بالفعل السياسي ترى أنه لا توجد نيّة صادقة لدى السلطة من أجل فتح الطريق نحو انتخابات نزيهة".
وأضاف: " هناك أيضاً نوع من لامبالاة الناخبين نتيجة لتصرفات السلطة التي جعلت الأغلبية تتيقن من أنه لا إرادة لدى السلطة في جعل الفعل الانتخابي والديمقراطي يمارس بحرية ونزاهة".
وحتى عصر أمس، لم تكن النتائج الأولية قد أعلنت لتوزيع المقاعد في البرلمان.
فالسلطة المستقلة للانتخابات كانت بصدد تجميع النتائج الجزئية من الولايات، إلى حين اكتمال المشهد قبل إعلان النتائج الأولية اليوم السبت.
لكن التقارير الواردة من مكاتب الفرز تؤكد أنه لا توجد مفاجآت كبيرة، مع احتفاظ الأحزاب الخمسة الكبرى، جبهة التحرير الوطني، وجبهة المستقبل، وحركة مجتمع السلم، والتجمع الوطني الديمقراطي، إضافة إلى حركة البناء الوطني، بأكبر حضور في خريطة النتائج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك