ليست لغة التواصُل ما يعنينا في هذا النصّ.
بل لغة اللعب.
تلك النكهةُ (كدت أقول اللكنة) اللغويّة" الملعوبة" التي تتخطّى مجال التخاطب وتصل إلينا بواسطة اللعب واللاعبين.
هل تكلّم اللاعبون الهولنديّون أيّامَ كرويف مثلاً لغةً كرويّة هولنديّة؟ هل تكلّم لاعبو ألمانيا أيّام بيكنباور ونيتزر لغةً كرويّة ألمانيّة؟ هل تطغى ثقافة كرويّة ما على اللغة الكرويّة حدَّ" التلبُّس بها"، كما فعلت مثلاً مع" اللكنة" البرازيليّة حتى وقتٍ قريب؟ أم أنّ لغة الكرة" عالميّةٌ"، عابرة للقارّات والثقافات؟أسئلة تظلّ تتوالد: هل أحببتُ ذلك" الفوتبول" لشيء في لغة لاعبيه؟ هل أحِبُّ شعرَ نيرودا وبيسّوا للأسباب نفسها؟ هل ثمّة في الكرة والأدب وشيجة لغويّة تشبع رغبتي في التحقّق الشعريّ واللعبي الذي أجد له أحياناً منابع وأصداء في كلماتي وأقدامي؟ هل تبهجني انتصارات منتخباتي العربيّة والأفريقيّة، وهل توجعني خسائرها، للأسباب نفسها التي تجعلني أهتزّ لروايات ماركيز وكارلوس فوينتس وساراماغو: أي لأسبابٍ تتعلّق بشيء في اللغة، يربطني بآلام أهلي وآمالهم، ويعكس لي وجوهاً هي وجوهي، أو في أفضل الأحوال، شظايا من وجهي وقد باتت تُحَفاً تزيّن رفوف الروايات ومدارج الملاعب؟أغلب الظنّ عندي أنّ لكلّ" كرةِ قدم" لغة مخصوصة، نابعة من ثقافة شعبها، هي لغة الأقدام التي تتقاذفها على أرضها، في سياق التلاقح مع لغات العالم.
هكذا كان الأمر مع لغة البرازيل الكرويّة أيّام الكبار، بيليه وغارينشا وجايير زينهو وسقراطيس، وصولاً إلى رونالدو ورونالدينو.
ولم تعبر هذه اللغة الحدود إلاّ حين أحسن الآخرون، الهولنديون في وقت ما، ثمّ الإسبان، ترجمتها إلى فوتبولهم، غير مكتفين بتكرار" الجمل الكرويّة" كما تفعل الببغاوات مع اللغة الآدميّة.
وأغلب الظنّ عندي أنّ النجاحات التي حقّقتها الكرة العربيّة، والإخفاقات التي منيت بها إلى حد الدورة الجارية من كأس العالم، ليست سوى نتيجة نجاحها أو إخفاقها في ترجمة هذه اللغة الكرويّة.
الترجمة الكرويّة، تمامًا كنظيرتها الأدبيّة، لا تنجح إلاّ حين" التِهام" النصّ الضيف، وهضمه، وتذويبه في اللغة المستضيفة، من دون تغييب غرابته كليّاً، ومن دون إفقاده نكهته الخاصّة.
هذه النكهة، وتلك الغرابة، هما العاملان اللذان يجعلان اللغة المستضيفة تتطوّر وترقى إلى آفاق أخرى.
ذاك ما فعله الشتالي مع الفريق الوطني التونسي في 1978، وذاك ما فعله كرويف مع فريق الأحلام برشلونة حتى 1996.
كلاهما ترجم أفضل ما في اللغة الكرويّة البرازيليّة، لكن بإبداع.
كانت بطعم القهوة، فجعلها الشتالي بمذاق دقلة النور، ومنحها كرويف طعم الجبنة الهولندية.
لا توجد لغة كرويّة واحدة.
لم يكتف يوهان كرويف بتغيير أسلوب اللعب مع" أجاكس" و" برشلونة"، بل غيّر لغة التفكير في اللعبة.
وحين قرّر سنة 1988 أن يُحوّل برشلونة إلى مختبر للفوتبول الشامل (Total Football)، لم يكن يقدّم وصفة تكتيكيّة، بل فلسفة مغايرة في النظر إلى الزمان والمكان، إحدى أفكارها الأساسيّة أنّ الملعب مساحة مفتوحة لا جدران فيها تحدّ الأدوار.
كان يقول إنّ اللاعب يجب أن يكون في الوقت نفسه مهاجماً ومدافعاً وصانع لعب.
هذه اللغة الكرويّة الهولنديّة المُستقاة من أرصفة أمستردام ومخازنها الضيّقة وأزقّتها غير المنتظمة كانت ترجمةً فكريّةً وجماليّةً لروح جديدة.
وحين يلعب" برشلونة" اليوم في أحسن حالاته، لا تسمع صوت كاتالونيا فحسب، بل تسمع صدى" أجاكس" يتردّد على أطراف البحر المتوسّط.
الشيء نفسه قام به يونس الشتالي مع المنتخب التونسي في كأس العالم 1978.
عرف كيف يترجم النصّ الكرويّ المتفوّق إلى فريق متجانس لا مجموعة نجوم.
وعرف كيف يخلّص لاعبيه من عقدة النقص" المزمنة" التي لطالما سيطرت على اللاعبين العرب والأفارقة.
وعرف خصوصاً كيف يستفيد من بنى تحتية متنامية، وتكوين صاعد، وانسجام في مراكز القرار الرياضيّ للعمل من أجل المصلحة العامّة.
كما عرف كيف يرسم خطّة للفريق، لا يصطدم فيها الانضباط التكتيكي بتلك الروح الارتجاليّة الخلاّقة التي تميّز التونسيّين.
هكذا دخل المنتخب المباريات متكلّماً لغتَهُ على العشب، مُتَوْنساً الإيقاع الكروي، منتصراً على المكسيك، محقّقّاً بذلك أوّل نصر لمنتخب أفريقيّ في كأس العالم.
أين راحت تلك اللغة الآن، في 2026؟ ولماذا رأينا لاعبي الفريق التونسي، وغيره، يتلعثمون بهذا الشكل؟ ومن يُعيد إلينا لغةً ضيّعنا أبوابها ولا نزال نبحث عن مفاتيحها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك