روسيا اليوم - ميرتس يهاجم منتقدي "إصلاحات" حكومته: أيها المتشائمون تنحّوا جانبا ودعوا من يعمل يُنجز قناة الجزيرة مباشر - After 250 years.. Has the global image of the United States changed? روسيا اليوم - عشرات الإصابات.. لقطات صادمة توثق إطلاق الألعاب النارية بشكل جنوني خلال احتفال بأستراليا (فيديوهات) قناة التليفزيون العربي - في صورة الوضع الميدانيًا بالسودان؛ أين تتقدم قوات الجيش السوداني وما حدود سيطرة الدعم السريع؟ روسيا اليوم - ويتكوف وكوشنر يخططان لزيارة روسيا قبل نهاية أغسطس لاستئناف جهود الوساطة قناة التليفزيون العربي - كيف يُقرأ التزام حزب الله بالاتفاق رغم خروقات إسرائيل المتواصلة في الجنوب اللبناني، وإلى متى سيتمر؟ روسيا اليوم - مصر تكشف أحد أسرار قوتها العسكرية.. S-300VM تظهر لأول مرة في عرض مهيب قناة العالم الإيرانية - ماذا قالت شخصيات عالمية عن تشييع قائد الثورة الشهيد؟ روسيا اليوم - مرتديا زيه العسكري.. السيسي يوجه الشكر لروسيا وبوتين ويكشف تطورات هامة بالمحطة النووية روسيا اليوم - روسيا تقترح على أوكرانيا وقف قصف كونستانتينوفكا في 6 يوليو
عامة

من الذي أقنع المرأة أنّ جسدها ليس وطنها؟

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة
1

في ذاكرتي مشهدان من طفولتي، لم أفهمهما يوم حدثا، لكنّني احتجت سنوات كي أُدرك أنّهما لم يكونا مجرّد حكايتين عائليتين، بل خلاصة ثقافة كاملة.في الأولى، كنت أجلس إلى جانب أمي أمام التلفاز حين ظهر رجل وا...

في ذاكرتي مشهدان من طفولتي، لم أفهمهما يوم حدثا، لكنّني احتجت سنوات كي أُدرك أنّهما لم يكونا مجرّد حكايتين عائليتين، بل خلاصة ثقافة كاملة.

في الأولى، كنت أجلس إلى جانب أمي أمام التلفاز حين ظهر رجل وامرأة يتبادلان قبلة.

سألتها بفضول طفلة لم تتعلّم بعد أنّ بعض الأسئلة تربك الكبار:قالت، من دون أن ترفع عينيها عن الشاشة:ضحكت وصدّقتها.

وعشت سنوات أعتقد أنّ القبلة حادث كهربائي صغير لا يصيب إلّا الراشدين.

أمّا الحكاية الثانية، فكانت جدتي ترويها وهي تضحك.

قالت إنّ رجلًا تزوّج، فلما قالت له زوجته: " قبّلني"، أجابها بجدية كاملة: " وهل القُبل للكبار؟ ".

أدركت أنّ أمي لم تكن تشرح القبلة، بل كانت تورّثني خوفًا ورثته هي أيضًا.

وأدركت أنّ ذلك الرجل لم يكن جاهلًا بطبيعته، بل كان ثمرة تربية تعرف كيف تصنع الحياء، لكنّها لا تعرف كيف تصنع المعرفة.

لم تكن أمي تشرح القبلة، بل كانت تورّثني خوفًا ورثته هي أيضًابعد سنوات، قرأت كتاب" في الحب والحب العذري" لصادق جلال العظم.

لم يفاجئني تحليله للعشق العذري بقدر ما فاجأتني فكرته الضمنية: الثقافة لا تلغي الرغبة، بل تغيّر لغتها.

ما يُمنع من الكلام يعود فيتكلّم شعرًا، أو حرمانًا، أو مثالًا أخلاقيًا.

الرغبة لا تموت، بل تتخفّى.

أغلقت الكتاب، لكن سؤالًا آخر بقي مفتوحًا في داخلي: إذا كانت الثقافة قادرة على إعادة تشكيل الرغبة، فهل استطاعت أيضًا أن تُعيد تشكيل علاقتنا بأجسادنا؟فنحن لا نولد خائفين من أجسادنا.

لا توجد طفلة تنظر إلى يدها أو وجهها أو جلدها وتشعر بالعار.

العار يُكتسب، كما تُكتسب اللغة.

يبدأ بكلمات صغيرة: " انتبهي"، " عيب"، " الناس".

ثم يكبر حتى يتحوّل إلى عين تسكن داخل الإنسان، تراقبه قبل أن يراقبه أحد.

لكن المرأة تتلقى هذا الدرس أكثر من غيرها.

يُطلب منها، منذ طفولتها، ألّا تحرس قلبها أو عقلها أولًا، بل أن تحرس جسدها.

ويكبر المجتمع وهو يحمّل هذا الجسد ما لا يُحتمل: شرف العائلة، وصورة الجماعة، وتأويلات الدين، ومخاوف السياسة، وقلق الرجال.

حتى يكاد الجسد يختفي تحت ثقل المعاني التي أُلصقت به.

ولهذا، كلّما رأيت حملة تدعو النساء إلى مزيد من التغطية، لا أسأل عن قطعة القماش.

أسأل عن الفكرة التي تجعل المجتمع يعود، كلّما اضطرب، إلى جسد المرأة.

لماذا يصبح شعرها قضية عامة، بينما تبقى العدالة، والتعليم، والفساد، وكرامة الإنسان قضايا مؤجّلة؟لا توجد طفلة تنظر إلى يدها أو وجهها أو جلدها وتشعر بالعار.

العار يُكتسب، كما تُكتسب اللغةالمشكلة، في رأيي، ليست في ثوب طويل أو قصير، ولا في غطاء أو عدمه.

المشكلة تبدأ عندما يصبح جسد المرأة ملكيةً رمزية للجميع، إلا لصاحبته.

وهنا تحدث أخطر أشكال المصادرة.

فالمرأة لا تُنفى من جسدها بالقوّة فقط، بل بالنظرة.

حين تُقنع بأنّ عليها أن ترى نفسها دائمًا بعين الآخرين، لا بعينها هي.

وحين يصبح أوّل سؤال يُرافقها: كيف سيراني الناس؟ لا: كيف أرى نفسي؟هذه ليست تربية على الفضيلة، إنّها تربية على الارتياب.

والارتياب الطويل يصنع اغترابًا طويلًا.

لهذا لا أشعر أنّ القضية قضية لباس، بل قضية حرية.

فالحرية لا تبدأ عند الثوب، بل عند حقّ الإنسان في ألّا يتحول جسده إلى ساحة تتصارع عليها السلطة، والعرف، والسياسة، والهُويّة.

وربما لهذا أعود دائمًا إلى جملة أمي: " مسهما تيار كهربائي".

كلما كبرت، شعرت بأنّها، من حيث لا تدري، قالت شيئًا صحيحًا.

ليس لأنّ القبلة كهرباء، بل لأنّ الإنسان كائن يتأثّر حتى الأعماق.

ولعل أكثر ما يُميّزه أنّه لا يعيش العالم بعقله وحده، بل بوجوده كلّه.

لا تبدأ الحرية عند الثوب، بل عند حقّ الإنسان في ألّا يتحول جسده إلى ساحة تتصارع عليها السلطة، والعرف، والسياسة، والهويةلكن المأساة ليست أنّ الإنسان يرتجف أمام ما يهزّه في أعماقه.

المأساة أنّ ملايين النساء يعشن ويمتن، وقد تعّلمن كيف يخفن من أجسادهن أكثر مما تعلّمن كيف يفهمنها.

وأخشى أن تكون هذه إحدى أكثر خسائرنا فداحة.

فالمجتمع الذي يقنع المرأة بأنّ أوّل وطن ينبغي أن تعتذر عنه هو جسدها، لا يصادر حريتها وحدها، بل يصادر حقّها في أن تعرف نفسها.

وربّما لا تبدأ حرية المرأة يوم تختار ما ترتديه، بل يوم يتوقّف المجتمع عن الاعتقاد أنّ له حقًا في أن يقرّر كيف ينبغي لها أن تسكن جسدها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك