في الإثني عشر يومًا الأولى من كأس العالم، علق عصام الشوالي على ما يقارب 10 مباريات (تقريبًا مباراة كل 1.
2 يوم)، أي ما يوازي 5-6 مباريات أسبوعيًا وهذا معدل مرتفع، مقارنة بما يُعتبر مستدامًا في صناعة التعليق الرياضي، حيث يُفضَّل عمومًا ألا يتجاوز المعلق الرئيسي 3-4 مباريات أسبوعيًا كحد أقصى للحفاظ على جودة الأداء الصوتي والذهني، خصوصًا حين تُبث أغلب المباريات في ساعات متأخرة من الليل حتى الفجر، إضافة إلى ذلك، الإرهاق ليس فقط في عدد المباريات، بل في تراكم ساعات الاستوديو، التنقل، والتحضير الذي يسبق كل لقاء.
ما دفعني للحديث عن الموضوع هو أنه منذ الأيام الأولى لمونديال 2026، لاحظنا أمرًا أن صوت المعلقين الذين طالما شكلوا نصف متعة المباراة بدأ يفقد بريقه شيئًا فشيئًا، فالجُمل ذاتها تتكرر من مباراة لأخرى، والعبارات التي كانت يومًا ما”بصمة” لمعلق معين تحوّلت إلى قالب جاهز يُستنسخ عند كل هدف، وكل فرصة ضائعة، حتى بات المشاهد يستبق الجملة قبل أن تخرج من فم المعلق.
الأخطر من التكرار هو ذلك الإحساس المتنامي بأن بعض الأصوات المألوفة لم تعد قادرة على العطاء بالمستوى الذي اعتدناه منها، وهذا الأمر لا يتعلق بالموهبة، فهذه أصوات أثبتت جدارتها عبر سنوات، بل بحالة من الإنهاك الواضح تنعكس في نبرة رتيبة وطاقة متراجعة وبالتوازي، فشل بعض المعلقين في مجاراة سرعة الحدث ومفاجآته، فبدت تعليقاتهم متأخرة خطوة عن الصورة، بينما مارس آخرون نوعًا من الفوقية في الطرح، وكأن المشاهد بحاجة إلى دروس في الوعي الكروي أكثر من حاجته إلى مرافقة صوتية للمباراة.
هل هذا التراجع نتاج إرهاق طبيعي؟ أم أن كثافة عدد المباريات في هذه النسخة، التي زادت بشكل كبير عن النسخ السابقة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، هي السبب المباشر؟ أم أن توقيتات المباريات الصعبة، التي تمتد غالبًا حتى ساعات الفجر بتوقيت المنطقة العربية، تلعب دورًا في استنزاف الطاقة الذهنية والجسدية للمعلقين؟ جميعها أسئلة مشروعة، والأرجح أن الأسباب الثلاثة تتضافر معًا، لكن هذا لا يعفي القناة الناقلة من المسؤولية.
كان لا بد من حلول بديلة؛ كالتوزيع الأوسع للمباريات على قاعدة أكبر من المعلقين، والاستعانة بأصوات من خارج المنظومة الحالية لسد الفجوة في أوقات الذروة، أو منح فرصة حقيقية لمعلقين شباب اثبتوا جاهزيتهم لكنهم ظلوا في الظل في التعليق جزء أصيل من تجربة المشاهدة، ويستحق من القنوات الكبرى استثمارًا في استدامته لا استهلاكًا لطاقته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك