كلما وقفنا في صالة المغادرة، اعتدنا أن ننظر إلى الطائرات وهي تقلع، وإلى المسافرين وهم يتبادلون عبارات مألوفة؛ رحلة سعيدة، سنشتاق إليك، نراك قريبًا.
لكن الحقيقة أن أورقة المطار لا تشهد دائمًا وداعًا جميلًا، ولا استقبالًا سعيدًا، فهناك رحلات لا يرافقها إلا الصمت، وأخرى تحمل أصحابها إلى أماكن لم يختاروها بقدر ما دفعتهم إليها ظروف الحياة، منهم من يسافر بحثًا عن فرصة، ومنهم من يهرب من وجع، ومنهم من يغادر بعد أن ضاقت به الأرض، ومنهم من يحمل في حقيبته حلمًا، وفي قلبه خوفًا لا يراه أحد.
لهذا، فإن المطار ليس مجرد مكان للرحيل والوصول، بل هو شاهد على تقلبات الحياة، فكم من ابتسامة تخفي دمعة، وكم من مصافحة تحمل آخر لقاء، وكم من وجه يبدو مطمئنًا بينما يخوض داخله معركة لا يعلمها إلا الله.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن المسافر لا يحمل معه كل شيء، فهناك أشياء لا يمكن وضعها في حقيبة؛ الذكريات، والخذلان، والندم، والكلمات التي لم تُقل، والفرص التي أُهدرت، والقلوب التي كُسرت، كلها تسافر معنا وإن ظننا أننا تركناها خلفنا.
وهنا تتجاوز الفكرة حدود المطار، لتصبح مرآة للحياة نفسها، فنحن أيضًا نحمل ملفات كثيرة، نفتحها ونغلقها مع الأيام، نعتقد أحيانًا أننا وحدنا من يملك قرار إنهائها، لكن الواقع يعلمنا غير ذلك، فكم من علاقة أغلقها سوء فهم، وكم من حلم أنهته كلمة محبطة، وكم من مشروع دفنه تأخير، وكم من إنسان غيّر مجرى حياة غيره دون أن يشعر.
إن أخطر ما قد يفعله الإنسان هو أن يستهين بأثره في الآخرين، فقد تكون كلمة يقولها سببًا في نهضة إنسان، أو سببًا في انكساره، وقد يكون موقفه بابًا للأمل، أو بابًا للإحباط، لذلك قال النبي ﷺ: «الكلمة الطيبة صدقة»، لأن الكلمة ليست صوتًا يمر، بل أثرًا قد يبقى في النفس سنوات، ومن الحكم التي تعلمنا إياها الحياة أن ليس كل ملف يستحق أن يبقى مفتوحًا، فهناك صفحات لا يزيدها الزمن إلا ألمًا، وهناك أشخاص يكون إغلاق أبوابهم رحمة، وهناك أخطاء لا تُصحح بالندم، وإنما بالتوبة، ولا تُمحى بالحسرة، وإنما بالعمل الصالح.
والعاقل ليس من لم يخطئ، وإنما من عرف متى يغلق صفحة الماضي، ومتى يبدأ صفحة جديدة، فالوقوف طويلًا عند محطات الرحيل لا يعيد مسافرًا، كما أن البكاء على صفحة انتهت لا يكتب فصلًا جديدًا، الحياة أقصر من أن تُستنزف في الانتظار، وأغلى من أن تُعاش أسيرة لما مضى، وما دام الله يفتح لنا صباحًا جديدًا، فهو يمنحنا فرصة جديدة لنُصلح، ونعفو، ونبدأ من جديد.
وفي النهاية، ستبقى أورقة المطار درسًا يتكرر أمام أعيننا؛ فليس كل من رحل خسر، وليس كل من بقي ربح، وليس كل نهاية تعني انكسارًا، فالله وحده يعلم أي الرحلات نجاة، وأي الأبواب لو بقيت مفتوحة لأهلكتنا.
فاحرص أن تكون سببًا في فتح أبواب الخير للناس، ولا تكن ممن يُغلق في وجوههم أبواب الأمل، واترك في كل محطة من حياتك أثرًا طيبًا؛ فربما تكون أنت الرحلة الجميلة في حياة إنسان، دون أن تدري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك