القصة التي يحب بعض الأمريكيين سردها في يوم الاستقلال تبدأ من بندقية.
نعم، تسمى بندقية بنسلفانيا أو" البندقية الطويلة"، وكانت حقا مميزة، فداخل السبطانة (الماسورة) الخاصة بها كانت توجد أخاديد لولبية، تجعل الطلقة تدور حول نفسها أثناء الانطلاق للأمام.
ومن ناحية فيزيائية بحتة، فإن ذلك الدوران يزيد من ثبات الرصاصة أثناء السير إلى الهدف، ما يعني ارتفاعا في الدقة، مقارنة بالبنادق الأخرى المنتشرة وقتها، والتي امتلكت سبطانة ملساء.
إذا كنت في الولايات المتحدة في هذه المناسبة ربما سيجلس أحدهم بجوارك، في العمل أو في المقهى، ليبدأ فجأة في القول إن رجال الحدود الذين ارتدوا جلود الغزال، قبعوا خلف الجدران الحجرية، واستخدموا هذه البندقية لصيد الجنود النظاميين البريطانيين ذوي المعاطف الحمراء، الذين كانوا من الحماقة بما يكفي للسير في العراء، واحدا تلو الآخر.
list 1 of 2الاستقلال الذي تحتاجه أمريكا.
كيف يمكنها التحرر من أيباك؟list 2 of 2سالم الهرش.
البدوي الذي خدع إسرائيل وأفشل خطة تدويل سيناءإنها قصة ممتازة تصلح لتصبح المشهد الافتتاحي لفيلم هوليوودي كبير من بطولة براد بيت ربما، قصة تحكي عن البراعة والدقة التي تبتكر تكنولوجيا صاعدة تتغلب على القوة الغاشمة، لكن هذه القصة تواجه مشكلة واحدة فقط، وهي أنها خاطئة تماما، والواقع أن التاريخ العسكري دائما أقل رومانسية من القصص الشعبية، فرغم جودة البندقية، إلا أن جودتها تتناقص على مسافة ثمانين ياردة، كما أنها بطيئة في الاستخدام، ولا تكفي وحدها لصنع جيش قادر على الصمود أمام قوة محترفة.
" كتب البارون البروسي فريدريش فون ستوبين الكتاب الأزرق الذي يعد أول دليل للجيش الأمريكي الذي واجه البريطانيين"والحقيقة أن التحول الأعمق في التاريخ الأمريكي لم يحدث في ماسورة البندقية المحلزنة من الداخل، بل في جسد الجيش نفسه، ونقصد هنا معايير حرجة جدا مثل التدريب، والانضباط، والتنظيم، وبالطبع القدرة على إطلاق النار من هذه البنادق – وغيرها من البنادق الأخرى – والمناورة بذلك كله كوحدة ملتحمة لا كأفراد متفرقين، ولم يحدث ذلك إلا حين وصل البارون البروسي فريدريش فون ستوبين إلى معسكرات فالي فورج، في ولاية بنسلفانيا، في شتاء عام 1778 المتجمد.
بدأ فريدريش بتعليم الجنود كيف يتحركون كجسد واحد، وكيف يحملون السلاح، ويعبئون الذخيرة، ويطلقون النار في صفوف منضبطة، وكيف يستخدمون الحربة، ثم يعيدون تشكيل الخطوط بسرعة وسط المعركة.
ثم حول فريدريش هذا التدريب من خبرة شخصية طبقها على مجموعات الجنود إلى نظام مكتوب، فقد وضع لاحقاً كتابه الشهير" لوائح النظام والانضباط لقوات الولايات المتحدة"، المعروف بـ" الكتاب الأزرق"، وهو أول دليل رسمي للجيش الذي واجه البريطانيين، قدم أوامر وتشكيلات تدريب معيارية، وشرحا للانضباط ومهام وواجبات كل جندي وقائد، وقدم رسما واضحا للتنظيم العسكري.
على مدار قرنين ونصف من الزمان، كانت هناك قناعة منتشرة، حتى بين بعض الجنرالات الأمريكيين أنفسهم، مفادها أن القوة العسكرية الأمريكية تعتمد على آلات ذات تكنولوجيا متفوقة.
هناك بالطبع قدر كبير من الحقيقة في ذلك، حيث لم تكن الهيمنة العسكرية الأمريكية مبنية قط على الأعداد الكبيرة من الجنود، وكان محرك النجاح العسكري يتلخص في تحويل المختبرات والمصانع إلى قوة نارية، لكن الآلات وحدها لم تكن سر التفوق الأمريكي.
والواقع أن النمط الذي يمكن أن نلاحظه بشكل متكرر، من بنادق بنسلفانيا في حرب الاستقلال إلى المسيرات والذكاء الاصطناعي الآن، هو أن التكنولوجيا الجديدة يمكن أن تصبح ميزة عسكرية حقيقية فقط عندما يتعلم الجيش استخدامها بشكل مختلف، أي عندما يبني العقيدة العسكرية والمنظمات والمؤسسات التي تدير تلك التكنولوجيا، لانتزاع أفضل تأثير ممكن منها داخل الحرب.
والفكرة بسيطة، فالرادار اختراع حقيقي يمثل إنجازا علميا استثنائيا، لكن بناء نظام دفاع جوي متكامل يدمج بيانات الرادار في صورة يمكن لقائد الوحدة التصرف بناء عليها في مسرح المعركة، بشكل يعيد صياغة مفهوم المعركة الجوية بالكامل، هو ابتكار عسكري.
" الفجوة بين مفهومي الاختراع والابتكار العسكري ربما تكون الفيصل بين الفوز بالحروب وخسارتها"الفجوة بين هذين المفهومين –" الاختراع" و" الابتكار العسكري" – ربما تكون الفيصل بين الفوز بالحروب وخسارتها، يتضح هذا المعنى في عقود ما بين الحربين العالميتين، وهي الفترة التي اعتبرها المؤرخان العسكريان الأمريكيان ويليامسون موراي وألان ميليت مختبرا مثاليا لفهم تلك النقطة، حيث يؤكدان في كتابهما" الابتكار العسكري في فترة ما بين الحربين" أن الابتكار العسكري يعد عملية أوسع، تشمل مفاهيم مثل العقيدة العسكرية والتنظيم والتدريب والقيادة وطريقة دمج السلاح الجديد داخل منظومة قتالية كاملة.
في حالة الدبابة على سبيل المثال، وهي حالة مشروحة جيدا في الكتاب، يقول الباحثان إن العبرة لا تكمن فيمن امتلك تلك القطعة المعدنية المجنزرة أولا، بل من فهم ما الذي يمكن أن تفعله في سياقات أوسع، فقد ظهرت الدبابات البريطانية لأول مرة في القتال عام 1916، ثم استخدمت بكثافة أكبر في معركة كامبراي في الحرب العالمية الأولى عام 1917، لكن معظم الجيوش خرجت من الحرب وهي تنظر إليها بوصفها أداة لمرافقة المشاة واختراق الخنادق.
" كان سقوط فرنسا أمام حرب الألمان الخاطفة انتصارا لفكرة وضع الدبابة داخل منظومة أسلحة مشتركة"وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، كانت فرنسا تملك عددا كبيرا من الدبابات، وبعضها كان أفضل تسليحا وتدريعا من نظيراتها الألمانية، لكنها نظرت إلى الدبابة كأنها مدفع متحرك يتحرك مع المشاة، ففي مسرح المعركة كان الجندي يمشي وخلفه أو بجانبه دبابة تساعده على اقتحام خندق أو موقع محصن.
لذلك وزعت دبابات كثيرة، ومتفرقة، على وحدات المشاة، وهذه الفكرة مفهومة لأن ذاكرة الجيش الفرنسي كانت محكومة بتجربة الحرب العالمية الأولى، التي احتوت على خنادق ودفاعات وتقدم بطيء ومدفعية تمهد الطريق للمشاة.
أما الألمان فتعاملوا مع الدبابة كأنها رأس رمح، فجمعوا الدبابات في فرق مدرعة كبيرة، صحبة مشاة ومدفعية ومهندسين واتصالات لاسلكية ودعم جوي، وهنا اختلف الهدف تماما، لم يكن أن تسير الدبابة بسرعة الجندي لتساعده في عبور نقطة حصينة، بل أن تندفع بسرعة وتخترق نقطة ضعيفة، ثم تدخل عميقا خلف خطوط العدو لتربك القيادة وتقطع الطرق والجسور والإمدادات.
في هذا السياق تحديدا، كانت هزيمة فرنسا في عام 1940 أمام حرب الألمان الخاطفة، انتصارا لفكرة وضع الدبابة داخل منظومة أسلحة مشتركة، بحسب الثنائي ويليامسون وألان.
يظهر نفس الأمر بوضوح في كل جوانب التطور العسكري الأمريكي على مدى 250 سنة مضت، فمثلا كانت الحرب الأهلية الأمريكية نموذجا في عملية تحويل القدرة الصناعية الخام إلى قوة عسكرية حاسمة، بل ويطلق بعض المؤرخين عليها اسم" أول حرب حديثة" بسبب ذلك، ورغم أن هذا اللقب يظل محل جدل تاريخيا، إلا أن الثابت أنه كان للتكنولوجيا والقوة الصناعية دور محوري في النتيجة، ولكن مرة أخرى، تكمن الحقيقة الأعمق في أن الشمال لم يكن يمتلك موارد أكثر فحسب، بل في أنه بنى المؤسسات اللازمة لاستخدامها.
ولنتأمل مثلا التقنيتين الرئيسيتين للحرب، وهما السكك الحديدية والتلغراف، كان تفوق الاتحاد (الولايات الشمالية) في مجال السكك الحديدية واضحا، يتجسد فيما يقارب 30 ألف كيلومتر من السكك الحديدية في الشمال مقابل نحو 14 ألف كيلومتر في الكونفدرالية (الولايات الجنوبية)، كما أن الاتحاد امتلك شبكة أكثر ترابطا، ومراكز صناعية قادرة على إنتاج القضبان والعربات والقاطرات وقطع الغيار، بينما عانى الجنوب من تباين المقاييس بين الخطوط، وقلة الورش، وضعف الترابط بين شبكاته المحلية.
كان لهذه الفجوة أهمية بالغة، لأن السكك الحديدية سمحت للجيش بالتحرك السريع بين الجبهات، ونقل آلاف الجنود والمدافع والخيول والمؤن في أيام بدلا من أسابيع، كما حافظت على تدفق الذخيرة والطعام والملابس ومواد الإسعاف إلى قوات منتشرة على مساحات واسعة، الأمر الذي جعل الاتحاد أقدر على خوض حملات طويلة ومتزامنة، بل وتعويض خسائره سريعا، وتبديل قواته على حسب الطلب اللحظي، وهي قدرات لوجستية لم تكن الحروب السابقة قد عرفتها بهذا الحجم أو التنظيم.
" أثبتت الحرب الأهلية الأمريكية أن التفوق التقني يبقى بلا جدوى بدون التنظيم اللازم لاستغلاله"مرة أخرى، يظهر أن التفوق التقني يبقى بلا جدوى دون التنظيم اللازم لاستغلاله، وهنا كان الابتكار الحقيقي للاتحاد، بحسب المؤرخ الأمريكي مارك ويلسون، في كتابه" تجارة الحرب الأهلية: التعبئة العسكرية والدولة"، حيث يقول إن انتصار الاتحاد لم يكن نتيجة وفرة صناعية تلقائية، بل نتيجة شبكة معقدة من التعاقدات، والرقابة، والتنسيق بين الدولة والقطاع الخاص، عبر ما يسميه بعض الباحثين" اقتصاد حرب مختلط".
ففي فبراير/شباط 1862، سمح الكونغرس للرئيس أبراهام لينكولن بالاستيلاء على خطوط السكك الحديدية والتلغراف وتشغيلها لأغراض عسكرية، يعني ذلك أن الدولة ستتعامل مع البنية التحتية المدنية بوصفها جزءا من آلة الحرب.
في المقابل، لم تحصل حكومة الكونفدرالية على صلاحية مماثلة بالفعالية نفسها إلا متأخرا جدا، في فبراير/شباط 1865، حين كانت الحرب قد شارفت نهايتها.
تلتقي هذه النقطة مع ما يؤكد عليه المؤرخ الأمريكي جون كلارك في دراسته عن أثر إدارة السكك في النصر والهزيمة في كتاب" السكك الحديدية في الحرب الأهلية: أثر الإدارة في النصر والهزيمة"، حيث يقول إن الفارق لم يكن في أن الشمال امتلك سككا أكثر فقط، بل أنه تعلم تدريجيا كيف يديرها كمنظومة عسكرية.
فالقطار في الحرب تحول من وسيلة نقل إلى منظومة متعددة المهام، كل تطوير في تخطيطها هو تطوير لنتائج الحرب ككل، فهناك جدول حركة، وأولوية تحميل، ومحطات تفريغ، وعودة سريعة للعربات الفارغة، وصيانة مستمرة، وحراسة للجسور التي تمر عليها القطارات.
" منح التلغراف الاتحاد قدرة أكبر على ربط القرار السياسي بالحركة العسكرية"في المقابل، ترك الجنوب كثيرا من خطوطه الحديدية في أيدي شركات خاصة متنافسة، تعمل غالبا بمنطق التعاون الطوعي، لا بمنطق شبكة وطنية موحدة، وكانت المشكلة أعمق من ذلك، ففي الجنوب كانت هناك بنية سياسية واجتماعية أقل ميلا إلى المركزية، وأكثر حساسية تجاه سلطة الدولة على الملكية الخاصة، لكنها احتاجت كي تنتصر إلى دولة مركزية قوية تستطيع أن تفرض الأولويات على السكك الحديدية، والمصانع.
وإلى جانب ذلك، ربط الاتحاد إدارة السكك الحديدية بتقنية التلغراف، التي أتاحت لأول مرة للقادة في واشنطن متابعة جيوشهم وتوجيهها عبر مسافات هائلة بسرعة شبه فورية.
التلغراف هنا لعب نفس دور السكك الحديدية تقريبا ولكن في فضاء مكمل، فتحول إلى أداة قيادة وسيطرة بالمعنى الحديث، ولأول مرة صار بإمكان الرئيس ووزير الحرب في واشنطن متابعة حركة الكتائب البعيدة، وإرسال التعليمات، وتلقي التقارير عن كل معركة، ومن ثم تنسيق الحملات على جبهات متباعدة بسرعة شبه فورية، بدلا من انتظار رسائل يحملها الفرسان أو القطارات.
وكان أثر ذلك ظاهرا على ثلاثة مستويات، الأول تكتيكي، حيث ساعد التلغراف القادة الميدانيين في طلب التعزيزات أو الإمدادات وإبلاغ القيادة بتغيرات المعركة، والثاني عملياتي، حيث مكن الجيوش المتفرقة من تنسيق حركتها ضمن حملات واسعة، بحيث لا تعمل كل قوة كأنها تخوض حربا منفصلة، والثالث إستراتيجي، فقد منح الاتحاد قدرة أكبر على ربط القرار السياسي بالحركة العسكرية.
في المقابل، ظل استخدام الكونفدرالية للتلغراف أضيق وأقل تنظيما، بسبب ضعف البنية التحتية وقلة الموارد، وعدم وجود نظام مركزي قادر على دمج الاتصالات والسكك الحديدية في آلة حرب واحدة.
الدرس نفسه يتكرر، فقيمة التقنية كانت في المؤسسة التي عرفت كيف تحولها إلى نظام متكامل.
يمكن أن نتتبع نفس الفكرة وصولا إلى الحرب العالمية الثانية، فقد خدم أكثر من 16 مليون أمريكي في القوات المسلحة خلال هذه الحرب، لكن الميزة الأمريكية الأهم كانت أنها لم تقاتل بجنودها فقط، بل بطاقتها الإنتاجية الكاملة.
هنا يظهر الإنتاج بوصفه إستراتيجية عسكرية، ففي يناير/كانون الثاني 1942، بعد شهر واحد من عملية بيرل هاربر (الهجوم الياباني الشهير على الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ)، أمر الرئيس الأمريكي وقتها فرانكلين روزفلت بإنشاء" مجلس الإنتاج الحربي"، وكانت مهمته تحويل مصانع زمن السلم إلى مصانع أسلحة ومعدات، وترشيد استخدام المواد الحيوية مثل المعادن والنفط والمطاط والورق والبلاستيك.
ويمكن تلخيص التحول في مثال صناعة السيارات، ففي عام 1941، كانت مصانع السيارات الأمريكية (مثل جنرال موتورز، وفورد، وكرايسلر) تعمل بكامل طاقتها المدنية وأنتجت بالفعل نحو 3 ملايين سيارة، ولكن بعد الهجوم على بيرل هاربر في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ودخول الولايات المتحدة الحرب رسميا، أصدرت الحكومة الأمريكية أمرا في فبراير/شباط 1942 بحظر إنتاج السيارات المدنية تماما، وتحولت مصانع السيارات بدلا من ذلك إلى إنتاج المدافع والشاحنات والدبابات ومحركات الطائرات.
" بعد بيرل هاربر تحولت مصانع السيارات الأمريكية لإنتاج المدافع والشاحنات والدبابات ومحركات الطائرات"الأرقام تكشف حجم الفارق، فمثلا يقدر المؤرخ الاقتصادي مارك هاريسون، في دراسته المعنونة" تعبئة الموارد للحرب العالمية الثانية: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، الاتحاد السوفيتي وألمانيا"، أن ما أنقذ الحلفاء في النهاية لم يكن الشجاعة أو حتى الخطط، بل قدرتهم على إنتاج ذخائر ومعدات" أكثر، وأكثر بكثير" من دول المحور.
وفي جدول الإنتاج العسكري المقارن، الذي تشرحه الدراسة، ارتفع إنتاج الذخائر والمعدات القتالية الأمريكية، محسوبا بأسعار عام 1944، من متوسط سنوي يقارب 0.
3 مليار دولار في الفترة بين عامي 1935 و1939 إلى 42 مليار دولار عام 1944، في مقابل 17 مليار دولار لألمانيا في العام نفسه.
ويبين هاريسون أن عمليات إعادة التسلح الأمريكي والبريطاني كانت تركز على الميكنة وإعادة التجهيز مقابل كل جندي، وليس فقط على تكبير حجم الجيش، بمعنى أن الهدف من الإنفاق على الميكنة كان يحسب بمقابل كل جندي يدخل الحرب، وفي 1942 مثلا، بلغ حجم إنتاج الذخائر والمعدات القتالية بالنسبة إلى عدد العسكريين نحو 5400 دولار لكل جندي أمريكي، بحسب الدراسة.
" أمريكا لم تهزم الفيرماخت بأن حولت الجميع إلى جنود، ولكن من خلال إحاطة كل جندي بكتلة هائلة من الحديد والذخيرة والاتصالات"في هذا السياق فإن أمريكا لم تهزم الفيرماخت بأن حولت الجميع إلى جنود، وكل تلك القصص عن الشجاعة و" إنقاذ الجندي راين"، بل بأن جعلت كل جندي محاطا بكتلة هائلة من الحديد والوقود والذخيرة والمحركات والاتصالات، والقدرة على إنتاج السلاح بكميات ضخمة، ثم نقله وصيانته وتعويض خسائره باستمرار.
في تلك النقطة تحديدا يدخل الجانب العلمي والتقني، لكن مرة أخرى، نحن لا نتحدث عن" القنبلة" نفسها، فقد تحدثنا عنها كثيرا من قبل، بل عن الطريق الذي أدى إلى القنبلة، والذي يبدأ ذلك من مساء بارد في عام 1940، حينما دخل مهندس من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يدعى" فانيفار بوش" إلى المكتب البيضاوي، وأقنع فرانكلين روزفلت بإنشاء هيئة جديدة لتعبئة علماء البلاد للحرب، أصبحت فيما بعد تعرف باسم" مكتب البحث والتطوير العلمي" (OSRD)، والذي كان رائدا في ابتكار مؤسسي لا يقل أهمية عن أي جهاز أنتجه، حيث وقع ممثلوه عقودا حكومية مع الجامعات ومختبرات الشركات التي كان يعمل بها العلماء، ما أدى إلى ضخ ملايين الدولارات في أكثر من خمسين جامعة.
أشرف المكتب على تطوير نحو 200 سلاح وآلة حرب، من بينها الرادار والسونار والمركبات البرمائية، وبالطبع أشرف المكتب على أهم مشروع، وهو القنبلة النووية، فقد سلمت أبحاث اليورانيوم التي بدأتها لجنة بوش إلى الجيش، لتصبح" مشروع مانهاتن"، الذي وظف أكثر من 130 ألف شخص واستهلك نحو 2.
2 مليار دولار، وهو الاندماج الأمثل والأخطر والأكثر شهرة بين العلوم المخبرية والهندسة الصناعية، وصناعة السلاح.
" أشرف مكتب البحث والتطوير العلمي على تطوير نحو 200 سلاح وآلة حرب"لاحقا خلال الحرب الباردة، تحول مكتب البحث والتطوير العلمي إلى نظام دائم ومنهجي وإستراتيجي، وكانت الشرارة كرة معدنية أطلقها الاتحاد السوفيتي إلى الفضاء في أكتوبر/تشرين الأول 1957، إنها القمر الصناعي سبوتنيك، وهنا شعر الأمريكيون بصدمة مماثلة لهجوم بيرل هاربر، حيث ظهر أن المنافس قادر على تحقيق قفزة تكنولوجية مذهلة.
وفي عام 1958، أنشئت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة (داربا) كنتاج لكل ذلك التوتر، لا تنتج هذه الوكالة السلاح مباشرة، بل تمول الأفكار عالية المخاطرة التي قد تغير شكل الحرب والتكنولوجيا، من الإنترنت إلى الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.
إلا أن أبرز موروثات الحرب الباردة فيما يتعلق بالتطور التقني العسكري كان هو مبدأ" إستراتيجية التعويض"، أي القرار الواعي بمواجهة التفوق العددي للخصوم بتفوق نوعي، يتحدث الإستراتيجيون اليوم عن ثلاث مراحل من" إستراتيجيات التعويض"، تبدأ بـ" التعويض الأول" ويشير إلى النظرة الجديدة التي تبناها الرئيس دوايت أيزنهاور في خمسينيات القرن الماضي، حيث اعتمدت الولايات المتحدة على تفوقها النووي لردع أي غزو تقليدي لا تستطيع تحمل تكلفة مواجهته بقوات بشرية.
وبحلول سبعينيات القرن الماضي، انتهى مفعول هذه المناورة، فقد حقق السوفيت تكافؤا نوويا، لذلك لجأ البنتاغون إلى إستراتيجية" التعويض الثاني"، حيث راهنت الولايات المتحدة على مجموعة من التقنيات العسكرية لاستبدال الكمية بالجودة، من ذخائر موجهة بدقة قادرة على إصابة الهدف بطلقة واحدة بدلا من مئة، إلى تقنية التخفي التي تجعل الطائرات غير مرئية للرادار، وأنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع التي بلغت ذروتها في منصات فضائية ونظام تحديد المواقع العالمي لتحديد مواقع الخصوم وتتبعهم في مسرح العمليات بأكمله.
" الفكرة هي القدرة على الرؤية بعمق والضرب بدقة، ومن ثم تدمير قوات الخصوم قبل وصولها إلى الجبهة"كانت الفكرة هي القدرة على الرؤية بعمق والضرب بدقة، ومن ثم تدمير قوات الخصوم قبل وصولها إلى الجبهة، ولكن ما جعل كل هذا ابتكارا عسكريا وليس مجرد قائمة مشتريات من شركات التقنية الأمريكية هو اقتران التكنولوجيا بمفاهيم عملياتية جديدة، هنا ظهرت عقيدة" معركة البر والجو" (Air and Battle)، ومعناها أن الجيش يقاتل على الأرض، والطيران يقصف في السماء كمنظومة واحدة، فتقوم القوات البرية بتثبيت العدو وكشفه والضغط عليه، بينما يضرب الطيران عمقه وقيادته وطرق إمداده.
وكذلك ظهر مفهوم" هجوم القوات اللاحقة" (Follow-on Forces Attack)، ومعناه رصد ثم ضرب الموجات الثانية والثالثة من قوات العدو قبل وصولها، وفي التصور الأمريكي عن حرب محتملة مع السوفيات في أوروبا، كان الخطر أن تأتي الموجة الأولى من الدبابات، ثم تأتي خلفها موجات أخرى ضخمة، لذلك لم يكن يكفي إيقاف الدبابات الموجودة على الجبهة، بل كان لا بد من ضرب القوات القادمة من الخلف.
مرة أخرى، كانت الأدوات ضرورية، ولكنها غير كافية، وجب دمج الأسلحة الدقيقة وأجهزة الاستشعار وأسلوب قتال جديد في العقيدة العسكرية.
الآن تحديدا، نقفز من الحرب الباردة إلى العقد الحالي، حيث ظهرت إستراتيجية" التعويض الثالث"، وهي محاولة أمريكية حديثة لتكرار نفس المنطق القديم والمتكرر في تاريخ القوة العسكرية الأمريكية، وهو أنه عندما لا تستطيع أن تكسب بالمزيد من العدد، فاكسب بنوعية مختلفة من القوة.
في سياق القلق من أن الصين وروسيا صارتا قادرتين على تهديد التفوق الأمريكي عبر الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والدفاعات الجوية المتقدمة والحرب الإلكترونية والقدرات السيبرانية وأنظمة منع الوصول (منظومات دفاعية، مثل الصواريخ بعيدة المدى والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، تهدف إلى منع العدو من دخول مسرح العمليات أو تقييد حركته داخله)، جاء جوهر التعويض الثالث في عام 2014 في الرهان على أن التفوق الأمريكي القادم لن يأتي فقط من طائرة متقدمة ثمينة أو صاروخ أبعد مدى، بل من دمج الإنسان والآلة.
" التفوق الأمريكي القادم لن يأتي فقط من طائرة متقدمة ثمينة أو صاروخ أبعد مدى، بل من دمج الإنسان والآلة"لذلك دارت فكرة الموازنة حول الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والأنظمة غير المأهولة والروبوتات والقتال الشبكي، وفي قلب كل ذلك استقلالية المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، من مسيرة تنفذ سلسلة القتل وحدها بدون تدخل، إلى روبوت يشبه الكلب ينفذ دورية حماية بمفرده.
لكن روبرت وورك، نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق وأحد أبرز مهندسي الفكرة، شدد مرارا على أن الأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بمزيج من التكنولوجيا، والمفاهيم العملياتية، والبنى التنظيمية الجديدة، بنفس الطريقة التي اعتادتها الولايات المتحدة، أي أن الذكاء الاصطناعي لن يكون" موازنة حقيقية" إلا إذا غير طريقة القتال نفسها.
وبينما تبدو إستراتيجية التعويض الثالث في ظاهرها ثورة تقنية، فإن قيمتها الحقيقية مؤسسية وتنظيمية، حيث يشير تقرير مؤسسة راند عن تاريخ الموازنة الثالثة بين عامي 2014 و2018 إلى أنها لم تكن إستراتيجية عسكرية مكتملة بقدر ما كانت آلية لتغيير التفكير داخل وزارة الدفاع الأمريكية، ودفع المؤسسة إلى الاستعداد لعصر منافسة القوى الكبرى، خصوصا مع الصين وروسيا.
احترس من العودة إلى الخلفبهذا المعنى، تعيد الموازنة الثالثة الدرس القديم نفسه، التفوق العسكري لا يولد من الأداة وحدها، بل من التغير الذي ستصنعه في العمليات على الجبهة، والنظام المؤسسي الذي يحتويها، ثم الإنتاج الصناعي الكثيف في حالة الحرب.
لكن هل ستتمكن الولايات المتحدة من خوض معاركها القادمة على نفس المبادئ؟ تفوقت أمريكا في حرب فيتنام تكنولوجيا وماديا بشكل كامل، ومع ذلك خسرت، لأن نتيجة الحرب توقفت على الإرادة السياسية والشرعية والإستراتيجية، وكلها أمور لا يمكن تحقيقها بالتطور التكنولوجي.
وفي أفغانستان والعراق، أدت التكتيكات غير النظامية والمقاومة الشديدة، إلى إضعاف كل ميزة تكنولوجية، وتأخير النصر، ثم تمييعه، ثم محوه، رغم أن القوات غير النظامية لا تعمد إلا على أسلحة قديمة ضعيفة: عبوات ناسفة وآر بي جي أكله الزمن وكلاشنكوف روسي الصنع عمره عقود.
والدرس المستفاد ليس أن التكنولوجيا عديمة الفائدة، فهي ليست كذلك بالتأكيد، لكن أنها عامل مساعد، وليست عاملا حاسما، فالتكنولوجيا تشكل طبيعة الحرب، لكنها لا تلغي جوهرها كصراع إرادات يخاض لتحقيق غايات سياسية، كما أوضح المحلل الدفاعي ويليام هارتونغ ورفيقه مايكل بيرنس بوضوح، حينما قالا إن التهافت الحالي على الطائرات المسيرة يتجاهل أن الحرب والانتصار فيها أو منعها هي أمور لا تعتمد على التقنيات، وأن أي جيش يغفل هذه الحقيقة، ويخلط بين اقتناء معدات عسكرية متطورة وتحقيق أثر إستراتيجي، ينصب لنفسه فخا باهظ التكلفة.
" التكنولوجيا تشكل طبيعة الحرب، لكنها لا تلغي جوهرها كصراع إرادات يخاض لتحقيق غايات سياسية"هنا يُطرح سؤال مهم: إذا كان جزء رئيسي من الصراع يعتمد على القرار السياسي، فهل يمكن لإدارة دونالد ترمب الحالية أن تكون مغامرة بما يكفي، سياسيا، لخوض حرب مع الصين أو روسيا؟الحملة على إيران تقول إن هذا أصعب بكثير مما يبدو، فحتى في مواجهة خصم أضعف عسكريا بكثير من الصين أو روسيا، فشلت واشنطن في تحويل الضربات إلى نتيجة سياسية مستقرة.
ففي مقال بحثي للباحثة إيليسا لوير من مجلس العلاقات الخارجية، جاء أن إيران لم تكن بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، بل فقط إلى إطالة الوقت وخلق اضطراب اقتصادي عبر تهديد مضيق هرمز وسلاسل الطاقة، ومن ثم رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة والعالم، بما كشف الفجوة بين النجاح العسكري والأثر الإستراتيجي.
وهنا يتضح لنا أن هناك حدودا تصعب تخطيها في طريق تحويل القوة العسكرية إلى نصر سياسي واضح، حين تكون الإستراتيجية نفسها غير محكمة.
كما أن الميزة التكنولوجية نفسها ليست دائمة، فكل ثورة علمية وتقنية (وإستراتيجية مبنية عليها) لديها مدة صلاحية وسرعان ما تنتشر ويتم تبنيها بشكل واسع من جهات متعددة ما يفقدها تميزها بمرور الوقت.
لقد انتشرت الدبابات والطائرات وحتى الأسلحة النووية (وإن على نطاق أضيق) والذخائر الدقيقة، والآن تنتشر تقنيات التخفي والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.
في النهاية، فإن الابتكارات العسكرية الثورية سرعان ما تصبح هي القاعدة الجديدة مع تبنيها من قبل جيوش أخرى.
" هناك حدود يصعب تخطيها في طريق تحويل القوة العسكرية إلى نصر سياسي حين تكون الإستراتيجية نفسها غير محكمة"كما أن المنطق الاقتصادي للحرب قد انقلب ضد النهج الأمريكي التقليدي، فعلى مدى قرن من الزمان، سعت الولايات المتحدة وراء الكمال، واهتمت ببناء منصات متطورة باستمرار، كل منها أصبح بالفعل تحفة تكنولوجية، لكن مع بطء شديد في التطوير والإنتاج، وعبء مالي هائل.
كان هذا النهج منطقيا عندما كانت الجودة تتفوق بشكل موثوق على الكمية، لكن ثورة الطائرات المسيرة، والسلاح الرخيص الفعال حينما ينتشر بأعداد هائلة، قلبت معادلة التكلفة والعائد.
أضف لذلك نقطة أخرى، فقد كانت ورقة أمريكا الرابحة، منذ الحرب الأهلية وحتى الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، هي الإنتاج الكثيف كما أسلفنا، لكن هذه الميزة قد انتقلت إلى خصوم الولايات المتحدة، حيث تعد الصين الآن صاحبة القدرة الصناعية الأكبر في بناء السفن، وتفوق قدرتها، وفقا لبعض التقديرات، قدرة أمريكا بنحو 230 ضعفا في هذا المجال.
يعد الأسطول الصيني بالفعل الأكبر عدديا في العالم (على الرغم من الفارق في القدرة لصالح السفن الأمريكية)، ومن المتوقع أن يستمر في النمو، بينما تعاني الولايات المتحدة لبناء غواصتين فقط من طراز فرجينيا سنويا، مع العديد من المشاريع الفاشلة، أو على شفا الفشل.
خذ مثلا سفينة" يو إس إس كونستليشن"، وهي أول سفينة في فئة جديدة من الفرقاطات المتطورة تُبنى للبحرية الأمريكية، وقد عاني المشروع من تأخيرات كبيرة وتجاوزات في الميزانية.
تبدأ قصة السفينة المتعثرة عام 2020، حيث فاز حوض بناء السفن الأمريكي التابع لشركة" فينكانتيري" بعقد لبنائها، وما حدث بعد ذلك كان كارثة إجرائية وصناعية، حيث خضعت السفينة إلى تعديلات مفرطة من البحرية الأمريكية، ما أدى إلى توقعات بأن تنتهي السفينة خلال ضعف المدة المتوقعة.
ويشير تقرير تحليلي لـ" وول ستريت جورنال" إلى أن الأمور باتت أعقد من ذلك، حيث تواجه صناعة بناء السفن الأمريكية نقصا كبيرا في العمالة الماهرة.
إلى جانب ذلك، تعمل العديد من أحواض بناء السفن الأمريكية بمعدات قديمة، مما يعوق كفاءة الإنتاج.
ما سبق كان مثالا من قطاع واحد، ويحاول البنتاغون حاليا تجنب تلك المشكلات عبر طلب تمويل ضخم جدا من الكونغرس من أجل إعادة هيكلة المنظومة بالكامل، للتجهز إلى حرب طويلة مع خصوم أقوياء حقا، ذوي نفس طويل، لكن الأمر أعمق من ضخ الأموال، فالولايات المتحدة لا تحاول فقط شراء صواريخ وسفن ومسيرات، بل تحاول إعادة بناء منظومة صناعية وبيروقراطية ضخمة ومترهلة، تآكلت على مدى عقود، وتركزت حول حروب صغيرة وعمليات خاطفة، مع إعلان انتصارات أكبر من الحقيقة.
" تراجع الردع الأمريكي لا يعود إلى فشل الابتكار التكنولوجي، بل إلى عجز القاعدة الصناعية الدفاعية"هنا تكمن المشكلة، وقد أوضحها تحليل أجرته مجلة تكساس للأمن القومي حينما قالت إن تقلص الردع الأمريكي لا يعود إلى فشل الابتكار التكنولوجي الأمريكي، بل إلى عجز القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية والحليفة عن نشر ودعم قدرات متطورة على نطاق واسع، وبسرعة، وتحت ضغط مستمر، وهو ما بات الخصوم يبرعون فيه.
يبدو إذن أن القواعد التي أرستها الولايات المتحدة للتفوق العسكري المبني على التقنية، ترتد عليها، ولهذا السبب تحديداً، فإن مخاوف اللحظة الراهنة عميقة للغاية، فمن الواضح أن الولايات المتحدة لا تخسر سباق الابتكار، بل تظل الأولى عالميا فيه بفارق واضح، لكنها ربما تخسر السباق الأصعب، وهو سباق التصنيع الواسع، والتوسع السريع، وتطوير مؤسساتها وخيالها بالسرعة الكافية لمواكبة عالم استوعب الدرس الأمريكي ويطبقه الآن بحماس هائل.
نعم، الدولة التي علمت العالم الحديث تحويل العلم والصناعة إلى قوة ضاربة، تواجه اليوم أصعب اختبار لهذا التقليد، بشكل سيؤثر لا شك على موازين القوى في الكوكب خلال القرن الحالي، وما يليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك