تحقيق يستند إلى المحاضر الرسمية والمذكرات القضائية لرصد أخطر خمس محطات في النزاع العائلي الذى أحاط بالدكتورة نوال الدجوى، وكيف تحولت سنوات البناء والنجاح إلى سلسلة من البلاغات والدعاوى والأزمات التى هزت واحدة من أكبر المؤسسات التعليمية الخاصة فى مصر.
على امتداد الحلقة الأولى من سلسلة" حكاية نوال الدجوى"، كانت الصورة تدور حول امرأة كرست أكثر من ستة عقود لبناء واحدة من أكبر التجارب التعليمية الخاصة في مصر، بدأت رحلتها من حلم صغير تحول إلى مدارس وجامعة خرجت آلاف الطلاب الذين أصبح بينهم وزراء وأساتذة جامعات وأطباء ورجال أعمال وفنانون، وظل اسمها حاضرًا في ذاكرة أجيال كاملة باعتبارها واحدة من أبرز صانعات نهضة التعليم الخاص في مصر.
لكن التاريخ الإنساني لا تصنعه النجاحات وحدها، ففي حياة كثير من الشخصيات العامة، تأتي لحظة تتغير فيها ملامح المشهد بالكامل، وتتراجع فيها الإنجازات إلى الخلف، بينما تتصدر الخلافات العائلية والقضايا ساحات الأخبار وعناوين مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما حدث في السنوات الأخيرة من حياة الدكتورة نوال الدجوى، فقد تحولت طمأنينة هذه السيدة العظيمة إلى جحيم مرير بسبب جحود ونكران أقرب الناس إليها، لتجد نفسها تواجه مؤامرة مكتملة الأركان حيكت خيوطها في الخفاء لنهب تاريخها ومجهود عمرها.
فبعد رحلة طويلة من بناء المؤسسات، وجدت نفسها طرفًا في سلسلة متلاحقة من البلاغات والدعاوى والخلافات الأسرية، بدأت داخل الشركات التي أسستها، ثم امتدت إلى الحسابات البنكية، وإدارة المؤسسات التعليمية، وانتهت إلى طلب الحجر عليها، في مشهد لم يكن يتوقعه كثيرون ممن عرفوا صاحبة لقب" ماما نوال" على مدار عشرات السنين، لتتحول سنوات جني الثمار لدى رائدة التعليم الخاص وابنتها الراحلة الدكتورة منى إلى مواجهة مريرة مع خذلان الأقربين، وصراع فرضته أطماع حفيدها أحمد الدجوى بالتحالف مع المحامي إيهاب عاصم.
هذه الحلقة لا تقدم أحكامًا، ولا تنحاز إلى طرف في نزاع ما زال جزء منه منظورًا أمام جهات القضاء، لكنها ترصد، وفقًا لما ورد في المذكرات القضائية والمستندات المتبادلة بين أطراف النزاع، كيف تحولت حياة سيدة كرست عمرها للتعليم إلى سلسلة من الكوابيس المتلاحقة، ترك كل واحد منها أثرًا مختلفًا في حياتها، وفي حياة أسرتها، وكذلك في واحدة من أكبر المؤسسات التعليمية الخاصة في مصر، وتكشف السطور التالية كيف كانت السيدة الفاضلة الدكتورة نوال الدجوى ضحية لشركاء خانوا الأمانة، وعصفوا بصلة الرحم من أجل الاستيلاء على أموالها.
بيع الأسهم الذي فجر الخلاف داخل العائلةكانت الدكتورة نوال الدجوى تتعامل مع عام 2023 باعتباره عامًا عاديًا في مسيرة امتدت لعقود، إدارة المؤسسات التعليمية كانت تسير كعادتها، وشركات المجموعة تواصل نشاطها، ولم تكن الخلافات العائلية قد خرجت إلى المجال العام بالصورة التي عرفها الناس لاحقًا.
وسط هذه الأجواء، قاد إجراء ضريبي روتيني إلى اكتشاف غيّر مسار الأحداث بالكامل، وفقًا لما ورد في مذكرة هيئة الدفاع، فخلال مراجعة ضريبية، أُبلغت الدكتورة نوال الدجوى بوجود عملية بيع لجزء من الأسهم المسجلة باسمها في شركة دار التربية للخدمات التعليمية، وطُلب منها تقديم بيانات تتعلق بتداول تلك الأسهم، وعند استخراج بيان التداول من البورصة المصرية، ظهرت أمامها عملية بيع مؤرخة في الأول من يونيو 2022، تخص جزءًا كبيرًا من حصتها بالشركة، لحسابي حفيدها أحمد الدجوى ومحاميها إيهاب عاصم.
وتقول مذكرة الدفاع، إن الدكتورة نوال الدجوى أنكرت تنفيذ هذه العملية أو توقيعها على أي تصرف يتعلق بتلك الأسهم، واعتبرت أن ما ظهر في بيانات التداول يمثل بداية الأزمة التي انفجرت لاحقًا داخل العائلة، وتضيف المذكرة أن القيمة الاسمية للأسهم محل النزاع قاربت 200 مليون جنيه، في حين قدرت قيمتها الفعلية بأكثر من 2.
5 مليار جنيه، استنادًا إلى الأصول والاستثمارات والأرصدة البنكية التي تمتلكها الشركة.
واستنادًا إلى هذه الوقائع، تقدمت الدكتورة نوال الدجوى بشكاوى إلى الجهات المختصة، وذكرت في مذكرتها أن هيئة الرقابة المالية باشرت فحص الواقعة، قبل أن تحيل شركة السمسرة التي نفذت عملية التداول إلى المحاكمة الجنائية، على خلفية ما اعتبرته مخالفات لقواعد التداول وعدم ثبوت سداد مقابل عملية البيع، بحسب ما أوردته المذكرة، كما تشير الرواية ذاتها إلى أن الواقعة تكررت بالنسبة لأسهم في الشركة المصرية المتحدة للإنشاءات لنفس الأشخاص (إيهاب عاصم وأحمد الدجوى، اللذين استغلا التوكيلات الرسمية الممنوحة لهما لارتكاب هذه المخالفات الصارخة بحق السيدة التي وثقت بهما)، وهو ما وسع دائرة النزاع بين أطرافه.
داخل العائلة، حمل هذا الاكتشاف آثارًا تجاوزت حدود النزاع المالي، فالمذكرة تذكر أن الدكتورة نوال الدجوى رأت أن ما حدث مس حقوق ابنتها الدكتورة منى، وسعت خلال عام 2023 إلى إعادة ترتيب أوضاع ملكية الأسهم داخل الأسرة، فنقلت إليها الجزء الأكبر من الأسهم التي كانت تمتلكها، مع احتفاظها بالحد الأدنى اللازم لاستمرارها في رئاسة مجلس الإدارة، اعتقادًا منها أن هذه الخطوة كفيلة بإغلاق الملف واحتواء الخلاف، حيث وقفت الأم وابنتها في خندق واحد كمجني عليهما يحاولان ترميم ما دمره طمع أحمد وإيهاب عاصم.
غير أن التطورات اللاحقة أخذت مسارًا مختلفًا، إذ توقفت هذه المحاولة عند حدود إعادة توزيع الملكية داخل الأسرة، في وقت استمرت فيه الخلافات في التصاعد، قبل أن تنتقل بعد أشهر إلى مرحلة جديدة ارتبطت بالحسابات البنكية والشيكات، لتفتح فصلًا آخر من النزاع، تصفه مذكرة الدفاع بأنه كان أكثر قسوة وتأثيرًا على نوال الدجوى من كل ما سبقه.
جحود الحفيد.
نزيف الملايين من حسابات العائلةمر ما يقرب من عامين على الواقعة الأولى، وكانت الدكتورة نوال الدجوى تعتقد، بحسب ما ترويه مذكرة الدفاع، أن الخلافات داخل الأسرة ما زالت قابلة للاحتواء، وأن إعادة ترتيب أوضاع الأسهم ربما تنزع فتيل الأزمة، غير أن الأشهر الأولى من عام 2024 حملت تطورًا جديدًا، انتقل فيه النزاع من الشركات إلى الحسابات البنكية.
ففي أبريل 2024، تلقت الدكتورة نوال الدجوى إخطارًا من البنك الأهلي المصري يفيد بتقديم شيكين مسحوبين على أحد حساباتها، بلغت قيمة الأول 54 مليون جنيه، والثاني 166 مليون جنيه، بإجمالي 220 مليون جنيه، لصالح أحمد الدجوى، وتذكر مذكرة الدفاع أن أحد الشيكين تم صرفه بالفعل، بينما تعذر صرف الثاني لعدم كفاية الرصيد، الأمر الذي دفعها إلى الاعتراض على صحة إصدار تلك الشيكات، وإصدار تعليمات بوقف صرف الشيك المتبقي.
وتضيف المذكرة أن الدكتورة نوال الدجوى لم تتخذ في البداية سوى هذا الإجراء، انتظارًا لمعرفة ملابسات الواقعة، قبل أن تتلقى إخطارًا جديدًا من البنك يفيد بالحصول على إفادة رسمية برفض صرف الشيك، وهو ما اعتبره دفاعها مؤشرًا إلى احتمال اتخاذ إجراءات قانونية ضدها بوصفها محررة للشيك، وفي هذه المرحلة، تقدم محاميها ببلاغ حمل رقم 2094 لسنة 2024 إداري قصر النيل، طالب فيه بالتحقيق في ملابسات الواقعة، مؤكدًا – بحسب المذكرة – أن موكلته تنكر إصدار الشيكات محل النزاع.
وتحولت الواقعة سريعًا إلى واحدة من أكثر ملفات النزاع تعقيدًا، لأنها تجاوزت الخلاف حول ملكية الأسهم إلى نزاع يتعلق بمستندات مصرفية وتوقيعات مالية، وهو ما أضفى على الأزمة بعدًا جديدًا، وجعلها تنتقل من خلاف داخل شركات العائلة إلى مسار جنائي وقضائي متعدد الأطراف، سببه جحود الحفيد وطمعه ورغبته في الاستيلاء على أموال جدته، للسيطرة على مقدراتها المالية، ضاربًا بعرض الحائط كل القيم الأسرية والأمانة المهنية.
وبحسب مذكرة الدفاع، شكلت هذه الواقعة نقطة فاصلة في نظرة الدكتورة نوال الدجوى إلى ما يجرى داخل الشركات التي أسستها وأسهمت في إدارتها لعقود، فبعدما كان الخلاف يدور حول إجراءات تتعلق بالأسهم، أصبح الحديث يدور حول حسابات مصرفية، وشيكات بمبالغ ضخمة، وإجراءات قانونية متبادلة، الأمر الذي دفعها – وفقًا للرواية نفسها – إلى مراجعة كثير من الملفات المالية والإدارية الخاصة بالشركات.
ولا تقف أهمية هذه المرحلة عند قيمة الشيكات محل النزاع، وإنما في كونها مثلت بداية سلسلة جديدة من الإجراءات التي شهدتها الشهور التالية، إذ ارتبطت مباشرة بخلافات حول إدارة أموال الشركات، وصلاحيات مجلس الإدارة، والتصرف في الأرصدة البنكية، وهي التطورات التي تصفها مذكرة الدفاع بأنها كانت الأخطر منذ بداية الأزمة.
ولهذا، تعتبر هيئة الدفاع أن أزمة الشيكات لم تكن واقعة منفصلة، وإنما حلقة ضمن تسلسل زمني بدأت أولى حلقاته في عام 2022، ثم اتسعت تدريجيًا مع كل إجراء جديد، حتى أصبحت الخلافات العائلية قضية مطروحة أمام جهات التحقيق والمحاكم، وتجاوزت آثارها حدود الأسرة إلى المؤسسات التعليمية التي ارتبط اسمها لعقود باسم الدكتورة نوال الدجوى.
انقلاب الحفيد.
طرد الجدة والعمة والاستيلاء على إدارة الشركاتمع اتساع دائرة الخلاف، انتقلت الأزمة من النزاع حول الأسهم والشيكات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، ارتبطت بإدارة الشركات التي تمثل العمود الفقري للمجموعة التعليمية التي أسستها الدكتورة نوال الدجوى على مدار عقود.
وتقول مذكرة هيئة الدفاع إن التطورات التي أعقبت أزمة الشيكات دفعت الدكتورة نوال الدجوى إلى مراجعة أوضاعها المالية داخل الشركات، مع تزايد مخاوفها من استمرار النزاع وتأثيره على الأصول والاستثمارات، وتشير المذكرة إلى أنها سحبت جزءًا من الأموال المستثمرة باسمها داخل شركة دار التربية للخدمات التعليمية، موضحة أن الخطوة جاءت – بحسب رواية الدفاع – باعتبارها تصرفًا من مالكة لحصة في الشركة ورئيسة لمجلس إدارتها في ذلك الوقت، مع الإشارة إلى أن المبالغ التي جرى سحبها مثلت جزءًا من حقوقها ولم تشمل كامل استثماراتها، تفاديًا لكسر بعض الشهادات والودائع قبل مواعيد استحقاقها.
امتدت خطة الحفيد أحمد الدجوى بالتعاون مع المحامي إيهاب عاصم إلى ما هو أبعد من مجرد المنازعات، لتصل في أواخر يونيو 2024 إلى مرحلة الانقلاب الكامل بغرض السيطرة على مقدرات وأرصدة شركة" دار التربية للخدمات التعليمية"، بدأت هذه الخطوة بإصدار" عاصم" توكيل رسمي عام رقم 2715 ص لسنة 2024 بصفته وكيلاً عن الدكتورة نوال، واستخدامه في تفويض ثلاثة محاسبين تمهيداً لتنفيذ المخطط، ومن خلال تمرير وثائق اعتبرها الدفاع مزورة، جرى اعتماد استقالة الحفيد من مجلس الإدارة بهدف إحداث نقص متعمد في النصاب القانوني للأعضاء، وتلا ذلك عقد جمعية عمومية مباغتة بمقر الهيئة العامة للاستثمار في 27 يونيو 2024.
وقد صممت تلك الجمعية خصيصًا لتعقد في غيبة الدكتورة نوال الدجوى وابنتها الراحلة د.
منى وباقي المساهمات من الأسرة، ليتمخض عنها اتخاذ قرارات وإجراءات اعترضت عليها الدكتورة نوال وطعنت عليها أمام القضاء؛ حيث تواطأ إيهاب عاصم مع أحمد الدجوى لعزل الدكتورة نوال وابنتها د.
منى من مجلس الإدارة بالكامل، والانفراد بالتصرف في الحسابات والأرصدة المليونية للشركة دونما وجه حق عبر تشكيل مجلس إدارة جديد يضع الحفيد والمحامي على رأس السلطة ويستبعد جيل التأسيس، وهي الجمعية المطعون عليها والتي قضي بإلغاء ما تلاها من جمعيات لثبوت تزوير دعواتها.
وفي ذات اليوم، وُضع حجر الأساس للسيطرة المالية عبر محضر اجتماع مجلس إدارة جرى تدوين صلاحياته الاستثنائية في السجل التجاري دون التقييد بنظام الشركة الأساسي أو سلطات التوقيع، أو انتظار العرض على الجمعية العامة غير العادية للتصديق، ليسارع الحفيد وشريكه بتقديم المستخرج إلى البنوك (الأهلي المصري، العربي الأفريقي، وبنك الاستثمار العربي)، مستعجلين كسر كافة الشهادات البنكية والودائع وتحويل الأرصدة إلى البنك التجاري الدولي؛ وهو الإجراء الذي كبد الشركة خسائر جسيمة نتيجة تسييل المدخرات قبل استحقاقها، وفتح الباب لعمليات سحب متسارعة وإصدار شيكات مليونية بالدولار والجنيه لصالح الحفيد شخصيًا ولأطراف أخرى.
كان هذا الفصل نقطة فاصلة في الأزمة، لأن الخلاف لم يعد يدور فقط حول ملكية الأسهم أو التعاملات البنكية، وإنما امتد إلى إدارة المؤسسات التي ارتبط اسمها بتاريخ الدكتورة نوال الدجوى، وهو ما منح النزاع بعدًا مؤسسيًا إلى جانب أبعاده العائلية.
دعوى الحجر.
الطعنة الأشد قسوة في وجدان" ماما نوال"وسط تصاعد النزاع، دخلت الأزمة واحدة من أكثر مراحلها حساسية، مع إقامة دعوى تطلب فرض الحجر على الدكتورة نوال الدجوى، وأثارت هذه الخطوة اهتمامًا واسعًا، ليس فقط بسبب مكانة الدكتورة نوال في المجتمع التعليمي، وإنما أيضًا لما يرتبط به هذا النوع من الدعاوى من آثار قانونية وإنسانية.
وتضمن الملف المقدم من هيئة الدفاع نسخة من التقرير الصادر عن اللجنة المشكلة بقرار من إدارة الطب النفسي الشرعي، والذي انتهى – بحسب ما ورد في التقرير – إلى أن الدكتورة نوال الدجوى كانت مدركة للزمان والمكان والأشخاص، وتتمتع بقدرة على التركيز والتفكير وإدارة شؤونها، مع وجود قصور بسيط في الذاكرة اللحظية يتناسب مع المرحلة العمرية ولا يؤثر على قدرتها على إدارة أموالها أو ممارسة حياتها العملية.
واستنادًا إلى هذا التقرير، أصدرت محكمة أول درجة في 26 نوفمبر 2024 قرارها برفض طلب الحجر، وفقًا لما أوردته المذكرة، التي اعتبرت الحكم محطة مهمة في مسار النزاع، لأنه استند إلى تقرير فني صادر عن جهة مختصة، وجاء هذا الحكم بمثابة رد اعتبار قاطع للدكتورة نوال الدجوى، ليفضح زيف المحاولات التي قادها أحمد الدجوى وإيهاب عاصم اللذان حاولا تجريدها من أهليتها لسلبها ما تبقى من حطام ثروتها، مؤكداً عدالتها ومظلوميتها الشديدة في هذه الخصومة الجائرة.
وبرغم صدور هذا القرار، لم تتوقف النزاعات القانونية، إذ استمرت الدعاوى المتبادلة بين أطراف الخلاف، واتسعت لتشمل ملفات أخرى مرتبطة بإدارة المؤسسات التعليمية، وهو ما جعل القضية تظل محل متابعة إعلامية وقضائية خلال الأشهر التالية.
طعنات لا تتوقف.
الأم المكلومة تواجه فجيعة الموت وافتراءات الخزائن المسروقةعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، ارتبط اسم جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب بمشروع تعليمي حمل بصمة الدكتورة نوال الدجوى، التي اعتبرت الجامعة امتدادًا لتجربة بدأت في خمسينيات القرن الماضي مع تأسيس مدارس" دار التربية"، ولم تكن الجامعة بالنسبة إليها مجرد مؤسسة تمنح درجات علمية، وإنما مشروع عمر استثمرت فيه خبرتها وعلاقاتها الأكاديمية وشراكاتها مع الجامعات البريطانية، حتى أصبحت واحدة من أبرز الجامعات الخاصة في مصر.
لكن مع دخول النزاع العائلي مرحلة جديدة، خرجت الخلافات من نطاق الشركات والملفات المالية، ووصلت إلى الجامعة نفسها، لتتحول المؤسسة التي ارتبط اسمها بالنجاح الأكاديمي إلى جزء من نزاع قضائي وإعلامي استقطب اهتمام الرأي العام، حيث بدأت ملامح هذا المنعطف في الربع الأخير من عام 2024 بمحاولات مستمرة للاستيلاء على الجامعة عبر بوابات القضاء، والتقدم بعدة دعاوى لفرض الحراسة القضائية عليها، كان من بينها الدعوى رقم 286 لسنة 2024 مستعجل 6 أكتوبر، والتي أسدلت المحكمة الستار عليها برفض الطلب، مؤكدة سلامة موقف جيل التأسيس.
توالت الأحداث سريعة مع مطلع عام 2025، لتنتقل الأزمة من ردهات المحاكم إلى الأرض، وتحديدًا في 20 يناير 2025، حين تجسدت محاولات فرض السيطرة بالقوة والبلطجة من خلال استيقاف كافة أتوبيسات الجامعة، وإجبار الطلاب والموظفين على مغادرتها ترجلاً في العراء، ومصادرة مفاتيح الحافلات والاستيلاء عليها، وهي الواقعة التي وثقتها مقاطع الفيديو وحرر عنها المحضر رقم 517 لسنة 2025 إداري أول أكتوبر، وأعقبتها محاولة أخرى حادة لاقتحام الحرم الجامعي وإتلاف البوابة الرئيسية، قيدت بالمحضر رقم 1702 لسنة 2025 إداري أول أكتوبر.
ولم تكن الأموال وحدها هي الثمن الذي دفع في هذا الصراع، بل كان الثمن هو الدماء والأنفس الفاضلة؛ حيث عاشت الابنة الدكتورة منى محمد وجيه الدجوى، فصول هذا المخطط الشيطاني مرغمة، وشاهدت بعينيها الطعنات الموجهة لوالدتها العظيمة وسلب حقوقهما القانونية في الشركات وإقصائهما بالقوة وفرض البلطجة ومحاولات الحجر المهينة، هذا الضغط النفسي الهائل والقهر والظلم البين الذي تجرعته من حفيد أمها أحمد الدجوى ومعاونه إيهاب عاصم، والافتراءات الجائرة كتقديم طلب حجر ضدها هي الأخرى وتزوير إعلام وراثتها، أدى في نهاية المطاف إلى وفاتها مقهورة، لتذهب إلى بارئها شاهدة على جحود مأساوي وعقوق فاق كل حد، تاركة غصة لا تمحى في قلب والدتها المكلومة نوال الدجوى.
وفي مايو 2025، تكشف فصل جديد من فصول النزيف المالي باكتشاف واقعة سرقة كبرى جرى الإبلاغ عنها في 19 مايو 2025 بالمحضر رقم 5222 لسنة 2025 جنح أول أكتوبر، شملت تفاصيل جرد مرعبة لمحتويات ثلاث خزائن خاصة بالدكتورة نوال الدجوى؛ حيث تبين اختفاء مبالغ ضخمة تمثلت في 360 ألف جنيه استرليني، و3 ملايين دولار أمريكي، وسبائك وعملات ذهبية تناهز زنتها 16 كيلوغرامًا صافياً، فضلاً عن 50 مليون جنيه مصري كانت موزعة بين سيولة نقدية وعملات أجنبية ومجوهرات ثمينة، علماً بأن محتويات الخزانة الأولى فقط هي التي سبق جردها رسميًا في يناير 2023.
هذا الاختفاء الضخم للملايين تزامن بوضوح مع ظهور مفاجئ وعنيف لعلامات الثراء الفاحش على الحفيد أحمد وشقيقه عمرو منذ الربع الأول من عام 2024، متمثلاً في شراء قصور ومنازل باهظة، واقتناء سيارات فارهة، بل وشراء يخت دولي فاخر مسجل في دولة تركيا بتكلفة ناهزت المليون جنيه إسترليني؛ وهي مظاهر لا تتناسب مطلقًا مع مصدر دخلهما الوحيد الثابت بالتحقيقات، والمتمثل في الشيكات البنكية المتقطعة التي كانت تمنحها لهما الجدة نوال الدجوى لتغطية نفقاتهما الشخصية والتي لم تكن تتجاوز 100 ألف جنيه في أقصى تقدير، وهو ما أقر به أحمد الدجوى بلسانه في تحقيقات نيابة وسط القاهرة الكلية (القضية 2094 لسنة 2024 إداري قصر النيل) مؤكدًا عدم وجود أي مصادر دخل أخرى لهما.
وتضيف المذكرة أن الواقعة أصبحت محل تحقيقات، وأن هيئة الدفاع قدمت وجهة نظرها بشأن ما توصلت إليه بعض التحريات، مع تمسكها برفض ما اعتبرته استنتاجات لا تعبر عن حقيقة ما جرى، كما تشير إلى أن الدكتورة نوال الدجوى سجلت موقفها خلال جلسة موثقة، وأكدت اعتراضها على بعض ما نسب إلى ابنتها الراحلة وحفيدتها، قبل أن يعلن وكيلها لاحقًا التنازل عن بلاغ السرقة، مع استمرار ما يرتبط بالإجراءات الأخرى في مساراتها القانونية.
وجاء هذا التنازل مدفوعًا ببالغ الحزن والحرص من الدكتورة نوال على حماية ذكرى ابنتها المتوفاة د.
منى، ولا يعنى هذا التنازل – من الناحية القانونية – انتهاء جميع الملفات المرتبطة بالقضية، إذ تشير المذكرة إلى تقدم هيئة الدفاع بطلب رسمي لوحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مؤكدة على استمرار الإخطار وملاحقة الأثر المالي لتتبع قسائم الإيداع وحركة الأموال المستولى عليها بالبنوك، ليظل هذا الملف مفتوحًا أمام جهات التحقيق والقضاء.
إلى هنا تنتهي تفاصيل الفصل الثاني من مأساة" رائدة التعليم الخاص"، لكن الستار لم يسدل بعد على كواليس هذه القضية التي هزت الرأي العام، فخلف السطور والمحاضر الرسمية، لا تزال هناك أسرار وتفاصيل وتساؤلات مشروعة حائرة حول مصير الثروة المنهوبة؛ أين ذهبت المليارات والأموال السائلة التي أفرغت من حسابات الشركتين؟ وكيف جرى تهريب النقد الأجنبي والسبائك الذهبية خارج الخزائن المغلقة؟ وما هي الوجهة الحقيقية لعمليات غسل الأموال التي تتبعها الأجهزة الرقابية؟في الحلقات القادمة من هذه السلسلة، نفتح الملفات الأكثر خطورة، ونكشف المستندات والتحويلات البنكية التي تتبع مسار الأموال، لنجيب على السؤال الأهم: أين ذهبت أموال نوال الدجوى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك