شهدت حرب أوكرانيا تطورات عسكرية متسارعة في أسابيعها الأخيرة، أدّت إلى تغييرات مهمة في المسار العام والأهداف والنتائج المرتقبة، وبذلك انتقلت من مرحلة المخاوف على صمود كييف في وجه الهجمات الروسية، ومواصلة القتال لزمن أطول، إلى تحسين شروط المفاوض الأوكراني من أجل وقف الحرب.
حدث التحول بفضل عوامل ميدانية عدة، تتعلق جميعها بتنامي قدرة أوكرانيا العسكرية، والأهم في كل ذلك قدرتها على إنتاج صواريخ باليستية ثقيلة نوعية يصل مداها إلى ثلاثة آلاف كيلومتر، كما هو الحال مع صواريخ أف بي 5 فلامنغو.
ما هي قدرات صواريخ أف بي 5 فلامنغو؟يعدّ هذا الصاروخ المجنّح الذي يعتمد على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، من أبرز ما أنتجته برامج التسلح الأوكرانية في الحرب مع روسيا، وقد جرى العمل عليه وتطويره منذ عام 2022 من قبل شركة" فاير بوينت" الناشئة.
وجرى ذلك بالاعتماد غالباً على قنابل سوفييتية معاد توظيفها.
الصواريخ مزودة برؤوس خارقة للتحصينات قادرة على اختراق نحو 10 أمتار من الخرسانة أو التربة، ويجري تطوير نسخ مزودة برؤوس عنقودية وأنواع أخرى من الذخائر.
هذا الصاروخ بات جاهزاً وتمّ تجريبه في أغسطس/آب الماضي، وأثبت فعاليته الكبيرة عبر هجمات استهدفت مواقع داخل الأراضي الروسية وفي شبه جزيرة القرم، ومن ذلك استهداف جسر سكك حديدية فوق قناة شمال القرم قرب بلدة روزدولنه الأسبوع الماضي.
وتكمن أهمية الهدف في أنه أحد الجسور التي تستخدمها روسيا لنقل الإمدادات إلى قواتها في جنوب أوكرانيا.
وأعلنت القوات الأوكرانية أنها دمّرت الجسر في إطار حملة تهدف إلى عزل شبه جزيرة القرم لوجستياً، وإعاقة تدفق الذخيرة والوقود والمعدات إلى القوات الروسية.
أوكرانيا أصبحت قادرة على إنتاج حوالي 80 صاروخاً من نوع أف بي 5 فلامنغو في الشهر الواحدصُمّم صاروخ أف بي 5 فلامنغو ليجمع بين القدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، والكلفة المنخفضة، وإمكانية الإنتاج بأعداد كبيرة.
وقالت صحيفة" ذا إندبندنت" البريطانية في تحقيق أجرته الخريف الماضي، إن السلاح الجديد يتميز ببساطة بأداء أفضل من نظيره الأميركي" توماهوك"، من حيث المدى ووزن الرأس الحربي البالغ ثلاثة آلاف كيلومتر مقابل 1500 كيلومتر، و1100 كيلوغرام مقابل 500 كيلوغرام، هذا بالإضافة إلى سرعة قصوى فائقة تبلغ 950 كيلومتراً في الساعة.
أما من حيث الكلفة، فتبلغ للصاروخ 500 ألف دولار أميركي، أي أقلّ من كلفة" توماهوك" الذي يُقدر بحوالي مليوني دولار.
التطور الأهم الحاصل في الأسابيع الأخيرة، هو أن أوكرانيا أصبحت قادرة على إنتاج حوالي 80 صاروخاً من هذا النوع في الشهر الواحد بحسب خبراء عسكريين فرنسيين، يرون أن الأسلحة الأوكرانية المشاركة في الحرب باتت فعّالة جداً، ومن أسباب نجاحها أنها تعتمد على البساطة والتكلفة المحدودة، بدلاً من الأنظمة باهظة الثمن، وهو ما يتيح لها هامشاً أوسع من الاستقلالية مقارنة بالأسلحة الغربية الخاضعة للقيود والرقابة والتدخلات الأميركية الأوروبية.
وذكرت" ذا إندبندنت" أن كييف قادرة على إطلاق صاروخ" فلامنغو" على أي هدف، فهو لا يتقيد بما يشترطه حلفاء أوكرانيا عليها عند استخدام الأسلحة الثقيلة والنوعية التي يزودونها بها وفق دفتر من الشروط التي تراعي روسيا، وتتجنب تهديداتها.
حركة التصنيع العسكري الأوكرانية في تطور دائم ومتسارع، وذلك ليس عبارة عن طفرة ولّدتها الحرب الروسية، بقدر ما هو تعبير عن قرار بإعادة إطلاق للمشاريع التي تخلت عنها أوكرانيا في عام 1994، بناء على اتفاقية مع الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين لضمان أمنها، بما فيها الأسلحة النووية.
ونتيجة ذلك، انهارت الصناعة العسكرية التي كانت توظف نحو ثلاثة ملايين شخص، وتنتج الدبابات، وتضم 40 جامعة ومؤسسة تعليمية، وكانت تُخرّج علماء يصنعون الصواريخ لبيعها في جميع أنحاء العالم.
حينما بدأت روسيا في عام 2014 توغلاتها العسكرية داخل أوكرانيا، وضمّت شبه جزيرة القرم، كان الجيش الأوكراني متهالكاً وأشبه بالمليشيات على مستوى التسليح، ولذلك خسر معاركه الأولى أمام الجيش الروسي، لكن الحرب الروسية صقلته من جديد، وساعدته على ذلك المساعدات الأميركية والأوروبية، وباتت شركتا" فاير بوينت" و" جنرال تشيري" حاضرتين على خريطة مصنعي الأسلحة العالميين، حيث تنتج الأخيرة آلاف الطائرات الاعتراضية المسيّرة أسبوعياً لمواجهة طائرات" شاهد" الروسية وحماية القوات على خطوط المواجهة.
وبذلك تحوّل القتال من حرب خنادق إلى رعب شديد للمشاة الذين تطاردهم طائرات مسيّرة صغيرة مميتة بشكل فردي.
يجري الحديث عن حرب استنزاف اقتصادية تسير بالتوازي مع حرب الاستنزاف العسكريةيعتبر خبراء عسكريون وسياسيون، أن مشهد الحرب في أوكرانيا وطبيعتها آخذان بالتغير كلياً، في ضوء هذه المستجدات العسكرية التي برزت بقوة في ميادين المعارك خلال أقل من عام، ويرجحون أن الإنجازات العسكرية الأوكرانية سوف تفرض نفسها عسكرياً وسياسياً، على روسيا والحلفاء الأميركيين والأوروبيين لأوكرانيا.
ويرى خبراء فرنسيون على مسافة قريبة من الميدان أنه في حال استمرار الزخم العسكري الأوكراني على هذا النحو، سيصبح من الممكن للجيش الأوكراني استعادة مناطق تحتلها روسيا، وعزل القوات الروسية عن طرق إمدادها، واستنزاف الدفاعات الروسية، وضرب الصناعات العسكرية الروسية والمواقع الحيوية الكبرى، مثل محطات الكهرباء والغاز ومستودعات الوقود وحتى المطارات وسكك الحديد والمرافئ.
وهنا يجري الحديث عن حرب استنزاف اقتصادي تسير بالتوازي مع حرب الاستنزاف العسكري، وهناك سباق بين الطرفين المتحاربين في هذا المجال.
وهنا يكمن السرّ وراء التركيز على استهداف مراكز اقتصادية حيوية، ومصانع إنتاج السلاح والذخيرة.
ونقطة التحول المهمة التي لاحظها الخبراء هي أن أوكرانيا انتقلت في الأسابيع الأخيرة من الدفاع على الجبهات إلى استهداف المراكز اللوجستية الروسية، والهدف من وراء ذلك إضعاف قدرة روسيا على مواصلة الحرب، قبل تحصيل مكاسب ميدانية.
حتى لو لم تتغير خطوط القتال الراهنة، ثمّة تقديرات أوروبية بأن محور زابوريجيا مرشح لتطورات عسكرية في المدى المنظور، حيث تعمل أوكرانيا على قطع خطوط الإمداد الروسي في هذا المحور، بهدف وضع القوات الروسية في جنوب أوكرانيا تحت ضغط كبير.
ويتطلب ذلك حملة واسعة تشارك فيها جملة من الأسلحة: صواريخ بعيدة المدى تطاول العمق الروسي، طائرات مسيّرة، حرب إلكترونية، وهجوم برّي، ويمكن لصاروخ فلامنغو أن يلعب دوراً رئيسياً.
هناك احتمال بأن يقدم بوتين تنازلات في مناطق مثل زابوريجيا وخيرسونلا يعني ذلك أن روسيا على وشك خسارة الحرب والهزيمة العسكرية أمام الأسلحة الأوكرانية الجديدة، والتكتيك القتالي المختلف، بل لا تزال تمتلك مقومات كبيرة عسكرية واقتصادية، فهي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية أكبر بكثير من نظيرتها الأوكرانية، ولديها القدرة على تعويض خسائرها العسكرية، وتمتلك وسائل وأسلحة هجومية بعيدة المدى تضغط على البنية التحتية الأوكرانية.
ومع ذلك، فإن روسيا سوف تخضع لمنطق تغير طبيعة الحرب، الذي يسحب نفسه على موازين القوى في القريب العاجل، وهذا سيدفعها لأن ترضخ عاجلاً أم آجلاً إلى تخفيض سقف شروطها لوقف الحرب.
ويتعلق ذلك بضمّ شبه جزيرة القرم والمناطق الأخرى كزابوريجيا وخيرسون ودونيتسك ولوغانسك، وكذلك مسألة التعهد بعدم انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض قيود على القدرات العسكرية الأوكرانية.
أوكرانيا وضرب خطوط الإمداد الروسيةويشكك خبراء أوروبيون في إمكانية قبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتينالتنازل عن شبه جزيرة القرم التي يعتبرها خطّاً أحمر، لكن هناك احتمال في أن يقدم تنازلات في مناطق أخرى مثل زابوريجيا وخيرسون التي من المرجح أن الدفاع عنها سوف يغدو صعباً جداً في المدى القريب، في ظل استمرار أوكرانيا في ضرب خطوط الإمداد والجسور الروسية، والاستعداد لشنّ هجوم بري واسع على هذه المناطق بعد إتمام عمليتي إضعاف القوات، وقطع طرق إمداداتها.
ويرى الخبراء أن جانباً من الاستراتيجية الأوكرانية يقوم على حرب تؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرات العسكرية الروسية، وهو ما سوف يحسن موقف كييف التفاوضي، وهنا تصبح التسوية خياراً مقبولاً من طرف موسكو.
غير أنه من سلبيات هذا الأمر أن الطرفين لا يزالان يحسبان بأن الفرصة متاحة أمامهما لتحسن وضعهما التفاوضي قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ويرى خبراء أنه يمكن لهذا الوضع أن يتغير في أحد ثلاث حالات: الأولى بلوغ حالة الاستنزاف من قبل الطرفين سقفاً مرتفعاً جداً، ووصول كل منهما إلى قناعة مشتركة بأن كلفة الحرب فاقت القدرة على الاحتمال، ولم تعد تحقق مكاسب ميدانية أو سياسية مهمة، ويعني ذلك روسيا وأوكرانيا معاً، إذا أحسّت روسيا أن الضربات الأوكرانية بدأت تلحق الضرر الفادح باقتصادها، وفي المقابل إذا شعرت أوكرانيا بأن عملياتها من دون جدوى.
الحالة الثانية هي نجاح أحد الطرفين بشكل ملحوظ في تحسين موقعه من دون إلحاق خسارة نهائية بالطرف الآخر، بحيث يترك له فرصة مراجعة الحسابات، لأن الهزيمة تحول دون ذلك.
أما الحالة الثالثة، فهي حصول تدخل أميركي قوي من أجل عودة الاتصالات السياسية، على نحو أكثر كثافة، بعد تذليل العقبات الأساسية، والخاصة بمستقبل شبه جزيرة القرم، والمناطق الأخرى التي تحتلها روسيا، والضمانات الأمنية لأوكرانيا.
والمقصود من ذلك اتصالات أميركية روسية وأميركية أوكرانية لاختبار إمكانية التوصل إلى تسوية.
ولهذا، يصف الخبراء المرحلة الحالية بأنها سباق لتحسين الموقع التفاوضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك