واشنطن ـ «القدس العربي»: قال محللون أمريكيون إن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تمثل تحوّلاً خطيراً في مسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، معتبرين أنها انتهت إلى نتائج وصفوها بـ«الكارثية» على المستويين الاستراتيجي والإنساني، إذ لم تحقق أهداف منع الانتشار النووي، وفي المقابل خلّفت تداعيات واسعة طالت ملايين المدنيين داخل إيران وفي محيطها الإقليمي.
وأوضح محللون أن هذه الحرب، التي تُصنّف ضمن «حروب الاختيار»، كلّفت الولايات المتحدة أكثر من 100 مليار دولار في الإنفاق العسكري المباشر، في وقت قدمت فيه الإدارة الأمريكية طلبات إضافية لتمويل العمليات العسكرية، ما فتح جدلاً داخلياً حاداً حول أولويات الإنفاق بين التوسع العسكري وتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
وقال باحثون في الشأن الاستراتيجي إن هذا التوسع العسكري يأتي في ظل تناقض واضح بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن محدودية الموارد الفيدرالية وبين الإنفاق الدفاعي القياسي، ما يعكس – بحسب تعبيرهم – أزمة أعمق في تحديد أهداف السياسة الخارجية الأمريكية وحدود القوة العسكرية في إدارة النزاعات طويلة الأمد.
وفي سياق متصل، كشف كتاب جديد بعنوان Regime Change عن تفاصيل دقيقة لكواليس القرار الأمريكي بشنّ ضربات ضد إيران، موضحاً أن الرئيس دونالد ترامب كان لا يزال منخرطاً في مسار تفاوضي مع طهران حتى الساعات الأخيرة التي سبقت العملية العسكرية.
وحسب ما أورده الكتاب، فإن ترامب كان يميل في البداية إلى الاعتقاد بأن التوصل إلى اتفاق نووي لا يزال ممكناً، لكنه مع تعثر المفاوضات وتزايد التقارير الاستخباراتية بدأ يقتنع تدريجياً بأن إيران «تراوغ» وتستغل الوقت، ما جعله يميل إلى خيار الضربة العسكرية باعتباره وسيلة لفرض واقع جديد.
وأوضح خبراء نقل عنهم الكتاب أن المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف ومستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر واصلا قنوات الاتصال مع مسؤولين إيرانيين في سلطنة عُمان وسويسرا حتى مراحل متقدمة للغاية، حيث طُرحت أفكار غير مسبوقة، من بينها تزويد إيران بالوقود النووي المدني مجاناً طوال عمر برنامجها السلمي، في محاولة لاختبار ما إذا كان تمسك طهران بالتخصيب يرتبط فعلاً بالحاجة للطاقة أو برغبة في الحفاظ على خيار عسكري محتمل.
لكن باحثين أشاروا إلى أن هذه الجهود انتهت إلى قناعة داخل أجزاء من الإدارة الأمريكية بأن إيران كانت تستخدم المفاوضات كوسيلة لكسب الوقت، وهو ما سرّع انهيار المسار الدبلوماسي.
وفي المقابل، قال محللون إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعب دوراً محورياً في الدفع نحو الحلّ العسكري، إذ قدّم خطة استراتيجية متعددة المراحل لترامب تضمّنت استهداف القيادة الإيرانية العليا، وتفكيك القدرات العسكرية، وإسقاط النظام السياسي، وصولاً إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في طهران.
وبحسب الكتاب، عرض نتنياهو على ترامب أيضاً رؤية تفصيلية لمرحلة ما بعد النظام، تضمّنت تصوراً لانتقال سياسي محتمل في إيران، مع الإشارة إلى شخصيات معارضة في المنفى، من بينها رضا بهلوي، بوصفهم محتملين لقيادة مرحلة انتقالية.
وأشار محللون إلى أن ترامب أُعجب بجزء من الخطة، خصوصاً ما يتعلق بالعمليات العسكرية المباشرة، لكنه ظل متحفظاً بشأن إمكانية تحقيق تغيير النظام بالكامل، معتبراً أن هذا الجزء من الخطة «غير مضمون النتائج» وقد يخرج عن السيطرة.
ونُقل عن ترامب ـ بحسب الكتاب ـ قوله إن الأسئلة المتعلقة بمستقبل إيران بعد الضربة ستكون «مشكلة الآخرين»، في إشارة غير واضح المقصود منها، سواء إسرائيل أو الشعب الإيراني أو أطراف دولية أخرى، بينما ركّز هو على أهداف يمكن تحقيقها عسكرياً مثل استهداف القيادة الإيرانية وتدمير البنية التحتية العسكرية.
في المقابل، أبدى عدد من كبار مسؤولي الأمن القومي داخل الإدارة الأمريكية تحفظات شديدة على سيناريو تغيير النظام.
إذ وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف هذا الطرح بأنه «غير واقعي» و«سخيف»، بينما رفضه وزير الخارجية ماركو روبيو بشكل مباشر قائلاً: «بمعنى آخر، هذا هراء»، مؤكداً أن الهدف الأكثر قابلية للتحقق هو تدمير برنامج الصواريخ الإيراني وليس إعادة تشكيل النظام السياسي.
وتشير رواية الكتاب إلى أن الخلافات داخل الإدارة بلغت ذروتها في اجتماعات غرفة العمليات الأخيرة قبل الضربة، حيث قدّم رئيس وكالة الاستخبارات المركزية إحاطة تفيد بإمكانية رصد اجتماع محتمل للقيادة الإيرانية في مجمّع المرشد علي خامنئي في طهران، ما فتح نقاشاً حول إمكانية استهداف رأس القيادة مباشرة.
كما حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين من أن الدخول في حرب طويلة الأمد قد يؤدي إلى استنزاف كبير في المخزونات العسكرية الأمريكية، خصوصاً أن جزءاً من أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ كان مخصصاً أيضاً لدعم أوكرانيا وإسرائيل، إضافة إلى مخاطر ارتفاع التصعيد في منطقة الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح باحثون أن نائب الرئيس جيه.
دي فانس أبدى معارضة واضحة للعملية العسكرية في البداية، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه سيلتزم بقرار الرئيس إذا تم اتخاذه، في حين دعا وزير الخارجية ماركو روبيو إلى التركيز على سياسة «الضغط الأقصى» بدل الانخراط في تغيير النظام، معتبراً أن تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية هدف أكثر واقعية.
وبحسب الكتاب، وبعد الاستماع إلى مختلف وجهات النظر، حسم ترامب قراره النهائي قائلاً: «أعتقد أننا يجب أن نفعل ذلك»، قبل أن يصدر الأمر النهائي بشنّ الضربات خلال سفره لاحقاً إلى ولاية تكساس.
كما يشير الكتاب إلى مشاهد لاحقة بعد بدء العمليات، إذ يصف ترامب وهو في المكتب البيضاوي وقد انشغل بقضايا داخلية، بينها اهتمامه بتزيين البيت الأبيض بالأشجار، في إشارة استخدمها المؤلفان لإبراز التناقض بين انشغالات السياسة الداخلية وتطورات الحرب الخارجية.
وفي تحليل أوسع، قال محللون إن الجدل المستمر في واشنطن يعكس انقساماً عميقاً حول جدوى الخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الإيراني، خاصة في ظل استمرار التقديرات التي تفيد بأن المسار الدبلوماسي، رغم هشاشته، قد يكون أقل كلفة من المواجهة المباشرة.
وأوضح خبراء في منع الانتشار النووي أن أي اتفاق مستقبلي مع إيران يجب أن يتضمّن آليات تحقق صارمة، تشمل عودة كاملة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتطبيق البروتوكول الإضافي، وفرض قيود طويلة الأمد على تخصيب اليورانيوم ومخزونه، إضافة إلى رقابة دقيقة على أنشطة أجهزة الطرد المركزي.
وقال باحثون، من بينهم داريل ج.
كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح «Arms Control Association»، إن أي اتفاق نووي محتمل مع إيران يجب أن يستند إلى آليات تحقق صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن منع أي مسار محتمل نحو امتلاك سلاح نووي.
وحذر محللون من أن استمرار الفجوة بين الرؤية السياسية والعسكرية داخل واشنطن، إلى جانب هشاشة التفاهمات مع إيران، قد يؤدي إلى عودة التصعيد في أي لحظة، ما يجعل مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط مرهوناً بقدرة الأطراف على التوصل إلى اتفاق قابل للتحقق والتنفيذ، لا مجرد تفاهمات مؤقتة قابلة للانهيار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك