ربما يكون فنسنت فان غوخ زار فرنسا في صباه المبكر، وربما يكون قد حلم بذلك، بل ربما لا تكون الفكرة خطرت له في بال.
فالحال أن مؤرخي حياة ذلك الفنان الذي سيرتبط بقية ما تبقى من حياته بفرنسا، بالتحديد منذ ذلك الوصول الصاخب إليها ذات يوم جليدي من بدايات عام 1886 ليبقى فيها حتى نهاية أيامه، أي لبضع سنوات أخرى يحقق خلالها للفن مجموعة هائلة من لوحات تكاد في نهاية الأمر لا تشبه ما حققه أي فنان آخر في التاريخ خلال فترة مماثلة، سيهتم أولئك المؤرخون بسنواته الفرنسية أكثر كثيراً مما يفعلون بالنسبة إلى الحقبة التي عاشها أول الأمر في باريس.
ويقيناً، إن أخاه ثيو سيكون وحده المهتم بالمرحلة الباريسية كما تدل على ذلك الرسائل المتبادلة بينهما.
وإذ نصف تلك المجموعة من اللوحات بأنها هائلة، فإنها كانت كذلك بالمعنى الكمي، ناهيك بأن معظمها تحف فنية، ولكن بالمعنى التطوري، إذ بين أولى اللوحات وتلك التي بها ختم حياته، عاش الفنان الشاب تنامياً في علاقته مع فنه وألوانه ومواضيعه وتفاصيل التفاصيل ما قد يحتاج أي فنان غيره إلى عشرات من السنين كي يحققه.
ومن المؤكد أن هنا بالذات تكمن عجائبية فان غوخ ومعجزة فنه.
ومع ذلك تكاد الفترة الأولى وما حصل فيها، وتحديداً في باريس وما حولها، تكون السنوات الأقل إثارة لاهتمام دارسي فن الهولندي الشاب الذي سيتحول تدريجاً إلى" منتحر المجتمع" بحسب توصيف أنطونين آرتو له في نص لاحق شهير.
وطبعاً لا يتسع المجال هنا للقيام بتوصيف وافٍ لتلك الحقبة الأولى من الحياة التي عاشها فان غوخ في فرنسا، لكنه، أي المجال، قد يكفينا لرسم رؤوس أقلام من شأنها أن تلقي أضواءً كاشفة على الذي سيحصل له ومعه، بعد ذلك وحتى عام 1890.
وأكثر من هذا، كيف وتبعاً لأية مزاجية ووتيرة بلغ عدد ما كان فان غوخ قد أنجزه ساعة رحيله نحو 1700 لوحة وسكتش أو ما شابه ذلك.
ولا شك أن في وسعنا أن نؤكد منذ البداية أن ذلك الشاب الذي بالكاد كان بلغ الـ35 في ذلك اليوم البارد من فبراير (شباط) حين دخل باريس آتياً من شمالها وهو يشعر بأنها تفتح ذراعيها على وسعها لاستقباله، كان، وكما سيقول لأخيه في واحدة من رسائله الباريسية الأولى" مستعداً كل الاستعداد لخوض تجارب جديدة" في حياته.
فهو في واحدة من ملاحظاته الأولى عن المدينة، وجدها تضج بالصخب مفعمة بالتجديدات العلمية والأدبية والموسيقية، بل" الفنية" أكثر من ذلك كله.
وهو ما سيعزز التعبير عنه قائلاً في رسالة تالية لأخيه إنه للمرة الأولى في وجوده يشعر بنفسه قدرة على مجابهة مباشرة مع الانطباعيين والتنقيطيين والرمزيين، مع ديغا ومانيه وسيزان، وصولاً إلى اكتشاف الفن الياباني، وأمثال ذلك من" التجديدات" التي يمكن لأخيه نفسه والفنانين الشبان الآخرين أن يتجولوا به بينها في هذه المدينة التي لها هالة المعرض الدائم المتنقل.
ولكن بما أنه من الصعوبة بمكان هنا أن نحدد من هم أولئك الفنانون الشبان الذين قاموا بمهمة من المؤكد أن عبئها الأساس وقع على ثيو نفسه في زياراته الأولى المتقطعة لباريس، لأشغاله الخاصة أو لدعم أخيه عوناً له على غزوها، يمكن أن نتصور كيف أن فنسنت عرف، وعلى رغم حيائه التاريخي وعلى رغم ما سيعرف عنه من إيثاره الوحدة والانعزال بعيداً من التجمعات وثرثراتها، عرف كيف يشق طريقه ليضحى صديقاً وإن غير مقرب دائماً لبيزارو بخاصة وتولوز لوتريك وبول سينياك وحتى غوغان وغيرهم من فنانين الطبيعة، وهو أمر لا شك أنه أثار دهشة ثيو وإعجابه، بخاصة أنه اكتشف أن أخاه لم يكتف بمخالطتهم بل تمكن من أن يدرس على الفور أعمالهم ومفاهيمهم الفنية.
وهو ما لم يكن ثيو يتوقعه على الإطلاق، ولا سيما حين تنبه أمام اللوحات التي بدأ أخوه يرسمها إلى كم أنه راح يصفي مشاعره في ألوان غير معهودة لديه!طبعاً، لن نزعم هنا أن ذلك الانقلاب الجذري الذي طاول فن فان غوخ، وكان أخوه ثيو أول راصديه، أنجز بين ليلة وضحاها، ولكنه لم يستغرق في حقيقة الأمر سوى العامين الأولين من حياة الفنان في فرنسا.
وهما العامان اللذان أمضى معظم شهورهما في باريس كما في مناطق غير بعيدة عنها معظمها يمتد حول ضفاف نهر الواز.
لقد تبدل الفتى كلياً خلال تلك المرحلة وبدا أنه انمسخ تماماً: كان شيئاً ليضحي شيئاً آخر.
وهو نفسه لن يتورع عن التعبير عن ذلك الانمساخ في رسالة لأخيه سيقول له فيها إنه يشعر الآن أنه كان في هولندا، حين رسم لوحته، التي ستعتبر رغم كل شيء" تحفته الأولى"، أي" آكلو البطاطا"، كان يرسم ككلب مجنون، أما الآن فإنه يشعر حقاً أن الوصف الجديد الذي أسبغه عليه واحد من أوائل النقاد الذين اهتموا به يناسبه أكثر بكثير.
وكان الوصف" عصفور غريد".
فهل" ثمة في العالم يا أخي ثيو من في وسعه أن يتحول خلال عامين فقط من ذلك الكلب إلى هذا العصفور؟ ".
فاليوم، وتحت تأثير باريس وحياتها ومناخها، ها هو النور الساطع وخفة الحياة يفيضان فوق مسطحات لوحاته.
وها هو يرسم المشاهد الجوانية في المقاهي والحانات، والأجواء التي تغيرها حركات النسيم العليل.
وها هي وجوه العمال الكالحة الجاثية تأكل في العتمة، تنمحي أمام غزو البورتريهات التي ينجزها للرفاق، بل تلك التي يرسم فيها نفسه خلال أوقات استراحاته.
بيد أنه حتى وإن تغيرت في عمله أشياء كثيرة تحت وقع مرح الحياة وحبورها، ثمة أشياء لم تتبدل، حتى وإن بقيت محصورة خارج لوحاته على أية حال، كما سيقول بنفسه لأخيه، وكما سنلاحظ في لوحاته تدريجاً.
ولا سيما في تلك التي سيكون هو نجمها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)فالحال أن الفنان الذي وصل من هولندا حاملاً معه وجهه المتعب ونظراته القاسية وملامحه الحادة، سيتمكن من أن يبدل كل شيء إلا هذه السمات.
تلك الخصوصية الكأداء التي ستعتصره حتى آخر حياته، والتي لئن فارقت وظلت بعيدة عن 90 في المئة من لوحاته التي أنجزها في فرنسا، في باريس وفي غير باريس طبعاً، فإنها ستظل جزءاً أساساً من المناخ المتجهم الذي يطغى على ما تبقى من لوحاته، وبخاصة منها تلك التي رسم فيها نفسه.
لقد أطلقت باريس، ثم فرنسا كلها من بعدها، كل ما في جعبته وروحه من طاقة خلاقة، لكنهما لم تتمكن من إحداث أي تبدل في سحنته.
ومن المؤكد أنه كان هو نفسه أول من شغل باله ذلك السؤال المقلق.
وهو كان مقلقاً لأخيه وللرفاق، لكنه كان مقلقاً أكثر له هو نفسه.
فهو كان يعرف، كما نعرف نحن الآن، أن فنه غير مسؤول عما يعتريه.
فهو فن عرف كيف يتفاعل مع الكبار والصغار من الفنانين الذين تفرس في أعمالهم وتأثر بها، بل كان في أحيان كثيرة من أول الذين يطلعون عليها، ونحن حين نقول هذا نفكر بدنوه الغريب من أعظم أعمال مجايليه من مانيه إلى سينياك ومن بيزارو إلى سيزان وحتى رينوار وبالطبع غوغان وتولوز لوتريك وكلود مونيه وإدغار ديغا.
ويمكننا أن نتصور كيف كانت تستبد به الرغبة دائماً ليس فقط في الاقتداء بهم، بل في تجاوزهم.
ولكن إذ كان يفعل ذلك بقدر كبير من السهولة، كان يقف عاجزاً ما أن يجد نفسه أمام لوحة يريد أن يثبت عليها ملامح لحظة محددة من لحظات حياته، فإذا به يضيع كل ألق الحياة الذي كان قد عبر عنه في عشرات اللوحات الحية الزاهية البديعة الأخرى.
لقد قال أنطونين آرتو إن تلك كانت جناية المجتمع على فان غوخ، فهل كان آرتو، المجنون والمكتئب بدوره محقاً في حكم عرف الفنان الهولندي كيف يبرئ منه مئات اللوحات التي رسمها في باريس وفي غير باريس أفلتت من كآبة الشمال البائسة تلك الكآبة التي لم يتمكن هو نفسه من أن يتحرر منها ولو مرة واحة في حياته؟ سؤال لا مفر دائماً من طرحه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك