روسيا اليوم - ميرتس يهاجم منتقدي "إصلاحات" حكومته: أيها المتشائمون تنحّوا جانبا ودعوا من يعمل يُنجز قناة الجزيرة مباشر - After 250 years.. Has the global image of the United States changed? روسيا اليوم - عشرات الإصابات.. لقطات صادمة توثق إطلاق الألعاب النارية بشكل جنوني خلال احتفال بأستراليا (فيديوهات) قناة التليفزيون العربي - في صورة الوضع الميدانيًا بالسودان؛ أين تتقدم قوات الجيش السوداني وما حدود سيطرة الدعم السريع؟ روسيا اليوم - ويتكوف وكوشنر يخططان لزيارة روسيا قبل نهاية أغسطس لاستئناف جهود الوساطة قناة التليفزيون العربي - كيف يُقرأ التزام حزب الله بالاتفاق رغم خروقات إسرائيل المتواصلة في الجنوب اللبناني، وإلى متى سيتمر؟ روسيا اليوم - مصر تكشف أحد أسرار قوتها العسكرية.. S-300VM تظهر لأول مرة في عرض مهيب قناة العالم الإيرانية - ماذا قالت شخصيات عالمية عن تشييع قائد الثورة الشهيد؟ روسيا اليوم - مرتديا زيه العسكري.. السيسي يوجه الشكر لروسيا وبوتين ويكشف تطورات هامة بالمحطة النووية روسيا اليوم - روسيا تقترح على أوكرانيا وقف قصف كونستانتينوفكا في 6 يوليو
عامة

الشيء الذي أنقذه

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

كان صوته قد اختفى تقريبًا.وحين حاول أن يقول شيئًا، خرج الهواء قبل الكلمات. رفع يده إلى عنقه، حيث يخرج أنبوب صغير من فتحة دائرية تركها الجرّاح مكان الحنجرة. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى الطاولة ا...

كان صوته قد اختفى تقريبًا.

وحين حاول أن يقول شيئًا، خرج الهواء قبل الكلمات.

رفع يده إلى عنقه، حيث يخرج أنبوب صغير من فتحة دائرية تركها الجرّاح مكان الحنجرة.

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى الطاولة المُجاورة حيث كانت علبة سجائر قديمة.

طلب من ابنه أن يرميها.

ظلّ الابن ينظر إليها لحظات قبل أن يحملها.

كانت العلبة شبه فارغة، وفي أعلاها صورة لرجل يشبه والده الآن أكثر مماّ كان يشبهه قبل سنوات.

رجل بثقب في عنقه، وأنبوب يخرج منه، وعينان أنهكهما المرض.

سأل الابن بصوت خافت: " ألم تكن ترى هذه الصور؟ "أغلق الرجل عينيه.

كان يراها كلّ يوم.

كانت السيجارة، في البداية، تبدو كأنّها تنقذه، ولهذا عاد إليها.

ثمّ عاد.

ثمّ عاد مرّة أخرىطوال سنوات عملي في البحث العلمي لاكتشاف العلاقة بين الضغوط النفسية والإدمان، لم يكن أكثر ما يُدهشني أنّ التدخين يقتل.

الجميع يعرف ذلك.

المُدخّنون يعرفون، والأطباء يعرفون، وشركات التبغ تعرف.

السؤال الذي ظلّ يُلاحقني كان مُختلفًا: إذا كان الإنسان يعرف الحقيقة كلّها، فلماذا يعود؟كثيرون يعتقدون أنّ المدخّن يشعل سيجارته لأنّه يحبّ الدخان.

هذا ليس ما رأيته.

ما رأيته أنّ معظمهم كانوا يشعلونها لأنّهم يريدون شيئًا آخر.

هدوءًا، استراحة قصيرة من الحياة، دقيقة لا يفكّر فيها بالفواتير، أو المرض أو الوحدة أو الخسارات الصغيرة التي تتراكم بصمت.

كانت السيجارة، في البداية، تبدو كأنّها تنقذه.

ولهذا عاد إليها.

ثمّ عاد.

ثمّ عاد مرّة أخرى.

الإدمان لا يبدأ حين يتعلّق الإنسان بالمادة أو العادة، بل يبدأ حين يصدّق أنّها أصبحت طريقه الوحيد إلى النجاة.

الإدمان لا يبدأ حين يتعلّق الإنسان بالمادة أو العادة، بل يبدأ حين يصدّق أنّها أصبحت طريقه الوحيد إلى النجاةفي المعامل والعيادات البحثية نرى ذلك يحدث داخل الدماغ.

كلّ سيجارة تترك أثرًا صغيرًا، ومع الوقت لا يطلب الدماغ النيكوتين فقط، بل يطلب الوعد الذي يحمله.

الوعد بأنّ الألم سيهدأ، وأنّ القلق سينخفض، وأنّ الحياة ستصبح، لدقائق قليلة، أكثر احتمالًا.

وهنا تقع الخدعة.

الذي يهدأ ليس الحياة، بل الدماغ، ليس لأنّه شُفي، بل لأنّه حصل على الجرعة التي تُعيده إلى نقطة الصفر.

ولهذا لا تكفي المعرفة.

لو كانت كافية، لما بقي مدخّن واحد على الأرض.

كلّ واحد منهم يعرف.

يعرف أنّ الرئة تتآكل، وأنّ القلب يشيخ أسرع، وأنّ السرطان لا يقرأ الأعذار.

لكنّه يعرف شيئًا آخر أيضًا: يعرف أنّه حين تشتدّ الحياة عليه، ستهمس له السيجارة بما لا يقوله أحد: " أنا هنا.

"أحيانًا أفكّر أنّ أخطر ما يفعله الإدمان ليس أنّه يجعل الإنسان يحبّ ما يؤذيه، بل أنّه يجعله يخلط بين النجاة والهلاك.

يصبح الشيء الذي يسلبه صحته هو نفسه الشيء الذي يلجأ إليه كلّما شعر بالضعف، والشيء الذي يسرق سنوات عمره هو أوّل ما يبحث عنه حين يخاف.

كأنّ الحريق يتحوّل، مع الوقت، إلى المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالدفء.

أخطر ما يفعله الإدمان ليس أنّه يجعل الإنسان يحبّ ما يؤذيه، بل أنّه يجعله يخلط بين النجاة والهلاكثم بدأت أكتشف أنّ هذه القصة لا تخصّ التدخين وحده.

كم من إنسان يعود إلى علاقة يعرف أنّها ستكسره؟ كم من شخص يكرّر الخطأ نفسه وهو يعرف نهايته؟ كم من شعب يعود إلى الحرب بعد أن دفن أبناءه فيها؟ وكم مرّة عدنا جميعًا إلى أشياء أقسمنا أنّنا لن نعود إليها؟ ربّما تختلف الأسماء، لكن الدائرة واحدة: ذلك الشيء الذي أنقذنا مرّة، ثم أقنعنا أنّه لا حياة لنا من دونه.

حين غادرت غرفة ذلك الرجل، بقيت صورة العلبة في ذهني أكثر من صورة المرض.

الصورة المطبوعة كانت تحكي مستقبله بدقة، وكان يحملها في جيبه كلّ يوم.

يرى نهايته بعينيه… ثمّ يشعل سيجارة أخرى.

منذ ذلك اليوم لم أعد أعتقد أنّ الإدمان معركة بين الإنسان والمادة المخدّره، إنّه معركة بين الإنسان ودماغ تعلّم، تحت وطأة الخوف والضغط، أن يخلط بين الخلاص والهلاك.

ولهذا لا أشعر بالغضب من المدمن.

أشعر بالحزن، لأنّه لم يكن يبحث عن الموت، بل كان يبحث، في كلّ مرّة يشعل فيها سيجارة أو يتعاطى مادة مُخدّرة، عن طريقة صغيرة يحتمل بها الحياة.

لكن الشيء الذي كان يظنّه ينقذه، كان، بتصميم ثابت، يقتله.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك