غاب الحديث عن ضحايا ملفات إبستين، بعدما محت الحرب في المنطقة ذكراهنّ من الشاشات وكنّ (الضحايا) لم يحتَلِلنَ في كل الأحوال قبل الحرب مساحة كبيرة من الاهتمام الإعلامي بقضية الاستغلال الجنسي المعولم.
الضوء الخافت على قصصهنّ حجبته الأضواء الصاخبة على الانعكاسات السياسية للملف ومستقبل نجومه من النخبة، من الأمير (السابق) أندرو الذي طرد من الحياة العامة، وميلانيا ترامب زوجة الرئيس الأميركي التي أعلنت من دون مناسبة أنها" ليس ضحية" من ضحايا إبستين، وهو أمر قد لا يختلف عليه أحد، وأخيراً الملياردير الأميركي بيل غيتس الذي يواجه للمرّة الأولى مساءلة قد تعكر سمعته في المجال الخيري العام.
في هذا الصخب القديم والجديد، لا مكان للضحايا ولا عدالة لهنّ.
عادت قضية ملفات الجرائم الجنسية إلى الفضاء العام في ومضات منها تحقيقات نشرتها الصحافة أبرزها تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز عن موجة هلع في البيت الأبيض بعد نشر الوثائق، وتداول استراتيجيات منها إمكان تخفيف ظروف سجن غيلين ماكسويل، شريكة إبستين، وحتى منحها عفواً مقابل حماية سمعة ترامب.
دخل على السجال شهادة بيل غيتس أمام أعضاء لجنة الرقابة بمجلس النواب وادّعى فيها أن إبستين حاول استغلال خياناته الزوجية لابتزازه.
جاءت الشهادة بعد الكشف عن رسائل إلكترونية بين غيتس وإبستين ينصح فيها الأخير ذاك بأدوية جرّاء اصابته بأمراض جنسية.
وجاءت في التوقيت نفسه مقابلة صحيفة الغارديان البريطانية مع الزوجة السابقة لغيتس، ميليسا فرانش، وفيها علقت، رداً على سؤال الصحافية عن رأيها بإبستين، قائلة، وهي في حالة توتر بادية" هل سبق لكِ في حياتكِ أن كنتِ برفقة شخص شعرت منذ البداية أنه شرير؟
علينا أن نصغي إلى مشاعرنا تجاه الناس".
منذ قرار وزارة العدل الأميركية نُشر ما بات يُعرف بوثائق إبستين، وهي تزيد عن ثلاثة ملايين صفحة من رسائل إلكترونية وصور تُظهر إبستين وشخصيات بارزة في وضعيات مريبة، لم يجرِ توقيف أي من الشخصيات المذكورة في الولايات المتحدة.
لا مساءلة في ما يتعدّى الفضائح التي أثارها الاعلام في الإضاءة على بعض مضمون هذه الوثائق، خطت بريطانيا خطوة متقدمة عبر اعتقال شقيق الملك الأمير (السابق) أندرو والسفير (السابق) لدى واشنطن السابق بيتر ماندلسون، للاشتباه في ارتكابهما مخالفات في وظائفهما العامة.
الملاحقات حصرت بالفساد في ممارسة الشأن العام ولم تشمل الاعتداء الجنسي.
شقيق الملك الأمير (السابق) أندرو اعتقل، في ما اعتبر سابقة من نوعها، ولم توجّه إليه أي تهمة.
الأمر سيان بالنسبة لماندلسون الذي لا يلاحق حالياً بأي تهمة.
الاهتمام الإعلامي آنذاك انصبّ على انعكاسات الحدث على المؤسسة الملكية خصوصاً بعد أخبار تناقلتها الصحافة الصفراء أن الملك تشارلز كان على علم أن شقيقه يسيء استخدام السلطة في موقعه السابق ممثلاً لمصالح للمملكة، وأن عليه أن يعترف بمسؤوليته.
النقاش والمتابعة الإعلامية لم يهتما إلّا بدرجة محدودة جداً بالضحايا من الفتيات.
تحركت آلة القضاء بسرعة عندما تعلق الأمر بإساءة الخدمة العامة ولم تتحرك في قضية الاعتداء الجنسي.
لم يتوقف الاعلام إلا قليلاً عند الصور الصادمة التي نشرت في الوثائق لفتيات يافعات، بعضهنّ يبدون طفلات في وضعيات مريبة مع رجال متقدّمين في السن أغلبهم معروف في الشأن العام.
تداولت هذه الصور الصحافة ووسائل السوشيال ميديا بعد نشرها في موقع وزارة العدل الأميركية من دون إخفاء هوية الفتيات، في حين جرى إخفاء هوية متبادلي الرسائل البريدية وهم يتداولون تعليقات صلفة حول أجساد الفتيات واستخدامهنّ كأنهنّ مجرّد بضاعة للاستهلاك.
لم يطرح الإعلام أيضاً الأسئلة بشأن مصير هؤلاء الفتيات، وكيف يعشن، مسألة نشر صورهنّ في ما قد يكون بمثابة إعادة إنتاج الاعتداء الجنسي.
قد تُفسر ضآلة الاهتمام الإعلامي في قضية الفتيات ضحايا ملف إبستين نظرة تقليدية أبوية تعتبرهنّ مسؤولات عما حل بهنّتروي فيرجينيا غيوفري في مذكراتها التي صدرت بعد أشهر من انتحارها أن غيلين ماكسويل شريكة إبستين التي تمضي عقوبة بالسجن في نيويورك، قالت لها عندما عرفتها على الأخير" سلّمي على السيد جيفري إبستين"، وتضيف" كان يبلغ 47 عاماً، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف عمري".
لم تكن الفتاة، التي لم تكن تملك بعد خبرة في الحياة، قادرة على فهم ما يحصل لها، ومثلها مئات الفتيات اللواتي كنّ ضحية شبكة الاتجار الجنسي، لم يحظين بالتعاطف الكبير الذي منح للفرنسية جيزيل بيليكو ضحية عمليات اغتصاب دامت 12 عاماً على يد زوجها وعصابة من الرجال، حظيت بيليكو التي باتت رمزاً عالمياً لمقاومة النساء للاعتداء الجنسي، تكريماً عالمياً بعد إطلاق كتابها" ترنيمة للحياة".
قد تُفسر ضآلة الاهتمام الإعلامي في قضية الفتيات ضحايا ملف إبستين نظرة تقليدية أبوية تعتبرهنّ مسؤولات عمّا حل بهنّ باعتبار أنهنّ كنّ، زعماً، قادرات على الانسحاب من الشبكة، لو أردن ذلك.
كتبت فيرجينيا غيوفري في مذكراتها" تعرّضت الكثير من الشابات، وأنا منهنّ، لانتقادات لاذعة لعودتنا إلى وكر إبستين حتى بعد أن عرفنا ما يريده منا.
تساءل البعض: كيف يُمكننا التذمر من الاعتداء، بينما كان بإمكاننا الابتعاد عنه بسهولة؟ لكن هذا الموقف يتجاهل ما مررْنا به قبل أن نلتقي إبستين، فضلاً عن براعته في استغلال الفتيات اللواتي جعلتهنّ جراحهنّ عرضة للخطر.
تعرض بعضنا للتحرش أو الاغتصاب في الطفولة؛ وكنّا فقيرات أو حتى بلا مأوى.
كنا فتيات لا يكترث لأمرهنّ أحد، وتظاهر إبستين بالاهتمام.
كان مُتلاعباً بارعاً، ألقى ما بدا وكأنّه طوق نجاة لفتيات كن يغرقن".
اختارت غيوفري لكتابها العنوان الأكثر تعبيراً عن محنتها ومحنة هؤلاء الفتيات" فتاة لا أحد"، وكما كتبت في مذكراتها، ليس إبستين حالة فريدة بين الرجال النافذين في الشبكة الذين يصنفون في خانة من" يستحقون" الحصول على خدمات جنسية (entitled)، إلّا أن تجاهل الإعلام لجوهر الأزمة، عبر تركيزه على المشاهير والرجال وشبكات المصالح التي تربط بينهم، عمق تهميش الضحايا وأعاد إنتاج فرضية الكتاب مرّة أخرى: أنهنّ فتيات لا أحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك