احتجاجات كثيفة، محلية أو عامة، تعم سورية.
كاحتجاج القمح (أغلبية الفلاحين)، والاحتجاج ضد التصالح مع الشبيحة (أغلبية السوريين) وعدم محاكمتهم.
وهناك احتجاجات عمّالية واسعة في جنوب دمشق، وبرز من المحلية أخيراً احتجاج أهالي الطلاب في السويداء على عدم تقديم أولادهم الامتحانات، والذي استمرت طوال فترة الامتحانات، للشهادتين، الإعدادية والثانوية، عاملين متتاليين.
وهناك احتجاج شعبي، واستمر أياماً، في القامشلي، ضد سوء الأوضاع الاقتصادية، وضد رفع سعر المحروقات، وضد تدنّي الأجور والحق بالتوظيف؛ ويشمل هذا الأخير أوضاع السوريين كافة.
وتضاف احتجاجات متكررة للسكان المستولى على أراضيهم، أو القاطنين على أراضٍ للدولة كذلك.
المرحلة معقدة نعم، ولكن أغلبية السوريين تحت خطر الفقر، أكثر من 90%، وهذه مسؤولية السلطة.
لا يحتج السوريون هياماً في الاحتجاج، بل لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية لم تعد تطاق.
وبالتالي، لا بد أن تجد السلطة حلولاً لها، كي لا تعود، وهي تخفت قليلاً، وتعود" عنيفة" كقضية القمح أو ضد الشبّيحة، وقد تخلخل الاستقرار الأمني الهش، وفي كل المحافظات.
والسؤال ما إذا تملك السلطة جديداً، مختلفاً عمّا كان منذ وصولها إلى الحكم، يُغير من سياساتها، ويخفف حدّة التأزم المجتمعي، الطائفي، الاقتصادي، ويشرك السوريين جميعاً وعلى قدم المساواة في النهوض بأوضاعهم وبالبلد بأكمله؟تبرز أيضاً قضية التوغلات الصهيونية، وقد تعدّت 760 توغلاً منذ هروب بشار الأسد، وقد حدثت، أخيراً، مواجهة شعبية بالحجارة في قرية عابدين في درعا، ورّدت عليها القوات الصهيونية بقصفٍ مدفعيٍّ وجوي معاً.
وحدثت حركة نزوح وتدمير للبيوت؛ ويترافق مع التوغلات ما يحدث في الضفة الغربية، ويُشير إلى هذا باحثون كثر، من تهجير، وتجريف للبساتين وحرق للمحاصيل واقتلاع الأشجار، وسيطرة على السدود، ومنع للأهالي وللسلطات الأمنية من الوصول إلى مناطق بعينها، وهناك محاولات للبدء بالاستيطان.
الرد الصهيوني العنيف في عابدين، وقد حدث لأول مرة بهذا الشكل، وكأنه رسالة إلى السلطة والأهالي في كل المناطق التي تقدّمت إليها تلك القوات بأنها ستفرض هيمنة مستمرة عليها، وهي تشمل مناطق واسعة في أرياف محافظة ريف دمشق، والقنيطرة ودرعا، ولدينا ما يشبه الحماية الصهيونية للسويداء.
وبالتالي، هناك قضية وطنية، لم تستطع السلطة وعبر حواراتها مع الوفود الصهيونية الاهتداء إلى حلٍّ لها، يعيد هذه القوات إلى خط فك الاشتباك لعام 1974، وهو ما ترفضه.
وبالتالي، وفي الظروف السورية المعقدة والانتقالية، يصبح إشراك الشعب، بمظاهرات أسبوعية وسلمية وبالكامل، منتظمة، وبشعارات وطنية، ومدعومة من السلطة للمطالبة ودولياً بانسحاب القوات الصهيونية وباستعادة الجولان، المحتل منذ 1967.
وكذلك يجب التصالح مع السويداء، التي تتجه إلى ما يشبه القطيعة مع دمشق، وتكثّف الأمر بعد مجازر طائفية في يوليو/ تموز العام الماضي.
ليست هناك احتجاجات واسعة ضد الاحتلال الصهيوني، ويجب أن تصبح كذلك، وهي قضية واجبة على السلطة كي تحافظ على سيادة الدولة، وتؤكد أنها ممثلة للسوريين في المجال الوطني.
وبمعنى آخر، كل سلطة لا تدافع عن سيادة الدولة والمجتمع تفقد مبرّرات وجودها!لا يبدو أن هناك سياسات جديدة للنهوض بالاقتصاد الخاص أو العام ولمختلف شرائح الطبقات البرجوازية أو العاملة والفلاحينعلّق أحد المحللين، وقد أنجز دراسة، على إحدى القنوات التلفزيونية للخلفية الفكرية لمن صاروا أعضاءً في مجلس الشعب، بأن أغلبيتهم إسلامية وقريبة من أوساط السلطة، ومن كان من الأقليات يتوافقون معهم.
وبالتالي، لن يكون هذا المجلس ذا سلطة حقيقية وممثلاً لمصالح الشعب في مساءلة السلطة، ووظيفته وفقاً للإعلان الدستوري الاستماع فقط، وطبعاً سيسن القوانين التي تتوافق مع توجهات السلطة، التي رأيناها منذ وصولها إلى الحكم 2024 (آمل أن أكون مخطئاً).
هل يمكن لتوجهاتٍ كهذه أن تخفف من التأزم، المذكور أعلاه، وتُهدئ سورية بالفعل؟
مع ذلك، هناك قضايا مركزية، وهذا إن أرادت السلطة إخراج نفسها من التأزم وليس فقط المجتمع، وتتعلق بسن قانون للعدالة الانتقالية، ويكون شاملاً لكل أطراف الحرب في سورية، ولكل مظلومية سابقة في سورية.
تعتبر قضية الإقرار بالحرّيات العامة والخاصة أساسية في دعم المرحلة الانتقالية، وقد شهدت سورية كثيراً من التقييد للحريات، ويجب عدم تقييد حرية الاحتجاجات، ومختلف أشكال التعبير، وإسقاط قانون الجرائم المعلوماتية، وطي بلاغ الترخيص لوزارة الداخلية، والاكتفاء بالإخطار، وإشهار قانون للأحزاب وضبطه بما يمنع كل مظاهر التمييز القومي أو الديني أو الجندري.
ولا بد من حماية المال العام.
لا يحتج السوريون هياماً في الاحتجاج، بل لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية لم تعد تطاقهل سيتمكن مجلس الشعب من الانطلاق من هذه القضايا، ووضع خطة وطنية للمرحلة الانتقالية، ومراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها، ومانعاً، ومحتجاً ضد سياساتٍ قد تزيد من التأزم المجتمعي، وإمكانية أن تفكك سورية، والضغط على السلطة لمواجهة التعديات العنيفة، التي تواجهها؟ ولكن ما هي؟غير ما أشير إليه أعلاه، هناك قضية تفكك الشعب السوري إلى طوائف.
هناك وعي ترسّخ منذ 2011 وقبله، لأسباب كثيرة، وهو الوعي الديني، وشكلت الحروب منذ ذلك التاريخ، وكذا سياسات في السلطة الجديدة، تجذراً في هذا الوعي.
القضية أن هناك مظلوميات متعددة تباعد بين هذه الطوائف، ويشكل التأخر في العدالة الانتقالية وشموليتها كل الأطراف سبباً مركزياً ومانعاً لدعاة الوعي الوطني، والشعب الواحد، والسياسات الوطنية، وهم الأكثرية السورية.
ومع استمرار التأخر، ستكون الأصوات الطائفية المتحكّمة في هذه الأكثرية.
هناك مصلحة سياسية للسلطة فيها، فهي تريد تحشيد الطائفية السنية، وأيضاً هناك مصلحة لقادة المشاريع الطائفية العلوية أو الدرزية، وكذلك الكردية.
ربما تستفيد السلطة من هذا بعض الوقت، ولكنها تُضعف نفسها بهذا على المدى الطويل.
وهناك الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المتردّية، والتي تدفع إلى استعادة تلك القيم، ولا سيما مع اشتداد التأزم بكل أشكاله وضرورة إيجاد الحلول.
تشكل سياسات السلطة الاقتصادية، الليبرالية، والأوليغارشية، سبباً لتركز الثروة في شخصيات وعائلات محددة وشركات وهيئات، ولتوسع الإفقار، ولا يبدو أن هناك سياسات جديدة للنهوض بالاقتصاد الخاص أو العام ولمختلف شرائح الطبقات البرجوازية أو العاملة والفلاحين وهناك كتلة ضخمة من العاطلين عن العمل (60%) وهذا مصدر أكيد لمزيد من الاحتجاجات.
غياب فرص العمل وعدم دعم هذه الشرائح، والطبقات أخطر ما ستواجهه سورية، سلطة وشعباً، وهي وصفة لتفجر الأوضاع.
سورية مقبلة على احتجاجات جديدة، وربما انفجارات مجتمعية عنيفة، وهناك خشية من الجماعات الجهادية والعدميةتُشكل قضية بناء الدولة واستقلال السلطات والاحتكام إلى الدستور والقوانين مرجعية مركزية في مختلف أشكال الاستقرار، ولا سيما في الفترات الانتقالية.
سياسة السلطة الاحتكارية لإدارات الدولة، ولصالح شخصيات قادمة من هيئة تحرير الشام أو المتحالفين معها، يمنع ذلك التشكل، ويشعر كل السوريين من كل الطوائف بأنهم مستبعدون، فكيف والحال بوجود مظلومية درزية وعلوية ولفئات واسعة من السنة، وأخيراً ظهر ما سمي" الكونغرس المسيحي السوري".
وهذا ليس تفصيلاً، وقضايا هامشية؛ هذه قضايا تؤشر إلى أن السلطة تخطئ في إرساء أسس الدولة والمساواة بين أفراد الشعب.
وهناك تحديات تتعلق بأسس تشكيل الجيش والأمن، وقضية استبعاد الكفاءات والخبرات وسواها كثير.
استمرار السياسات ذاتها، كما أوضحنا بعضها، يعني أن سورية مقبلة على احتجاجات جديدة، وربما انفجارات مجتمعية عنيفة، وهناك خشية من الجماعات الجهادية والعدمية.
إذاً هناك تحديات عنيفة تواجه السلطة، فهل تُغير سياساتها، وتتجه نحو إشراك الشعب والركون إلى أسس الدولة الجامعة؟ هذا هو الرهان في الأشهر المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك