– طيّ صفحة المونديال والتفكير في الاستحقاقات القادمة.
– الاستقرار واجب لبناء عهد جديد– جيل 2019.
حان وقت تسليم المشعلخرج المنتخب الوطني من نهائيات كأس العالم 2026 من بوابة الدور الثاني (الـ32)، عقب هزيمته المريرة أمام منتخب سويسرا بنتيجة هدفين دون رد، في مواجهة احتضنتها مدينة فانكوفر الكندية.
ولم تكن هذه الخسارة مجرد خروج طبيعي من محفل عالمي، بل خلفت وراءها موجة عارمة من الاستياء والغضب العارم وسط الجماهير الجزائرية والمتابعين، مثلما وضعت خيارات المدرب البوسني فلاديمير بيتكوفيتش في قفص الاتهام وتحت مجهر المساءلة الفنية، وسط إجماع تام على أن العناصر الوطنية كان بمقدورها مواصلة هذه المغامرة التاريخية والذهاب بعيداً في العرس الكروي، لو أدار الطاقم الفني المعركة التكتيكية بمستوى يواكب حجم الآمال والتطلعات المعلقة على هذا الجيل.
إلا أن واقعية الميدان صدمت الجميع، وأكدت أن الخط الخلفي كان النقطة السوداء الأبرز، وهو الذي تلقى 9 أهداف كاملة على مدار أربع مباريات، في وقت بدا فيه الخط الهجومي عاجزاً تماماً عن صنع الفارق أو قلب الموازين في الأوقات الحسم.
عيوب تكتيكية ودفاع مستباحكشفت مباراة المنتخب الوطني أمام نظيره السويسري العيوب الحقيقية والعميقة لأداء “المحاربين” فوق المستطيل الأخضر.
فرغم الآمال الكبيرة التي سبقت اللقاء، ظهر التشكيل الوطني عاجزاً عن مجاراة الانضباط التكتيكي للسويسريين، في ظل خط دفاعي بقي وفياً لعادة تلقي الأهداف السهلة، والتي جاء أغلبها نتاج هفوات فردية وتمركز خاطئ وأخطاء دفاعية بدائية وقاتلة لا تغتفر في مستويات تكتيكية بهذا الحجم.
ولم يكن الخط الأمامي بأفضل حال، بل عجز بدوره عن التفاوض من موقع قوة وصنع فرص حقيقية تذكر، ناهيك عن فلسفة المدرب بيتكوفيتش التي خلفت عاصفة من الجدل في الشارع الرياضي.
وقد تجسد هذا الاستياء في نوعية المردود العام للتشكيلة، التي بدا وكأنها دخلت اللقاء بلا هوية واضحة أو خطة قادرة على الصمود؛ إذ كان يُفترض حسب القراءات الفنية أن تدخل العناصر الوطنية المواجهة بنية الرمي بكامل ثقلها الهجومي، واللعب بروح قتالية عالية لتحقيق الفوز، أو على الأقل الحفاظ على نظافة الشباك والصمود لافتكاك تعادل ثمين يمدد عمر اللقاء نحو الشوطين الإضافيين أو ركلات الترجيح.
لكن، ولسوء الحظ، بقي زملاء القائد عيسى ماندي أوفياء لعاداتهم السلبية السابقة في هذه النسخة؛ فتلقوا هدفاً مبكراً وصادماً أخلط كامل الحسابات الفنية، وسهل مأمورية المنافس السويسري في تسيير اللقاء بذكاء وهدوء من موقع مريح، لينهي المرحلة الأولى متقدماً في النتيجة بهدف نظيف وسط حيرة جزائرية.
ومع مطلع الشوط الثاني، وفي الوقت الذي انتظر فيه الجميع ردة فعل قوية من الطاقم الفني واللاعبين، تلقت الشباك الجزائرية هدفاً ثانياً قضى على الآمال مبكراً، وجعل زملاء رامز زروقي يستسلمون للأمر الواقع أمام منافس اتسم بالواقعية الشديدة والجدية في التعامل مع أنصاف الفرص.
جدل المهاجم الوهمي وعزل المواهبانتقد المتابعون والشخصيات الرياضية غياب النزعة الهجومية والشجاعة الفنية لدى المدرب بيتكوفيتش، حيث خاض اللقاء بخطة حذرة ومحتشمة ساهمت بشكل مباشر في شلل الرواقين والعمق الهجومي، بعد أن ركز على تعزيز خطي الوسط والدفاع على حساب الخط الأمامي.
وتمثل الخطأ التكتيكي الأكبر في الاعتماد على الموهبة الصاعدة إبراهيم مازة في مركز “المهاجم الوهمي”، وهو خيار أثار استغراب الجميع، نظراً لأن المنصب الحقيقي والبيئة التي يبدع فيها مازة هي خط الوسط الهجومي كصانع ألعاب وصانع للفرص من الخلف، وليس محاصراً بين كماشة مدافعي سويسرا الأقوياء بدنياً.
هذا التوظيف الخاطئ لم يكتفِ بإلغاء خطورة اللاعب الشاب وتكبيل إمكانياته الفنية العالية، بل أدى أيضاً إلى عزل الخط الأمامي تماماً، وحرمان التشكيلة من صانع ألعاب حقيقي قادر على تمويل الأجنحة.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبحت الهزيمة أمام منتخب سويسرا بمثابة تحصيل حاصل لمعطيات فنية خاطئة سُجلت قبل صافرة البداية، بل إن النتيجة بحد ذاتها (هدفين دون رد) تبدو “محترمة” مقارنة بحجم الفوضى التكتيكية في الميدان، بحكم أن الخسارة بهدفين تعد أفضل بكثير من السقوط بمهرجان كبير من الأهداف لو استغل المنافس كامل الفرص المتاحة.
المحور المهتز وأزمة الثقةفتحت الحصيلة الرقمية والدفاعية الكارثية للمنتخب في هذا المونديال باب نقاش واسع حول جدوى الخيارات الفنية للمدرب؛ فقد فقد خط الدفاع هيبته تماماً، وأصبح لقمة سائغة وعرضة للاختراق والارتباك من أبسط هجمة يشنها المنافس.
وفي مقدمة المتهمين، يأتي خط المحور الذي ارتكب هفوات فادحة تسببت في استقبال أهداف مؤثرة وقاسية من وضعيات مختلفة، سواء في لقاء سويسرا الأخير، أو في مباريات دور المجموعات ضد الأرجنتين، الأردن، والنمسا، حيث لم يتمكن الدفاع من الحفاظ على نظافة شباكه في أي مواجهة طيلة المباريات الأربع المتتالية.
وأجمع الفنيون على أن بيتكوفيتش فشل تماماً في تحصين المنطقة الخلفية، ولم ينجح في علاج أزمة الثقة المستفحلة التي تسبب فيها التراجع الرهيب لمستوى المدافعين وحراس المرمى على حد سواء.
يضاف إلى ذلك الافتقار إلى الجرأة الهجومية؛ إذ أبقى المدرب بقية المهاجمين الصريحين وأصحاب الخبرة على دكة البدلاء في مواجهة مصيرية وحاسمة، وكان الأجدر به الزج بقوة هجومية ضاربة منذ الدقائق الأولى لفرض الضغط على الدفاع السويسري.
هذه العوامل المجتمعة جعلت مهمة الخصم يسيرة؛ حيث سير المباراة بأقل مجهود بدني، وعرف كيف يستثمر في عامل الوقت والهدايا المجانية المقدمة له على طبق من ذهب، مظهراً تنظيماً تكتيكياً وقوة بدنية وفنية عالية عكست فعاليته الهجومية الكبيرة.
حصيلة واقعية وتحديات قادمةرغم مرارة الإقصاء وحالة الغضب والإحباط التي سيطرت على الشارع الرياضي الجزائري، إلا أن قراءة هادئة للمشهد من طرف بعض المتتبعين والخبراء تشير إلى أن الخروج من هذا الدور يعد أمر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك