النبأ، للوهلة الأولى، ينعش الآمال التواقة إلى السيطرة على الجنون المنفلت من عقاله الذي تتبارى فيه شركات التكنولوجيا، مثل إنفيديا، وأوبن إيه آي، ومايكروسوفت، وألفابت/ غوغل، وأنثروبيك، من أجل الهيمنة وحصد المكاسب المالية ليس إلا، وهو ما يكاد يكون العنوان الأبرز للصراع الضاري في وادي السيليكون.
النبأ، للوهلة الثانية، يَعد بصيرورة الفلاسفة أثرياء وانتسابهم إلى طبقة ذوي الدخل المرتفع، في أول اعتراف" عالمي" برفعتهم الاجتماعية ودورهم التحويلي في مسار المعرفة الإنسانية، وتشكيلهم حزام أمان لكبح جماح تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الذي دعا بابا الفاتيكان ليو الـ14، إلى" نزع سلاحه" قبل أن يتحول إلى أداة للسيطرة والإقصاء والموت.
وكانت تحذيرات سابقة صدرت عن باحثين في علوم الحاسوب يحوزون خلفيات فكرية وفلسفية خصبة، بخصوص غياب أدلة على إمكانية السيطرة الآمنة على الذكاء الاصطناعي، لأنّ تعقيد الذكاء الاصطناعي وتطوره يقللان من قدرة الباحثين على التنبؤ والسيطرة.
وقد نبه رومان يامبولسكي، أستاذ علوم الحاسوب، ومدير مختبر الأمن السيبراني في جامعة لويزفيل الأميركية، في كتابه" الذكاء الاصطناعي: غير القابل للشرح والتنبؤ والسيطرة" (AI: Unexplainable, Unpredictable, Uncontrollable )، إلى أنّ قرارات ذاتية قد يتخذها نظام الذكاء الاصطناعي ربما تؤدي إلى نتائج غير متوقعة وخطرة.
الكتاب، الصادر عام 2024، يتضمن تحذيرات مضفورة بالتشاؤم، إذ إنّ هذا النظام سيمتلك مع التطور صندوقاً أسود، مما يجعله يطور آلياته، ويصدر قرارات من تلقاء نفسه (لعل الأنسب القول: من تلقاء خوارزمياته).
وكانت ورقة بحثية، نشرتها مجموعة من خبراء الذكاء الاصطناعي البارزين سيناريو تفصيلياً بعنوان" أيه آي 2027"، توقعت أن تطور شركة تكنولوجيا أميركية افتراضية تسمى" أوبن براين"، بحلول عام 2027، ذكاءً اصطناعياً يصل إلى مستوى الذكاء العام الاصطناعي (AGI)، وهو مرحلة متقدمة يُعتقد أنها تمكّن الذكاء الاصطناعي من أداء جميع المهمات الذهنية بصورة مشابهة أو متفوقة على البشر.
ولعل" أخطر" ما ورد في الورقة، التي عرضت لها" بي بي سي" ملاحظة مؤشرات على تراجع اهتمام الذكاء الاصطناعي بالأخلاق والمعايير التي صُمم للالتزام بها.
ويرسم السيناريو صورة لشركة تتجاهل التحذيرات (الأخلاقية والدينية) التي تطالب بضبطه والسيطرة عليه، وهو ما كنا أفضنا فيه في ورقة بحثية نشرتها العام الماضي مجلة" بيت الفلسفة" بالفجيرة.
وبتأثير لظى تلك التحذيرات الدينية والأخلاقية والروحية، جاءت الوثيقة التي وقعها بابا الفاتيكان رسمياً في الـ15 من مايو (أيار) الماضي، المعنونة" ماغنيفيكا هيومانيتاس" أو" الإنسانية العظيمة"، تزامناً مع الذكرى 135 لنشر البابا ليو الـ13 وثيقة" ريروم نوفاروم" أو" الأشياء الجديدة" التي دافعت، آنذاك، عن حقوق العمال وواجباتهم في مواجهة الرأسمالية الصناعية.
في الوثيقة الأخيرة، شبّه البابا مستقبل الذكاء الاصطناعي بقصة" برج بابل" الواردة في التوراة، معتبراً، كما قالت وسائل إعلام، أنّ البشرية تقف أمام خيارين: إما بناء عالم تسوده القوة والهيمنة التقنية، أو إعادة بناء صرح قائم على التضامن والعيش المشترك.
وحذر البابا، أيضاً، من أنّ الذكاء الاصطناعي قد يضعف قدرة البشر على التفكير والحكم الأخلاقي عبر تقديم" إجابات فورية" تقتل الصبر والإبداع والبحث عن الحقيقة، وقد يخلق" تعاطفاً مزيفاً" يدفع الناس، خصوصاً الشباب، إلى استبدال العلاقات الإنسانية الحقيقية بعلاقات مع الآلات.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)واعتبرت الصحيفتان الأميركيتان" وول ستريت جورنال" و" واشنطن بوست" أنّ الوثيقة تمثل" أخطر تدخل ديني عالمي حتى الآن في النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي"، لأنها جاءت في وقت بدأت فيه" ديانة الذكاء الاصطناعي" ترسخ سيطرتها على مصير البشرية.
البابا قال لرواد التكنولوجيا: تمهّلوا.
ضعوا الإنسان في المركز، فالآلات ليست آلهة!وتوالت التعليقات التي شددت على أنه عندما يحاول الإنسان أن يلعب دور الإله، قد يجد نفسه في النهاية مسحوقاً تحت أقدام التكنولوجيا.
وكان أبلغ ما ورد في الوثيقة: " حين تُفوَّض قرارات الحياة والموت إلى أسطر من الشيفرات البرمجية، يفقد الإنسان كرامته، وتنتصر الآلة على الروح الإنسانية".
ما دور الفلسفة الآن إذاً؟" نداءات الاستغاثة" صارت تصدر تباعاً مطالبة الفلسفة بأداء دورها من أجل وضع" أطر أخلاقية للتقنية"، على أساس أنّ دور الفلسفة المعرفي لا يقل أهمية عن دور المبرمجين والمهندسين، و" كهنة" وادي السيليكون.
وثمة تعويل على الفلسفة في أن تؤدي دوراً حقوقياً، أو تحفز أهل القانون على عدم انتهاك أنظمة الذكاء الاصطناعي الفائق حقوق الإنسان، أو تعريض حياته للأذى أو أخطار الفناء، أو ذوبان الهوية الإنسانية في" تسونامي" الخوارزميات المتلاطمة.
الفلاسفة يملكون، من خلال مناهج التفكيك والنقد والسيمياء وتحليل اللغة والخطاب، القدرة على كشف التحيزات الخفية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي منبعها قوالب نمطية لا إرادية وغير مقصودة تؤثر في سلوك البشر من دون وعيهم بها، وهذا يتعدى السلوك إلى أنماط المعرفة والتفكير.
ومن المهمات الضرورية الملحة التي تطرق بشدة جدران معبد الفلسفة، تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتتحمل التدقيق الأخلاقي الشامل، مما يحفز المطورين على إنشاء خوارزميات تُعطي الأولوية للاعتبارات الأخلاقية، كما كتب الأميركي كيفن كانفيلد، في الثاني من سبتمبر (أيلول) 2025، في صحيفة" سان فرانسيسكو كرونيكل".
ويعتقد كرونيل أنّ هذا الدمج بين الأخلاق والفلسفة يُزود الذكاء الاصطناعي بوعي عميق بالآثار الأخلاقية لقراراته، مما يُسهّل تهيئة بيئة ذكاء اصطناعي واعية ومسؤولة اجتماعياً، وفق" دستور" يمتثل" الكل" لشروطه وإكراهاته.
فهل هذا ممكن؟هذا الدستور المقترح والمرتجى قد يصطدم بمعضلات لا حصر لتفاصيلها وارتداداتها، مما يعيد النقاش إلى مربع الفكرة الكانطية الأساسية من حيث الحكم على الفعل الأخلاقي، التي تنص على توخي الشمولية، فلكي يكون الفعل أخلاقياً، يجب أن يكون قابلاً للتعميم على جميع البشر من دون حدوث تناقض.
وأيضاً أن يتمتع الفعل الأخلاقي بوجوب معاملة البشر دائماً كغاية في حد ذاتها، وليس فقط كوسيلة لتحقيق غاية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك