الأكاديمي التركي سفر قالامان أستاذ قسم الإعلام الجديد والاتصال في كلية الاتصال بجامعة أنقرة يلدريم بيازيد كتب مقالا للأناضول عن الهواجس الأمريكية من تطور الذكاء الاصطناعيقال إن الولايات المتحدة بدأت بالتخلي عن نهجها القائم على مبدأ" طوّر أولًا ثم نظّم لاحقًا"، لتنتقل إلى" قيّم المخاطر الأمنية أولًا، ثم اسمح بالوصول"أشار إلى أن الإدارة الأمريكية فرضت قيودًا على نموذجي" ميثوس 5" (Mythos 5)، و" فايبل 5" " (Fable 5)، خشية إساءة استخدامهما في المجال السيبرانيأوضح أن واشنطن تبدي مخاوف جدية من أن تتمكن بكين من نسخ القدرات الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعيأصبحت الإجراءات المتتالية التي اتخذتها الولايات المتحدة بحق شركات رائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، دليلا على هواجس واشنطن من التسارع اللافت في هذا القطاع.
ويبدو أن الولايات المتحدة بدأت بالتخلي عن نهجها التقليدي القائم على مبدأ" طوّر أولا ثم نظّم لاحقا"، لتنتقل بوضوح إلى نموذج جديد يقوم على قاعدة مختلفة وهي" قيّم المخاطر الأمنية أولا، ثم اسمح بالوصول".
وبعد أن خفف البيت الأبيض القيود التي فرضها سابقا على نموذج" كلود ميثوس 5" (Claude Mythos 5)، التابع لشركة" أنثروبيك"، بسبب مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، وسمح باستخدامه بشكل مشروط داخل مؤسسات محددة، عاد لاحقا ليطالب بتقييد الإتاحة العامة لسلسلة" جي بي تي 5.
6" (GPT-5.
6).
وتعتبر تلك النسخة الأكثر تقدما التي طورتها شركة" أوبن إيه آي"، في خطوة تعكس دخول واشنطن مرحلة جديدة في إدارة ملف الذكاء الاصطناعي.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد قرارات تنظيمية تخص شركتين تقنيتين فحسب، بل باعتبارها مؤشرا على تغير عميق في فلسفة إدارة الذكاء الاصطناعي نفسها.
فالمسألة باتت تعكس رؤية أمريكية تعتبر الذكاء الاصطناعي تحول إلى عنصر جيوستراتيجي بالغ الحساسية، يرتبط مباشرة بالأمن القومي والسيادة والاستخبارات والتفوق العسكري، وبالتالي يجب أن يخضع لرقابة مباشرة من الدولة.
**تكنولوجيا مزدوجة الاستخدامفي السابق، كانت السياسة الأمريكية تجاه قطاع التكنولوجيا قائمة على نهج تنظيمي مرن، يدعم آليات السوق الحرة، ويسرّع تدفق الاستثمارات، ويمنح الابتكار مساحة واسعة للنمو.
لكن مع وصول نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مستويات أصبحت فيها قادرة على تجاوز القدرات البشرية في مجالات مثل البرمجة، وعلم الأحياء، والكيمياء، والأمن السيبراني، بات من المستحيل على الحكومات الاستمرار في التعامل معها باعتبارها مجرد منتجات تجارية عادية.
وعلى سبيل المثال، فإن نماذج اللغة الكبرى المتقدمة لم تعد أدوات بسيطة لإنتاج النصوص، بل أصبحت أنظمة قادرة على تحليل نقاط الضعف في البنى التحتية الحيوية، وتطوير برمجيات معقدة.
بل إنها أصبحت أيضا قادرة على امتلاك القدرة النظرية على إنتاج أسلحة سيبرانية ذاتية التشغيل، إضافة إلى مضاعفة قدرات الدفاع والهجوم الإلكتروني على حد سواء.
ولهذا السبب، اكتسبت هذه النماذج صفة" التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام"، تماما كما هو الحال في التكنولوجيا النووية أو أشباه الموصلات المتقدمة، حيث يمكن للتكنولوجيا ذاتها أن تستخدم في التنمية المدنية، أو في عمليات التدمير العسكري.
وفرضت الإدارة الأمريكية قيودا على نموذجي" ميثوس 5" (Mythos 5)، و" فايبل 5" " (Fable 5)، خشية إساءة استخدامهما في المجال السيبراني، قبل أن تسمح لاحقا بوصول محدود ومراقب لمؤسسات أمريكية اعتبرت" موثوقة".
وشكل هذا التراجع نموذجا صارما للوصول الخاضع لرقابة الدولة.
ويشير تطبيق المنطق نفسه على شركة" أوبن إيه آي" إلى أن التنظيمات لم تعد تستهدف الشركات بذاتها، بل باتت مرتبطة مباشرة بمستوى القدرات التقنية للنموذج نفسه.
فمطالبة البيت الأبيض بأن يكون الوصول الأولي إلى نموذج" جي بي تي 5.
6" مقتصرا على عدد محدود من المؤسسات التي توافق عليها الحكومة، يعكس بوضوح تلاشي الحدود التقليدية بين التكنولوجيا المدنية ومتطلبات الأمن العسكري.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري وهو لماذا تتبنى الولايات المتحدة سياسة قد تحد من القدرة التنافسية العالمية لشركاتها الخاصة؟
قد يبدو الأمر تناقضا في الظاهر، لكن من منظور واشنطن فإن الخسائر التجارية قصيرة المدى تبقى أقل أهمية بكثير من المخاطر الاستراتيجية بعيدة المدى.
كما أن انتشار هذه النماذج المتقدمة بشكل غير مضبوط في الأسواق العالمية قد يتيح لجماعات القرصنة المدعومة من دول، أو شبكات الجريمة المنظمة، أو الدول المنافسة، استغلال هذه التكنولوجيا كأداة تمنحها تفوقًا غير متكافئ.
ويُعد احتمال استخدام روسيا أو قوى منافسة أخرى لهذه التقنيات لتعزيز قدراتها في العمليات السيبرانية أحد العوامل الأساسية التي تفسر هذا الحذر الأمريكي.
وفي جوهر الأمر، لا تهدف الولايات المتحدة إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي، بل إلى التحكم في سرعة تطوره وانتشاره ضمن إطار يخضع لإشراف الدولة.
ويشبه هذا النموذج إلى حد بعيد الطريقة التي أديرت بها التكنولوجيا النووية خلال الحرب الباردة، إذ لم تُحظر المعرفة النووية بالكامل، لكنها خضعت لقيود تصدير صارمة واتفاقيات دولية منظمة.
واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتجه نحو نظام أمني عالمي مشابه.
وجدير بالذكر أن أبرز انعكاسات هذه السياسات الأمريكية تظهر بطبيعة الحال في سياق التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.
ففي السنوات الأخيرة، فرضت واشنطن قيودا على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين، وشددت الرقابة على بيع وحدات معالجة الرسوميات عالية الأداء (GPU)، كما أعادت هيكلة سلاسل إنتاج أشباه الموصلات عبر نقلها إلى دول حليفة، في مؤشر واضح على بدء مرحلة انفصال تكنولوجي بين القوتين.
لكن الاستراتيجية الأمريكية دخلت الآن مرحلة أكثر تعقيدا، إذ لم تعد القيود مقتصرة على العتاد التقني، بل امتدت لتشمل البرمجيات والخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي نفسها.
وتبدي واشنطن مخاوف جدية من أن تتمكن بكين عبر الهندسة العكسية أو التجسس السيبراني أو الاستفادة من النماذج مفتوحة المصدر، من نسخ القدرات الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، أصبح واضحا أن الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على امتلاك أسرع التقنيات، بل أيضًا على بناء" أكثر القلاع أمانًا"، وهو ما يكرس مزيدا من الاستقطاب التكنولوجي بين القوتين.
ففي جانب، يوجد النموذج الأمريكي القائم على الرقابة الحكومية والمرور عبر فلاتر استراتيجية صارمة، وفي الجانب الآخر يوجد النموذج الصيني الذي تموله الدولة بشكل مباشر وتتحكم فيه أيديولوجيا عبر إدارة مركزية للبيانات.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها مفارقة كبيرة، فالتشدد البيروقراطي والرقابة الحكومية الصارمة قد يساعدان الولايات المتحدة في حماية تفوقها الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه قد يبطئ وتيرة الابتكار، ويقلل من الجاذبية العالمية للشركات الأمريكية.
ولهذا، عبّرت إدارة" أوبن إيه آي" بلهجة ناقدة عن قلقها من تحول نموذج الوصول المرتبط بموافقة الحكومة إلى قاعدة دائمة أو ممارسة اعتيادية.
ورغم إقرار الشركة بأهمية الاعتبارات الأمنية، فإنها ترى أن تقييد وصول المطورين والباحثين والشركات إلى النماذج المتقدمة على المدى الطويل قد يترك أضرارًا مستدامة على منظومة الابتكار العالمية.
أما بالنسبة للصين، فإن الصورة تبدو مختلفة تمامًا، إذ إن كل قيد جديد تفرضه واشنطن يدفع بكين إلى تسريع بناء منظومتها المحلية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الصين تركز فقط على تحقيق استقلالية في مجال العتاد التقني، بل بدأت باستثمارات ضخمة تهدف إلى تطوير نماذج لغوية كبرى اعتمادًا على مواردها الذاتية بالكامل.
وخلال المرحلة المقبلة، يبدو أن موجة" القومية التكنولوجية" هذه لن تبقى محصورة بين الولايات المتحدة والصين فقط، بل ستتوسع لتشمل الاتحاد الأوروبي ودول الخليج ودولًا أخرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مع اتجاه متزايد نحو فرض قيود أمنية مشابهة.
وبات من الواضح أن المستقبل سيتجه نحو مرحلة يصبح فيها إخضاع نماذج الذكاء الاصطناعي لفحوصات أمنية واستخباراتية قبل إطلاقها في الأسواق أمرًا طبيعيًا، إلى جانب ترخيص البرمجيات المستخدمة في البنى التحتية الحيوية، ووضع معايير وطنية خاصة بمستويات الذكاء الاصطناعي عالية الخطورة.
إنها مرحلة جديدة يبدو فيها أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى قضية سيادية وأمنية ستحدد شكل التوازنات الدولية في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك