تذهب ثورة 1919 بأيامها المستقرة فى أعماق محفوظ ليجد نفسه بعد ثلاثة وثلاثين عاماً أمام ثورة جديدة، وقف على مسافة منها، ولم يعلق عليها آمالاً، ولم ير فى زعمائها ما رآه فى سعد زغلول، بل انعقد لسانه من الدهشة وآثر الترقب، فامتنع عن الكتابة ما يربو على خمس سنوات، ثم عاد ليعمل قلمه فيها ناقداً وناقماً ومتسائلاً.
ويوزع كل هذه المشاعر والمواقف على رواياته «ثرثرة فوق النيل» و«الكرنك» و«قشتمر» و«يوم قتل الزعيم» و«الباقى من الزمن ساعة» و«ميرامار»، متأرجحاً بين قديم لا يراه شراً خالصاً، وجديد لا يطمئن إليه.
أو بمعنى أدق بين شعوره الجارف بالحرية ورغبته الملحة فى تحقيق العدل.
ويعبر حوار بين حسنى علام وسرحان البحيرى، من شخصيات «ميرامار» عن هذا بجلاء: «نحن مؤمنون بالثورة، ولكن لم يكن ما سبقها فراغاً كله.
ـ كان الكورنيش موجوداً قبلها، كذلك جامعة الإسكندرية.
ـ لم يكن الكورنيش للشعب، ولا الجامعة».
وتبلغ المفارفة مداها مع عيسى الدباغ بطل رواية «السمان والخريف»، الذى ذهب فى مهمة وطنية لإيصال السلاح إلى المقاتلين فى مدن قناة السويس، وعاد ليجد نفسه خارج التاريخ، بعد أن قامت ثورة يوليو، واعتبرته من رجال «العهد البائد» ففقد مكانه وموقعه السياسى وخطيبته وتساقطت أحلامه تحت قدميه، فترك نفسه للضياع، متقلباً بين ماضٍ يتحسر عليه، وحاضر يتفطر منه آلماً، ومستقبل لا يرى فيه أى بارقة نور.
وحتى الشباب الذين آمنوا بالثورة وعلقوا عليها آمالاً عريضة لم ينجوا من الملاحقة والمطاردة والتعذيب والتضييق باسم «حماية الثورة».
فإسماعيل الشيخ وزينب دياب وغيرهما من أبطال رواية «الكرنك» هم شباب آمنوا بثورة يوليو، وكانوا يعتقدون أن العسكر على صواب مطلق، لكنهم استيقظوا على واقع أليم، حين مروا بتجربة قاسية بعد أن اتهمتهم السلطة، ظلماً، أنهم من «أعداء الثورة»، فانتهك عرض زينب، وجلد إسماعيل، وأجبرا على أن يكونا عملاء للمباحث، يتجسسون على رفاقهم.
وجسد محفوظ موقفه بشكل أشمل فى روايته الرمزية «ثرثرة فوق النيل»، التى توقعت مآل الثورة حين تخلت عن أحد مبادئها، وهو الديمقراطية، فانحرفت وانجرفت إلى متاهة عميقة.
فها هى «العوامة» التى يجلس فى جوفها مجموعة من «المساطيل» المنتمين إلى «الطبقة الوسطى» فى الغالب الأعم، تنفك الحبال التى تربطها وتثبتها بالشاطئ، فتنزلق إلى جوف المياه، دون أن يعرف راكبوها شيئاً عن مسارها ومصيرها.
ويتكالب على الثورة المنتفعون فى صيغة سرحان البحيرى أحد شخصيات «ميرامار»، الذى يستغل نفوذه وموقعه فى الاتحاد الاشتراكى، ليتربح ويسرق، وكذلك رؤوف علوان بطل «اللص والكلاب» الذى يقول كلاماً عميقاً عن العدل وتمضى تصرفاته فى الطريق المضاد.
لينتهى الأمر إلى الغرق فى تفاصيل «الثورة المضادة» التى بدأت عقب الانفتاح الاقتصادى، لتطل شخصيات رواية «يوم قتل الزعيم» ونجد الشباب ضائعين من جديد فى مسار بطلى قصة «الحب فوق هضبة الهرم».
وتأخذ الثورات عند محفوظ طبقات أعمق، فنجدها «ثورات دينية» فى روايته التاريخية «العائش فى الحقيقة» حيث إخناتون الباحث عن التوحيد فى وجه تعدد الآلهة، و«أولاد حارتنا» حيث يأتى أدهم وجبلة ورفاعة وقاسم، ليتمردوا على الوضع السائد، ويجمعوا حولهم بسطاء الناس والمغلوبين والمقهورين، فيقيموا حياة جديدة، لا تلبث أن تتداعى لأن «آفة حارتنا النسيان».
ونجدها كذلك «ثورات حياتية» فى «ملحمة الحرافيش» حيث يتوق أهل الحارة إلى العدل، لكن يتعاقب «الفتوات» من دون أن يتحقق هذا الحلم، فكل منهم يصل إلى القمة محمولاً على أكتاف المطحونين وهم يهتفون له: «اسم الله عليه» لكنه لا يلبث أن يستبد ويفسد، إلى أن يأتى فى النهاية «عاشور الناجى» رمز العدل الإنسانى المفرط، والذى لا يخون.
كما تأخذ الثورة طبقات أعرض، من خلال انتصار محفوظ لقيم الحرية والعدل والتقدم والتسامح، لكنه يبقى فى أغلب الأحوال ممن يميلون إلى الإصلاح المتدرج والمستمر والهادئ أكثر ممن ينادون بتغيير جذرى يقلب كل شىء رأساً على عقب.
ولعل هذه هى خلاصة تجربته الطويلة من ثورتين، ولذا لم يكن من بين المطالبين بالانتفاض على نظام مبارك، وتمنى لو أنه قد أصلح من نفسه، وأنصت إلى صوت العقل والحكمة واستجاب لسنة التغيير، فتجنب المصير القاسى الذى آل إليه، بفعل ثورة 25 يناير، التى وقعت بعد رحيل محفوظ بسنوات، لكن بعض طليعتها كانوا إحدى ثمار القيم والأفكار التى آمن بها وهى الحرية والعدل والكرامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك