أصبح رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، حديث العالم بعد حملة ملاحقة الفساد، التي انتهت باعتقال 12 نائباً في البرلمان، في خطوة لافتة منذ سقوط نظام صدّام حسين.
تشوهت صورة العراق بسبب استشراء الفساد منذ تغيير نظام الحكم قبل أكثر من 22 عاماً، وصُنِّفت الدولة في مؤشّر مدركات الفساد، الذي تصدره مؤسسة الشفافية الدولية، بأنها من أسوأ الدول، وظلت في ذيل المؤشّر، ولا أرقام موثقة عن حجم الفساد في العراق في العقدين الأخيرين، لكن التقديرات الاقتصادية ترجح أنه تجاوز 300 مليار دولار.
ويخرج المستشار القانوني لرئيس الوزراء العراقي، منير حداد، ليؤكد أن" الأموال المنهوبة في العراق منذ عام 2003 زادت على تريليوني دولار".
زرت بغداد في 2018 في مهمة صحافية، وكانت أول زيارة لي منذ سقوط نظام صدّام، وبعد غياب زاد على ربع قرن، وأتذكر أن مرافقي، وهو موظف حكومي في شبكة الإعلام، حدّثني بحسرة عن الفساد في العراق، فقال لي" إن خبراء عراقيين قدّروا أن الأموال التي سُرقت تكفي لرصف كامل التراب العراقي بطبقة من الذهب".
ربما بالغ محدّثي، وربما كان هذا جزءاً من الحقيقة، فهو وغيره من العراقيين الذين التقيتهم في زيارات متكرّرة للعراق بعد هذا، لا يخشون القول إن العراق تخلص من زعيم طاغية، فوصل إلى سدّة الحكم بعده طغاة فاسدون، في إشارة واضحة إلى حكم قادة الأحزاب الطائفية التي تناوبت على السلطة في بغداد.
يسعى علي الزيدي، بحملته التي دشنها لمكافحة الفساد، إلى بناء شرعيته السياسية بمعزل عن الأحزاب التقليدية، ويحاول استعادة ثقة الشارع، ويوجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأنه جادٌّ في مسيرة الإصلاح.
ولكن السؤال الذي يلاحق رئيس الحكومة: هل يستطيع أن يكمل حملته؟ وهل يمكن أن يكسر الخطوط الحمراء ويقترب من الرؤوس الكبيرة المحصنة؟ وهل يمكن أن يلاحق رؤساء الوزراء السابقين، أو قادة الأحزاب والمليشيات المسلحة الذين تُوجَّه إليهم الاتهامات سرّاً وعلناً؟سُجل آلاف الجنود في كشوف رواتب الجيش، وهم جنود وهميون، لا وجود لهم إلا في السجلاتفي العراق وخارجه تكثر الأسئلة عما سيحدث في الأيام المقبلة: هل سيواصل رئيس الوزراء وفريقه الحملة بمزيد من الاعتقالات، وما يليها من محاكمات علنية تقود إلى فضح كبار المتورّطين، وإدانتهم، واستعادة الأموال المنهوبة، أو جزء منها؟ أم أن الحملة ليست أكثر من" بروباغندا" إعلامية تلمّع صورة الرئيس، وتفتح له دروب الداخل والخارج، لتنتهي بصوت خافت لا يغيّر الوقائع الراسخة في العراق؟حين وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب" فيتو" على تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية قبل أشهر، تسرّبت معلومات عن رسالة سلمها السفير العراقي في واشنطن، نزار خير الله، إلى المسؤولين العراقيين، سمّيت" الوصايا السبع"، أو" الشروط السبعة" (لا فرق)، وتضمنت مطالب أميركية بنزع سلاح المليشيات المتحالفة مع إيران، ومواجهة فورية للفساد وغسل الأموال، وإصلاح النظام القضائي وفك ارتباطاته السياسية، وإنهاء التدخل الإيراني، وتحييد دور قوات الحشد الشعبي، وتشكيل حكومة كفاءات.
وما يُقرأ في توجهات رئيس الحكومة الجديد أنه لا يهمل رسالة الوصايا الأميركية، فهو يعلن على الملأ أن مكافحة الفساد أولوية الدولة، ويأمر بمراجعة العقود الحكومية، ويحقق في المشاريع الكبرى.
ولإثبات جدّيته أوقف مشروع تطوير مطار بغداد، الذي تحوم حوله شبهات فساد، وقيمته 764 مليون دولار.
“بركات” الفساد ومغانمه لم يكن الشركاء فيها القادة العراقيون فقط، وإنما أيضاً شبكات دولية عابرة للحدودقصص الفساد في العراق بعضها لا يُصدق، وبعضها يمكن أن يدخل موسوعة غينيس، فالعراق من أكثر الدول إنفاقاً على مشاريع الكهرباء، ولا كهرباء منتظمة من الدولة حتى الساعة، ووُصفت الكهرباء بأنها" أكبر مقبرة للأموال العامة في العراق"، وما زالت “سرقة القرن” حاضرة ولم تُنسَ، بعد أن سُرق ما يقارب 2.
5 مليار دولار من الأمانات الضريبية.
والأكثر طرافة، إبان رئاسة نوري المالكي الحكومة، من سمّوا" الجنود الفضائيين"، حيث سُجل آلاف الجنود في كشوف رواتب الجيش، وهم جنود وهميون، لا وجود لهم إلا في السجلات، بينما كان هناك من يستحوذ على رواتبهم، المقدّرة بملايين الدولارات، سنوات طويلة.
مهمة الزيدي محفوفة بالمخاطر، وهو يمضي في طريق مزروعة بالألغام، فقبل الحملة على الفساد بدأ حملته لحصر السلاح بيد الدولة، وفي ظل الحرب على إيران، وقبل توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، لم يتجرأ كثيرون من قادة الأحزاب المسلحة على معارضة توجهات رئيس الوزراء، وإن لم يتجاوبوا معها أو يستسلموا لإرادتها، فقد أدركوا أن رقابهم باتت على حبل المشنقة، وأن تصفيتهم مطلب دولي، وليس عراقياً فقط.
ولذلك وجدوا أن الحل في المناورة، والمهادنة، وكسب الوقت إلى أن تتغير المعطيات الإقليمية، فربما تتحسن ظروفهم، ويصبح استمرارهم بحكم الأمر الواقع.
ولا تبدو الصورة واضحة بعد توقف الحرب، لكن المؤكّد أن طهران لا تريد التخلي عنهم، كما أنها لا تريد خوض معركة دفاعاً عنهم.
ما يعرفه علي الزيدي، ويفهمه العالم، أن حصر السلاح وإنهاء الفساد في العراق ليسا قراريْن إداريين، وإنما يتطلبان تغيير بنية النظام الذي بُني على المحاصصة الطائفية بمباركة أميركية ودولية بعد سقوط صدّام حسين، ومؤكّد أن “بركات” الفساد ومغانمه لم يكن الشركاء فيها القادة العراقيون فقط، وإنما أيضاً شبكات دولية عابرة للحدود.
حصر السلاح وإنهاء الفساد في العراق ليسا قراريْنِ إداريين، وإنما يتطلبان تغيير بنية النظاموثمة ملاحظة جديرة بالتوقف عندها، فمنذ انطلاق الحملة على الفساد، يبدو أن الزعيم مقتدى الصدر كان الوحيد الذي عبر علنًا عن دعمه ومساندته توجهات رئيس الحكومة، في حين لم يؤيد أو يعارض رؤساء الوزراء السابقون أو قادة الأحزاب يحدّث، ولاذوا بالصمت، وربما كان وراء هذا الصمت مفاجآت صادمة.
سيزور الزيدي واشنطن قريباً، وهو يتصدى لملفين على رأس الأجندة الدولية: حصرية السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وهو ما يعزّز موقفه التفاوضي، وصورته زعيماً مستقلّاً، وليس خادماً أو منفذاً لأوامر زعماء الأحزاب والطوائف ورغباتهم.
ما زال الرئيس في بداية عهده، وفي ظل ظروف بالغة التعقيد، وما لم تحدث تغييرات دراماتيكية في الإقليم، أولها قصقصة أجنحة إيران، فإن أقصى ما يمكن أن يحدث أن يبقى في معارك كر وفر، ومفاوضات لبناء تفاهمات الحد الأدنى، وسيبذل كل جهد ممكن لمنع الانزلاق إلى صدام مع الدولة العميقة التي تحكم العراق، وتدير مصالحها ومنافعها، ولن تقبل بالتفريط في ما حققته خلال العقدين الماضيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك