قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم السبت، إنّ الانتخابات النيابية (التشريعية) التي جرت في الجزائر الخميس، اتسمت بـ" التنافس الديمقراطي النزيه"، فيما هاجمت الصحف الجزائرية، وبشكل متزامن، الأحزاب السياسية، وحمّلتها مسؤولية ضعف نسبة التصويت في الانتخابات، عازية ذلك إلى خطابها الذي لم يسهم في استقطاب الناخبين.
وفي رسالة وجهها عشية إحياء الجزائر الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال، الموافق لـ5 يوليو/ تموز من كل عام، قال تبون: " ونحن نعيش أجواء إحياء هذه الذكرى الخالدة المصادفة لمجريات استحقاق دستوري هام في مسار بناء الديمقراطية الحقة، أنوه بالجهود المبذولة لإحاطة الانتخابات التشريعية التي جرت قبل يومين بأسباب النجاح".
وأضاف أن هذه الجهود" ساهمت في إضفاء التنافس الديمقراطي النزيه على الحملة الانتخابية، وفي تأمين أداء الواجب الانتخابي للمواطنات والمواطنين في سكينة وفي أحسن الظروف".
وخلال إدلائه بصوته الخميس، أكد الرئيس الجزائري أنه لن يكون هناك أي تلاعب بنتائج الانتخابات النيابية، محذراً كل الأطراف والمعنيين من أن أي خرق للقانون من شأنه أن يمس بمصداقية الانتخابات.
وقال تبون ردّاً على ما يبدو أنه توجس بعض القوى السياسية من احتمال المساس أو التلاعب بنتائج الانتخابات النيابية: " أعتقد أن كل الجزائريين متيقنون، من أننا تجاوزنا فعلاً هذه المرحلة تماماً، مرحلة المحاصصة والمس بأصوات الشعب، خلال الاستحقاقات الأخيرة لم نستبعد أي طرف".
وذكّر بأنه لم يشتكِ أي حزب أو مترشح من التزوير أو سرقة أصواته.
وبعد إغلاق مكاتب التصويت مساء الخميس، أعلن رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان، أنّ نسبة التصويت الأولية في الانتخابات النيابية بلغت 20.
79% في 69 ولاية في الداخل، إذ صوّت 4.
9 ملايين ناخب فحسب، من مجموع ما يقارب الـ24 مليون مسجَّل في الهيئة الناخبة، بينما بلغت نسبة المشاركة الأولية بالنسبة للجالية 10.
67%، إذ صوّت 80 ألف ناخب من بين 800 ألف ناخب في الجالية، وتعد نسبة التصويت تلك الدنيا في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر.
حملة الصحف على الأحزاب في الجزائرتفاعلاً مع ذلك، حمّلت صحيفة" الخبر"، كبرى الصحف الصادرة باللغة العربية، في مقالها الرئيسي اليوم، الأحزاب المسؤولية عن نسبة التصويت الضعيفة التي اعتبرت أنها" تعود إلى سبب رئيسي يتمثل في غياب القيادة الحزبية الحقيقية وانشغال كثير من مسؤولي الأحزاب بالتفاصيل الهامشية وإلقاء مسؤولية الإخفاق على مؤسسات الدولة، تارة بالحديث عن الغلق وتارة أخرى بالتدجين، بهدف تبرير العجز وتكريس الأمر الواقع والإبقاء على احتكار المسؤوليات داخل دوائر الامتيازات".
وتابعت: " وقد أدى هذا الواقع إلى عزوف كثير من أصحاب الطموحات السياسية، ممن كان من حقهم المشروع التطلع إلى تحمل المسؤولية وإثبات كفاءتهم والمنافسة على مواقع صنع القرار.
إنها الطريقة القديمة في إدارة الأحزاب، القائمة على الزعامة المطلقة، وهي عقلية تقتل روح المبادرة وتطفئ الحماس وتقضي على الأمل في التغيير".
وفي السياق نفسه، كتبت صحيفة" الوطن" الصادرة باللغة الفرنسية مقالاً في المنحى نفسه، إذ اعتبر المقال أنّ" هذه النسبة من المشاركة حقيقةٌ صارخة: انتخابات تُنذر بإفلاس الأحزاب السياسية التقليدية.
ففي الماضي، كانت نسبة المشاركة تُضخّم بشكل مصطنع بنسب مئوية تتلاعب بها الأجهزة، وتُوزّع حصص المقاعد مسبقاً على الأحزاب"، مشيراً إلى أنه" إذا بقيت صناديق الاقتراع، إلى حد ما، مهجورة، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق المسار نفسه، بل على عاتق الأطراف الفاعلة فيه".
وشددت على أنّ" هذه النسبة من المشاركة هي بمثابة دق ناقوس الخطر لنمط معين من ممارسة السياسة.
ينبع الفشل في المقام الأول من غياب القيادة والرؤية، إذ لا تزال الآلات السياسية تعمل بأسلوب عفا عليه الزمن، غارقة في سياسات العشائر.
وبسبب غياب شخصيات قادرة على تبني مشروع مجتمعي حديث، فشل الخطاب السياسي في إقناع جيل شاب طموح".
ونشرت صحيفة" لوسوار دالجيري"، المقربة من إعلام الرئاسة، عنواناً مماثلاً على صدر صفحتها الأولى، يحمّل الأحزاب في الجزائر المسؤولية الكاملة عن نسبة التصويت الضعيفة، ويعتبر أنها أمام إخفاق سياسي في خطابها.
كما كتبت صحيفة" الشروق اليومي" مقالاً في الاتجاه نفسه، أكدت فيه أن" الجزائريين يقاطعون الأحزاب"، معتبرة أنه" عندما تحرر الصندوق أفلست الأحزاب".
وقالت إن" نسب المشاركة الفعلية في الانتخابات هي كما نشاهدها اليوم من دون المساس بها، وفي ذلك رسالة عميقة للشعب الجزائري الذي يُلاحظ ويُدرك جيداً أنه عندما أصبحت نظافة الصندوق مضمونة، اصطدم مباشرة بإفلاس الأحزاب السياسية الفاقدة لقيادات ذات كاريزما وهيبة سياسية ولبرامج مدوية تستهوي الجزائريين وتستقطبهم بقوة، للعدول عن العزوف الانتخابي".
كما اعتبرت الصحيفة أنه" لم تواكب الأحزاب السياسية الثورة الانتخابية التي أقرها قانون الانتخابات"، مستبعدة أيّة مسؤولية للسلطة بشأن تدني نسبة التصويت.
وقالت إن" السلطة لم تترشح حتى تتحمل مسؤولية العزوف، ورفع نسبة المشاركة يقع أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً على عاتق الأحزاب حصرياً".
وبدت هذه العناوين متزامنة وموحدة في مضمونها، كما لو أنها بتوجيه سياسي، لكن قيادات حزبية سارعت إلى التعليق على ما نشرته الصحف، إذ نشر القيادي في حزب" جيل جديد"، زهير رويس، تقدير موقف، جاء فيه: " عندما تقوم الصحافة التي تُوصف بأنها مستقلة بتبني خطابات جاهزة تُصاغ بعناية وتُمرَّر، ولا سيما تلك التي تروّج لها وسائل الإعلام العمومية، من أجل إعفاء المسؤوليات السياسية التي ساهمت، عبر سلسلة من القرارات والإصلاحات والخطابات، في تقويض شرعية الفعل السياسي والمشاركة المواطنية، وفي تقييد العمل السياسي المستقل والحر كما لم يحدث من قبل، وكذلك في الحد من شروط الوصول الحر والعادل إلى الانتخابات، فإنها تكون قد تخلّت عن وظيفتها الأساسية".
وأضاف رويس أن" دور الصحافة ليس إعادة إنتاج السرد السائد، بل مساءلته.
وليس البحث عن كبش فداء، بل تحليل الأسباب العميقة للظواهر السياسية.
إن اختزال العزوف الانتخابي في ما يُزعم أنه فشل للأحزاب السياسية، دون فحص شروط ممارسة التنافس الديمقراطي، هو إغفال لجوهر المسألة".
وفي السياق نفسه، كتب عالم الاجتماع الجزائري ناصر جابي أن" توجيه الاتهام للأحزاب وحدها في تفسير نسب المشاركة الضعيفة ليس حلاً ولن يساعد الجزائريين على تحسين أداء نظامهم السياسي المريض".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك