في" ملكة القطن"، أول أفلامها الروائية الطويلة، لا تكتفي المخرجة السودانية سوزانا ميرغني بحكاية فتاة تكبر على حافة التحولات، بل تنسج من القطن ذاكرة مثقلة بالتاريخ والأنوثة والعمل والاستعمار والمقاومة.
تعود إلى الريف بوصفه مكانا للحياة والصراع معا؛ حيث يلتقي الحنين بالتمرد، وتصبح حكاية نفيسة مرآة لأسئلة أوسع عن السودان ونساء يحملن أثقال العالم بصمت، ثم يقررن أخيرا أن يتكلمن.
list 1 of 3بسبب أزمة التأشيرات.
انسحاب الفيلم السوداني" كرت أزرق" من" سوق برلين"list 2 of 3" ملكة القطن" السودانية واسطة عقد مهرجان أوتاوا السينمائيlist 3 of 3الفنانة السودانية بلقيس عوض.
سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وتركت أثرا لا يُنسىفي هذا الحوار مع" الجزيرة نت"، تتحدث سوزانا عن الرحلة من" الست" إلى" ملكة القطن"، وعن فيلم خرج إلى العالم بينما كانت الحرب تعيد تشكيل البلاد والذاكرة معا.
بعد النجاح العالمي الذي حققه فيلمك القصير" الست"، كيف اختلفت تحديات السرد والإنتاج في" ملكة القطن"؟ وهل كانت فكرته حاضرة أثناء صناعة" الست"؟عندما أنهيت سيناريو" الست" عام 2019 شعرت أنه أطول من أن يكون فيلما قصيرا، وأقصر من أن يصبح فيلما روائيا طويلا.
لم أكن مستعدة وقتها لخوض تجربتي الأولى في الروائي الطويل، فاختصرت الحكاية إلى فيلم قصير، واحتفظت بالباقي لوقت لاحق، وهذا الباقي أصبح" ملكة القطن".
الفيلمان يتشاركان الشخصيات والعالم نفسه، لكن كلا منهما قائم بذاته.
نفيسة في" الست" لا تتكلم، بينما تظهر في" ملكة القطن" بصوت أعلى وشخصية أكثر تمردا ووضوحا.
خطتي كانت إنجاز" الست" أولا، على أمل أن يساعد نجاحه في تمويل الفيلم الروائي.
بعد عروض واسعة وحصد 48 جائزة دولية، تمكنت من استكمال سيناريو" ملكة القطن" خلال ورشة في معهد الدوحة للأفلام، تحت إشراف آن ماري جاسر، التي كانت أول من آمن بالمشروع وانضمت إليه كمنتجة مشاركة.
بدأ مشروع" ملكة القطن" قبل الحرب في السودان ثم تغير كل شيء، كيف انعكس ذلك على الفيلم إنتاجيا وفنيا؟كنت أريد منذ البداية صنع الفيلم في السودان والعمل مع الحرفيين المحليين والأصدقاء والمساهمة في بناء صناعة سينمائية هناك، لكن الحرب أجبرتنا على نقل الإنتاج بالكامل إلى مصر.
كان من أصعب ما واجهته أن فريق العمل لم يكن في غالبيته سودانيا، بسبب صعوبة حصول السودانيين على تأشيرات في ذلك الوقت.
لم تتمكن مهندسة الديكور في" الست"، سارة عوض، من السفر، لذلك تعاونت مع قسم فني ضم سودانيين وفرنسيين ومصريين.
مع ذلك لم يتغير التصور البصري للفيلم كثيرا، إذ حرصنا على إعادة بناء البيوت والشوارع وفق المواصفات المعمارية للمواقع الأصلية في السودان، حتى يحتفظ المكان بروحه رغم التصوير خارج البلاد.
اضطررتم إلى إعادة بناء قرية سودانية كاملة في مصر، كيف حافظت على روح المكان؟بعض مواقع التصوير كانت واقعية إلى درجة أننا كنا ننسى أننا في مصر.
أتذكر يوما حضر فيه نحو 100 كومبارس سوداني إلى الموقع، فانسجموا مع المكان وراحوا يتحدثون ويغنون كأنهم في بلدهم، وكان هناك إحساس قوي بالألفة بينهم.
لكننا كنا نغادر هذا" السودان المتخيل" بعد كل يوم تصوير وقلوبنا مكسورة.
في ظل ما تتعرض له البلاد، أشعر أن السينما تصبح شكلا من أشكال المقاومة الثقافية وحفظ الذاكرة.
العناصر ذات الطابع الواقعي السحري في الفيلم هي محاولة لتخيل سودان جديد، يحمل حنينا إلى ما لم يكن، وأملا لما يمكن أن يكون.
هل اضطررت إلى تغيير اختياراتك للممثلين بسبب الحرب، أم بقي فريق التمثيل كما خططت له؟بما أن 99% من الممثلين السودانيين كانوا قد نزحوا إلى مصر، تمكنا من إنجاز الفيلم بمعظم طاقم التمثيل الأصلي.
كانت تلك نعمة صغيرة وسط ظرف بالغ القسوة.
إلى أي مدى أثرت تجربة اللجوء على أداء الممثلين؟الأثر النفسي للحرب كان حاضرا بقوة.
إلى جانب التحديات العملية وخيبة عدم التصوير في السودان، منحنا العمل على الفيلم شعورا بأننا نفعل شيئا يمنح النازحين قدرا من الكرامة والأمل.
لم يتوقف الأمر عند البعد الرمزي، بل وفر العمل أيضا دخلا حقيقيا لكثيرين بعد شهور -وربما سنوات- من البطالة التي فرضتها الحرب.
إعادة خلق السودان داخل مصر منحت الممثلين وفريق العمل السودانيين إحساسا بأنهم قادرون على فعل شيء إيجابي من أجل بلدهم والاحتفاء بثقافته حتى من خارجها.
كيف عملت مع الممثلين للوصول إلى هذا القدر من الصدق؟معظم الممثلين في الفيلم ليسوا محترفين، وأنا أميل إلى هذا النوع من الأداء، لأنه يعتمد على التجربة الحياتية أكثر من القواعد المدرسية.
المسافة بين الممثل والشخصية تكون قصيرة جدا.
الجدة في الفيلم جدة سودانية حقيقية، ومهاد مرتضى، رغم أنها لا تعيش في قرية قطن، قريبة جدا من نفيسة في مشاعرها وظروفها، ولهذا بدت كأنها تعيش الشخصية أكثر مما تمثلها.
الفيلم بدأ قبل الحرب وخرج إلى النور بعدها، هل تغيرت رسالته مع تغير واقع السودان؟يقرأ الفيلم اليوم -ولا سيما نهايته- بشكل مختلف في ظل الحرب.
أنهيت سيناريو" ملكة القطن" في سودان مختلف تماما عن سودان اليوم، في فترة تلت ثورة 2018 ـ 2019 وكانت مفعمة بالأمل، حين شعر الناس للمرة الأولى تقريبا بأن لديهم سلطة حقيقية في تحديد الطريقة التي يريدون أن يعيشوا بها.
أحداث الفيلم لا تدور داخل هذا السياق السياسي مباشرة، لكنني منحت نفيسة هذه الروح الثورية نفسها، وهذا الأمل في سودان جديد تملك فيه حق إبداء رأيها في مستقبلها الشخصي، وبالتالي في المسار الذي يمكن أن تتخذه البلاد أيضا.
لذلك أرى أن الفيلم حكاية نضج فتاة، لكنه أيضا حكاية نضج وطن يحاول إعادة تشكيل نفسه.
تركزين في أعمالك على نساء يمشين بين ثقل التقاليد ورغبة التمرد، ما الجديد الذي تقدمه" ملكة القطن" في هذا المسار مقارنة بـ" الست"؟التمرد جزء من حكاية كل مراهق، في" الست" كان التمرد موجها إلى العائلة والزواج المبكر.
في" ملكة القطن" أوسع الدائرة، وأتحدث عن أشكال متعددة من المقاومة؛ من التمرد داخل الأسرة إلى مواجهة القمع الذي تفرضه الصناعة والسلطة.
الفيلم يتأمل الفروق بين أجيال الفتيات والنساء السودانيات في حقهن في تقرير مصيرهن.
هناك تواز بين صراع نفيسة وصراع جدتها؛ فالست واجهت عنف الاستعمار البريطاني، بينما تواجه نفيسة قوى حديثة تزحف إلى القرية.
نفيسة ترث إرث جدتها لكنها تعيد مساءلته وتشكيله وفق شروطها الخاصة.
كيف خططت للغة البصرية لتعكس حرارة حقول القطن والأجواء المشحونة في القصة؟ وما مرجعياتك البصرية؟بعض المرجعيات في الفيلم مباشرة وواضحة.
أنا معجبة كثيرا بأفلام المخرجة أليس رورفاخر بما تحمله من مزج بين الشعرية والعبث، وبين العالم الطبيعي وروحه السحرية، مع بقائها متجذرة في الأرض والعمل الشاق.
هذا العالم الحقيقي وغير الحقيقي في آن هو ما جذبني بصريا.
أستلهم أيضا من الأدب السوداني، وأحب أن أقول إن شبح الطيب صالح يخيم على الحكاية.
لكن الفيلم هنا تحية لنساء الريف السوداني، لا لرجال القرية.
عنوان الفيلم يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بالاستعمار، هل أردت إعادة قراءة هذا التاريخ من منظور سوداني؟أثناء كتابة السيناريو أجريت بحثا واسعا في تاريخ القطن.
اكتشفت مسابقة الجمال البريطانية السنوية" ملكة القطن" التي كانت تروج لصناعة القطن الاستعمارية عبر الاحتفاء بالفتيات العاملات في مصانع النسيج، بينما كان القطن نفسه سودانيا منتزعا من البلاد.
نقل البريطانيون هذا التقليد إلى مستعمراتهم، ومنها السودان، لكن" ملكات القطن" السودانيات لم يحظين بأي احتفاء يذكر.
وجدت في هذه الحكاية مادة ثرية، لأنها تضع الفتيات في قلب شبكة من الاستعمار والسلطة الأبوية والاستغلال الصناعي.
من هنا جاء عنوان الفيلم، بوصفه محاولة لإعادة تعريف" ملكة القطن" من منظور سوداني، عبر حكاية فتيات يحاولن التحرر من هذه القوى بطريقتهم الخاصة.
كيف استقبلت المهرجانات والجمهور الفيلم، خاصة بين الداخل والخارج؟شهد" ملكة القطن" عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا عام 2025، ثم شارك في مهرجانات بأمريكا وآسيا وأوروبا.
في معظم العروض كان هناك حضور سوداني، وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية، خاصة في ظل حرص السودانيين اليوم على دعم الأعمال القادمة من بلدهم.
حصد الفيلم عددا من الجوائز، من بينها أفضل فيلم دولي في تسالونيكي، وجائزة الجمهور في الدوحة، وجائزة (TV5) لأفضل فيلم أول في قرطاج، إلى جانب جوائز من جنيف والأقصر للسينما الأفريقية وروتردام.
كصانعة أفلام ومفكرة، ما القصص المنسية التي تشعرين أن كاميرا السينما لم تقترب منها بعد خصوصا في السودان؟لا يزال هناك الكثير مما لم يكتشف بعد في العالم العربي، وبشكل خاص في السودان.
بلد لا يملك صناعة سينمائية راسخة لم يبدأ بعد سوى ملامسة سطح الحكايات السودانية.
السودان بلد شاسع، تتعدد فيه أنماط الحياة وتتنوع جغرافيته إلى حد أننا نفاجأ أحيانا بمدى ما نجهله عن بعضنا البعض.
أرى أن السينما السودانية يمكن أن تكون وسيلة لفحص هذه الزوايا المتعددة للهوية السودانية، والاقتراب من تعقيدها وثرائها.
السينما السودانية تعيش صحوة استثنائية وتتوج في المحافل الدولية، أين ترين موقع" ملكة القطن" داخل هذه الحركة؟عدد الأفلام الروائية الطويلة في تاريخ السينما السودانية لا يزال محدودا، لذلك أشعر بفخر كبير لكوني من بين من أتيح لهم صنع فيلم عن السودان.
اليوم هناك عدد متزايد من السينمائيين السودانيين يسعى إلى تقديم بلده بما يستحقه من كرامة وتعقيد، بعيدا عن اختزاله في صورة واحدة.
أرى أن بعض المهرجانات والنقاد والجمهور يحاولون أحيانا وضع السودان في قالب محدد، أو إملاء ما يجوز وما لا يجوز للسينمائيين السودانيين تقديمه عن بلد ربما لم يزوروه أصلا.
لكن السودانيين وحدهم الأقدر على رواية" ما هو السودان"، كل من زاويته وتجربته الخاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك