حققت الفيزياء الفلكية قفزة تاريخية غير مسبوقة مع نجاح علماء الفلك في التقاط أولى الإشارات الراديوية القادمة من مستعر أعظم نادر جدا.
فقد نجح فريق بحثي من كلية العلوم بجامعة فرجينيا الأمريكية في رصد المستعر الأعظم" إس إن 2023" (SN 2023fyq)، وهو انفجار كوني مذهل ينتمي إلى فئة فريدة تسلط ضوءا مباشرا على سلوك النجوم الضخمة في سنواتها الأخيرة، مغيرا المفاهيم السائدة حول الكيفية التي تنهي بها النجوم العملاقة حياتها في الفضاء السحيق.
list 1 of 2بعد المريخ.
هل يصبح تايتان الوجهة التالية للبشر في أعماق الفضاء؟list 2 of 2من ولادة النجوم إلى انفجاراتها.
أربع صور تكشف الوجه الخفي للكوناختراق راديوي وراء حجب الضوء البصريلطالما اعتمد الفلكيون في دراساتهم السابقة على الضوء المرئي الذي يظهر فقط مخلفات الانفجار الكوني، مما يحجب ما كان يفعله النجم في سنواته الأخيرة قبل الفناء الحتمي.
لكن الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة" رسائل الفيزياء الفلكية" (Astrophysical Journal Letters) المرموقة، غيرت قواعد اللعبة بالاعتماد على الموجات الراديوية لتتبع التفاعل الدقيق بين الحطام المتوسع والغاز المحيط بالنجم.
حيث تمكن الباحثون باستخدام تلسكوب المصفوفة الكبيرة جدا (Very Large Array) التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم (National Science Foundation) في نيو مكسيكو، من تتبع انبعاثات راديوية خافتة على مدى 18 شهرا، غطت ترددات من 3 إلى 35 غيغاهيرتز، وامتدت من اليوم 58 إلى اليوم 525 بعد الانفجار.
وتنتج هذه الإشارات من اصطدام موجة الصدمة بالمواد الغنية بالهيليوم التي قذفها النجم سابقا، مما يرسم خريطة لكثافة هذه المواد وتوزيعها المحيط.
آلة زمن وإعادة بناء الموت الكونيأظهرت أنماط الضوء الراديوي المكتشفة أن النجم لم يفقد مادته بشكل مستقر، بل مر بمرحلة قذف غازية عنيفة في نهاية عمره، تركزت في السنوات الخمس الأخيرة قبل الانفجار.
وصرح الباحث الرئيسي وطالب الدكتوراه بجامعة فرجينيا، " رافائيل باير-واي"، في بيان علمي قائلا: " لقد تمكنا من استخدام الملاحظات الراديوية لاستعراض العقد الأخير من حياة النجم قبل الانفجار.
إنه يشبه تماما آلة الزمن التي تنقلنا إلى تلك السنوات الأخيرة الحاسمة، خاصة الخمس الأخيرة عندما كان النجم يفقد كتلته بشكل مكثف وعنيف".
ويطرح هذا الفقدان السريع للكتلة سؤالا كبيرا، حيث يرجح الفريق البحثي بالجامعة وجود نجم رفيق ثنائي تسبب في هذه الفوضى، إذ يصعب تفسير هذا المستوى من فقدان المادة لنجم وحيد، ومن المحتمل أن جاذبية الرفيق مزقت الطبقات الخارجية وسرعت قذفها.
نافذة جديدة على الكون المعزوليفتح هذا البحث آفاقا أوسع لدور علم الفلك الراديوي في دراسة موت النجوم العنيفة وتطورها المستقبلي، وتكمن الأهمية في رصد الإشارات قبل زوالها.
وقد علقت الدكتورة مريم مودجاز، البروفيسورة بجامعة فرجينيا والمشاركة في الدراسة قائلة: " فتح هذا العمل نافذة جديدة تماما على الكون لدراسة هذه المستعرات النادرة والحرجة، من خلال الكشف عن أنه يجب علينا توجيه تلسكوباتنا الراديوية في وقت أبكر بكثير مما كنا نفترضه سابقا لالتقاط إشاراتها الراديوية العابرة".
وتكمن أهمية هذه الطريقة الفيزيائية في أن الغاز الأكثر كثافة ينتج انبعاثات راديوية أقوى عند اصطدامه بموجة الانفجار، مما يمنح العلماء أداة قياس دقيقة لدراسة التفاعل الكوني مع كل ما يتركه النجم المحتضر وراءه من حطام غازي.
وتتجلى في هذا الاختراق العلمي قيم إنسانية وفلسفية عميقة تعكس عظمة الشغف البشري بالاستكشاف والبحث المستمر.
فرغبة الإنسان في فك رموز إشارات راديوية خافتة سافرت ملايين السنين الضوئية ليست مجرد ترف علمي، بل هي شهادة على سمو العقل البشري الذي يرفض الوقوف عاجزا أمام حجاب الزمان والمكان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك