في وقت تبحث فيه المؤسسات الصحفية عن نماذج تمويل بديلة، وسط تراجع الإعلانات واضطراب علاقة الجمهور بالأخبار، يقدم أبيناندان سيخري، الشريك المؤسس لمنصة نيوزلوندري الهندية، خلاصة مباشرة لتجربة امتدت 14 عاما؛ إذا لم يستطع الناشر إقناع الناس بالدفع مقابل منتجه، فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ولا في أدوات الدفع، بل في المنتج نفسه وفي الرسالة التي يحملها.
وكشفت نيها غوبتا، في تقرير نشرته مؤسسة وان-إيفرا (WAN-IFRA)، عن أبرز ما طرحه سيخري خلال مؤتمر الإعلام الرقمي في الهند، المنعقد في نيودلهي، حيث دافع عن نموذج اشتراكات يقوم على نقاء الرسالة، لا على خلط الإيرادات بين الإعلانات والدفع المباشر من الجمهور.
ويرى سيخري أن واحدة من مشكلات منصات الأخبار التي تطلب من جمهورها الاشتراك أنها تفعل ذلك بينما تواصل عرض الإعلانات، وبالنسبة إليه، يصعب إقناع القارئ بالدفع إذا كان يشعر بأن المؤسسة تحقق دخلا آخر من انتباهه وبياناته ووقته، لذلك بنت نيوزلوندري نموذجها على قاعدة واضحة: لا إعلانات، ولا مصدر دخل أساسيا سوى الاشتراكات.
هذه الصيغة، كما أوضح سيخري، لا تعني بالضرورة أن الطريق سهل، فكلما كبرت المؤسسة ازداد الضغط باتجاه تنويع مصادر الدخل، لكنه يرى أن نيوزلوندري استفادت من عاملين أساسيين: أنها بدأت من الصفر، من دون نموذج إعلاني قديم تحتاج إلى تفكيكه، وأنها تعمل في بيئة إعلامية هندية لا تزال، في رأيه، تعاني ضعفا في صحافة المصلحة العامة، بما يتيح لمنصة صغيرة أن تقدم نفسها بديلا واضح الرسالة.
جوهر الفكرة هنا أن الاشتراكات لا تبنى فقط على جودة تقنية أو تصميم جذاب أو تطبيق سلس، فسيخري يذهب أبعد من ذلك حين يقول إن المشتركين، في الحالة الهندية على الأقل، لا يدفعون غالبا لأن المنتج الإخباري استثنائي من حيث الشكل أو الوظائف، بل لأنهم يؤمنون بما تمثله المؤسسة، أي إن العلاقة بين الجمهور والمنصة ليست علاقة استهلاك عابرة، بل علاقة موقف وثقة وانحياز معلن للصحافة المستقلة.
وتبرز أهمية هذه الفكرة في وقت تتعامل فيه مؤسسات كثيرة مع الاشتراكات بوصفها حلا تقنيا: جدار دفع، نظام عضويات، رسائل بريدية، تطبيقات، وتحليلات بيانات، أما سيخري فيعيد النقاش إلى سؤال أعمق: لماذا سيدفع الجمهور؟ وما الوعد التحريري الذي تقدمه المؤسسة وتستطيع الوفاء به يوميا؟في تجربة نيوزلوندري، يتجسد هذا الوعد في الصحافة الميدانية والمساءلة، فقد أشار سيخري إلى تغطية الجدل بشأن امتحان نيت (NEET)، حيث أدى التحقيق وطرح الأسئلة على أصحاب السلطة إلى ارتفاع عدد المشتركين.
لكنه شدد على أن ذلك لم يكن حملة عارضة لاستغلال لحظة سياسية أو اجتماعية، بل امتدادا طبيعيا لهوية المنصة التحريرية.
وهنا يضع سيخري حدا فاصلا بين التسويق والاتساق، يمكن للمؤسسة، بحسب رأيه، أن تغير رسائلها بحسب اللحظة أو الفئة المستهدفة أو اللغة أو المنطقة، لكنها لا تستطيع أن تطلب من الجمهور الدفع لشيء ثم تقدم له شيئا آخر، فالاشتراك، في جوهره، عقد ثقة طويل الأمد، لا عملية شراء منفصلة.
ومن اللافت أن سيخري يرفض أيضا استيراد وصفات الاشتراكات من سوق إلى أخرى.
فنجاح نموذج نيويورك تايمز في الولايات المتحدة الأمريكية لا يعني أنه يصلح كما هو في الهند.
واستشهد بتعدد اللغات في الهند، حيث توجد 22 لغة رئيسية، وباختلاف علاقة الجمهور بالسلطة والتراتبية والخبر نفسه، وحتى داخل الهند، يرى أن ما ينجح مع جمهور نيوزلوندري الناطق بالإنجليزية قد يحتاج إلى إعادة بناء كاملة عند التوجه إلى جماهير اللغات الإقليمية.
هذا التحذير مهم للمؤسسات الإعلامية العربية أيضا، فكثير من نقاشات التحول الرقمي تستعير نماذج غربية جاهزة، من دون اختبار الفروق في الثقافة الإعلامية، والقدرة الشرائية، والثقة بالمؤسسات، وأنماط استهلاك الأخبار، وحساسية الجمهور تجاه الإعلانات والتمويل والولاءات السياسية.
لكن أكثر ما يلفت في حديث سيخري هو ربطه بين المنتج الإخباري والمراسلين الميدانيين، فهو يرفض الاستخدام الفضفاض للمصطلح، ويؤكد أنه لا يمكن الحديث عن منتج إخباري حقيقي من دون مراسلين على الأرض، يعملون تحت إشراف تحريري، وتدقيق من غرفة الأخبار، وفحص للحقائق؛ قد تمتلك منصة ما جمهورا واسعا، وقد تحقق انتشارا، لكنها، في نظره، لا تصبح بيتا إخباريا إذا لم تنتج صحافة ميدانية موثوقة.
واستشهد سيخري بتغطية نيوزلوندري في مانيبور، حيث أمضى فريقها 21 يوما في العمل الميداني، في تغطية لم تضاهها، وفق قوله، المؤسسات التقليدية من حيث المدة.
ويكشف هذا المثال عن جانب مهم في الاشتراكات: الجمهور لا يمول المحتوى فقط، بل يمول القدرة على الذهاب إلى الأماكن الصعبة والبقاء فيها بما يكفي لإنتاج معرفة صحفية لا توفرها التغطيات السريعة.
وفي شرح آلية التمويل، أوضح سيخري أن الاشتراكات تشكل قاعدة الدعم الأساسية، بينما يتيح برنامج نيوزلوندري سينا طلب مساهمات إضافية من المشتركين الأكثر ولاء لتمويل مشاريع ميدانية محددة.
وتضع المنصة سقفا للمساهمة الفردية عند 50 ألف روبية (نحو 595 دولارا)، لتجنب تأثير مانح واحد على التغطية، في إشارة إلى وعي واضح بمخاطر التمويل حتى داخل نموذج قائم على الجمهور.
وتعكس هذه التجربة اتجاها أوسع في الإعلام: المؤسسات الصغيرة والرشيقة قد تكون أقدر على البقاء من المؤسسات الضخمة، لكنها لا تنجو بمجرد تقليل التكاليف.
فسيخري يفرق بين البقاء المالي والبقاء الصحفي؛ إذ يمكن لمنصة أن تستمر وتجمع جمهورا، لكنها لا تمارس الصحافة إذا تخلت عن العمل الميداني والتحقق والمساءلة.
في النهاية، لا يقدم حديث سيخري وصفة سهلة للاشتراكات، بل يقدم معيارا صارما: الجمهور لا يدفع لأنه يحب جدران الدفع، ولا لأنه معجب بالبنية التقنية، بل لأنه يرى في المؤسسة قيمة عامة تستحق الدعم، وحين تفشل المؤسسة في إقناعه بذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن التكنولوجيا، بل عن الصحافة نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك