لا يرى من السفينة إلا الجزء المغموس في الماء منها من يحسب أن أحداث 3 يوليو (2013) في مصر جرى الترتيب لها قبلها مباشرة، أو حتى عند تولي الراحل محمد مرسي قبلها الرئاسة بنحو عام، فيما حقيقة الأزمة تمتد إلى زمن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا وعدم تعديل فكره، ما أدى إلى أزمتين مريرتين في مسار الجماعة، في مارس/ آذار 1954 ويوليو/ تموز 2013.
ورغم البون الزمني الشاسع بين الأزمتين (60 عاماً) لم يتوقف أحدٌ من قيادات الجماعة اللاحقين على البنا بالتدقيق في أزمة 1954 التي أدت إلى توقف حراك الجماعة؛ وزج أغلب قياداتها وعناصرها في السجون، ثم تكرر الأمر في 1966، إذ أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراً باعتقال كل مَنْ سبق اعتقاله (في 1954) وخرج من السجون والمعتقلات، أو مَنْ يُشتبه به.
ولم تنتبه الجماعة إلى خطورة" تطلعها" إلى حكم مصر حتى جرى العصف بها في 2013، بعد أن استطاعت هذه المرة تولي الحكم، إلى حد ما، عاماً، ويؤسَف أن قرار إطاحة الجماعة جاء بعد ثورة 25 يناير (2011) وإراقة دماء مئات الشباب من مختلف أطياف العمل السياسي ومن غير المؤدلجين ممن رأوا في حكم حسني مبارك مأساة كبرى، فيما كان ذلك الحكم خيراً لهم" لو يعلمون"؛ وللأسف المُجدد لم تتعلم عشرات الملايين من المصريين إلا بعد أن تمر بمرير التجربة.
أما نقاط ما يراه الكاتب هنا سبباً للخيبة التي تلحق بالإخوان المسلمين مرّة بعد أخرى؛ وإن امتدّت في المرة الأخيرة، فيمكن إجمالها: أولاً، كان فكر مؤسس الجماعة، حسن البنا، بالغ المثالية، لمّا تخيل أن بإمكانه شحن الناس وشحذهم على أفكاره ومبادئه؛ بل مطالبته لهم كما في كتابه" مذكّرات الدعوة والدعاة" بأن يكونوا واحداً من ثلاثة، مؤيد ومحايد ومعارض، وقمة تلك الأزمة أنه كان يريد من جميع البشرية أن تتخذ هذا النهج، فقد كان يرى، رحمه الله، أن في مقدوره نشر مظلة أفكاره على العالم كله، وبالتالي تحديد" أستاذية" جماعته له، بأن يتطوّر الأمر من إصلاح الفرد إلى الأسرة، ثم الشارع، القرية والمدينة، الدولة، العالم.
رغم اعترافه" التأسيسي" بوجود معارضين ومحايدين له!
وقد تناسى البنّا، وإن كانت نظريته للإصلاح ترجمة لمجهودات سابقيه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أن إجماع البشرية على رأي ونهج لم يتحقق لأحد منذ آدم عليه السلام.
كان فكر مؤسس الجماعة، حسن البنا، بالغ المثالية، لمّا تخيل أن بإمكانه شحن الناس وشحذهم على أفكاره ومبادئهثانياً، افترضت الجماعة طوال مسيرها وما زالت أن في وسعها المسير بنظرية مؤسسها وإصلاح العالم بداية من مصر المحتلة من الإنكليز وقت وضع البنا نظريته، ولا ندري أين موقع الأخيرين من نظريته.
بمعنى هل كان سيتم إصلاحهم في مصر انطلاقًا من واقع وجودهم فيها، أم ضمن منظومة إصلاح العالم فسيطاول الإنكليز إصلاح الإمام القائم على اعتراف العالم بداية من عصره حتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها.
ونظرية البنا الإصلاحية قائمة على التسليم برؤيته إلى الإسلام.
ولكن ماذا عن الأقليات بين المسلمين؟ وماذا عن غير المسلمين الذين حقّقوا حضارة تسود العالم؟ وكيف ينطلق الإصلاح من أدنى بشريّاً ومن أعلى حضاريّاً؟ بمعنى أن الفرد يصلح دولة، وأعلى دولة تنضم إلى الإسلام، فيما هي غير مسلمة، فتعود الحضارة الإسلامية.
ثالثاً، جاء في مؤتمر فكري أول للجماعة في إسطنبول في 14 من سبتمبر/ أيلول 2019؛ ولم يَتْلُه ثانٍ سؤال من الأكاديمية فلسطينية منى مصطفى إلى أمين عام الجماعة وقتها، محمود حسين، عن أستاذية العالم كيف تتحقق والجماعة في مثل الضعف الحالي؟ فأجاب الرجل بأن" مقام الأستاذية" غير" مقام الأستاذ" للعالم، ورغم طرافة الإجابة، نحسب أنها مرة نادرة من مرات مناقشة هذه المكانة فعليّاً في مؤتمر عام أو حدث خاص!رابعاً، حدّد مرشد الجماعة الراحل مصطفى مشهور القول إن 2018 عام لتحقق منظومة إصلاح الجماعة في مصر، وبالتالي تحقق الأجواء العالمية المناسب لهذا، ولما جاءت ثورة يناير ارتأت الجماعة أن الله" زوى" (اختصر) لها مراحل الإصلاح فبكّرها لهم، وبالتالي حان أوان التمكين.
وهذا رغم أن قرار الجماعة الأول كان عقب النجاح الأولي للثورة بعدم الترشّح للحكم من الأساس، وبعد أشهر تراجعت عن القرار بعد أن فصلت عبد المنعم أبو الفتوح لمخالفته قرار الجماعة بالترشح، فاستمر قرار الفصل لأنه ترشح وترشحت الجماعة من بعده.
كلفت الجماعة نفسها ونخبة منها أفضل شباب مصر ما لا تطيق في 1954 و2013خامساً، لم يدرك أحد من التنظيم الخاص بالجماعة أو العام أن ما تطلبه مُحال لم يتحقق لأحد من قبلها ولن يتحقق؛ رغم أن مؤسّسها البنا لقي الشيخ محمد الغزالي قبيل اغتياله بأيام، فقال له: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعكفت على تربية مائة شاب بالمسجد لا أخرج بهم منه"، وهو ما ذكره محمد فريد عبد الخالق، سكرتير البنا، في برنامج" شاهد على العصر" على شاشة فضائية الجزيرة، وسبب المقولة من كثرة ما رآه المؤسس من عنت من أفراد جماعته، فتمنى لو لم يخرج بهم والجماعة إلى عالم السياسة أصلاً، وهذا الاعتراف لم تلتفت إليه الجماعة إلى اليوم للأسف رغم ثبوته.
كلفت الجماعة نفسها ونخبة منها أفضل شباب مصر ما لا تطيق في 1954 و2013.
ومؤسف أنها لم تقف بعد وقفة جادة حقيقية لمراجعة ما أقدمت عليه والاعتراف بحصيلة ما كان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك