تبدو أميركا اللاتينية اليوم وكأنها تدخل مرحلة سياسية جديدة تعيد رسم خرائطها الأيديولوجية، مع صعود متسارع لليمين، بنسختيه، التقليدية والمتشددة، في سلسلة انتخابات تمتد من كولومبيا إلى البيرو والأرجنتين، مع محاولات مماثلة في البرازيل.
هذا التحول، المتزامن مع عودة دونالد ترامبإلى البيت الأبيض، دفع بعض المراقبين إلى الحديث عن" أمركة السياسة" أو" الترامبية اللاتينية"، حيث تمتزج وعود الأمن الصارم وتقليص الدولة ومكافحة الجريمة بخطاب شعبوي يعد بتغيير جذري وسريع، وذلك وفقاً لسلسلة تقارير نشرتها مجلة الإيكونوميست في 25 يونيو/حزيران الماضي.
خلال الدورات الانتخابية الأخيرة، حقق مرشحون محسوبون على اليمين أو اليمين المتشدد انتصارات لافتة في عدد من دول المنطقة، من الإكوادور وهندوراس إلى تشيلي وبوليفيا وكولومبيا، وصولاً أخيراً إلى فوز كيكو فوجيموري برئاسة البيرو بفارق ضئيل (نحو 60 ألف صوت) في انتخابات شديدة الاستقطاب.
هذه النتائج لم تكن معزولة عن سياق إقليمي ودولي، بل بدت موجة ممتدة من المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلسي، تعكس تحولات أعمق في المزاج الشعبي تجاه قضايا الأمن والفساد والانهيار الاقتصادي، وتراجع الثقة في النخب التقليدية، سواء كانت يسارية أو وسطية.
يرى باحثون أن ما يجري قد يكون أقرب إلى تصويت عقابي ضد النخب القائمة منه إلى تحول أيديولوجي ثابتيرى باحثون ومراقبون أن ما يحدث لا يقتصر على صعود يمين تقليدي، بل يمثل مزيجاً جديداً من الشعبوية اليمينية والليبرالية الاقتصادية الحادة، حيث يقدم المرشحون أنفسهم بكونهم" مخلّصين" من دول فاسدة وعاجزة.
نماذج مثل خافيير ميلي في الأرجنتين تعكس هذا النمط بوضوح: خطاب هجومي ضد الدولة، ووعود بتقليص الإنفاق العام بشكل جذري، وتشديد غير مسبوق في السياسات الأمنية.
وفي حالة كيكو فوجيموري، ورغم طابعها الأكثر مؤسسية مقارنة بالتيارات الأكثر تطرفاً، فإن خطابها لم يخرج عن هذا الإطار، إذ ركز على السجون الكبرى، وتحرير الاقتصاد، وإعادة فرض النظام الأمني، وهي عناوين باتت شبه مشتركة بين معظم أجنحة اليمين الصاعد في القارة، منذ 2013 بحسب ما ذهبت دراسة لمعهد بروكينغز بداية يناير/ كانون الثاني 2014.
وتبرز تجربة نجيب بوكيلة في السلفادور نموذجاً أكثر حدة لهذا التحول، إذ بنى شرعيته على حرب شاملة ضد العصابات عبر الجيش والاعتقالات الواسعة وإنشاء سجون ضخمة، مقابل تراجع واضح في الحريات المدنية، ليصبح رمزاً لما يُعرف بـ" الحلول الصادمة" في إدارة الدولة، كما ذهبت مجلة فورين أفيرز في يناير وفبراير/ شباط الماضيين.
تقوم" الشعبوية العقابية" على جعل الجريمة محور السياسة العامة، بحيث تُعرَّف الدولة بقدرتها على الردع لا بالرعاية.
وفي هذا السياق، تتكرر مقترحات مثل بناء سجون ضخمة في مناطق نائية، ونشر الجيش في الشوارع، وإعلان حالات طوارئ ممتدة، مع تقليص الضمانات القضائية وتوسيع سياسات الترحيل.
ويجد هذا الخطاب صدىً واسعاً في مجتمعات تعاني من توسع العنف والجريمة بصورة كبيرة، وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، لكنه يثير في المقابل مخاوف من تآكل الحريات العامة وتراجع الضمانات الديمقراطية، كما فصلت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير شامل في 2024.
يرى باحثون أن ما يجري قد يكون أقرب إلى تصويت عقابي ضد النخب القائمة منه إلى تحول أيديولوجي ثابت، كما نشر موقع هافانا تايمز الإخباري في 30 يونيو الماضي.
في حالات كثيرة، لم يصوّت الناخبون لليمين بقدر ما صوّتوا ضد الحكومات السابقة، في سياق يتسم بانعدام الثقة وتدهور الخدمات واتساع نطاق الفقر.
هذا لا يعني في المقابل تراجع إيمان شعوب القارة بالديمقراطية، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة للتنمية الصادر في الثامن من يونيو الماضي.
وهذا النمط من التصويت يوصف بـ" سياسة الاحتجاج الدائم"، حيث تتكرر دورة صعود سريع للشعبويين يعقبه خيبة أمل سريعة، وهي ديناميكية لا تقتصر على أميركا اللاتينية فقط، بحسب تحليل واسع لموقع غلوبال أميركانز في فبراير/ شباط 2024.
على عكس موجات اليمين في تسعينيات القرن الماضي التي ارتبطت بالتكامل الاقتصادي واتفاقيات التجارة الحرة، يبدو اليمين الجديد أكثر تشتتاً وأقل قدرة على صياغة مشروع إقليمي جامع، كما سجل الكاتب مارتن وولف في صحيفة فاينانشال تايمز في أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
اليمين الجديد ليس تياراً منسقاً، بل فسيفساء من تجارب وطنية تتقاطع عند أربعة عناوين رئيسية: التشدد الأمني، الخطاب المناهض للنخب، الليبرالية الاقتصادية الصارمة، والتقارب مع الولايات المتحدة، وهو ما أشارت إليه أيضاً دراسة للمجلة الأكاديمية سايج في الرابع من أغسطس/ آب 2022 بعنوان" الراديكالية القومية السلطوية، تقييم حالات حديثة من الشعبوية اليمينية في أميركا اللاتينية".
ومع ذلك، يظل هذا التقارب محدوداً، يتركز في ملفات مثل مكافحة المخدرات والأمن الإقليمي والهجرة، وغالباً ما يعكس أولويات واشنطن أكثر مما يعبّر عن مشروع لاتيني مستقل.
يتقاطع هذا الصعود، بحسب تقارير مختلفة، بما فيها تقرير المفوضية الأوروبية في يونيو 2024، مع موجة اليمين الشعبوي في أوروبا، خصوصاً في الخطاب المناهض للمؤسسات والنخب، والتشدد في ملفي الهجرة والأمن الداخلي.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في البنية المؤسسية.
اليمين الأوروبي يتحرك داخل قيود الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الديمقراطية الراسخة، ما يحد من اندفاعه، ذلك ما تشير إليه دراسات مختلفة، بينها دراسة للمركز الأوروبي لدراسة الشعبوية في يناير الماضي.
أما في أميركا اللاتينية، فإن غياب التكامل الإقليمي يمنح هذه التيارات هامشاً أوسع للتجريب والتشدد، لكنه يجعلها أكثر هشاشة وتقلباً سياسياً، وفقاً لدراسة نشرها مركز برشلونة للدراسات الدولية (CIDOB) في إبريل/ نيسان 2025.
باحثون ومراقبون: ما يحدث يمثل مزيجاً جديداً من الشعبوية اليمينية والليبرالية الاقتصادية الحادةتتغذى هذه التحولات على تنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين في أميركا اللاتينية.
وترى واشنطن في صعود حلفاء يمينيين فرصة لتعزيز نفوذها في ملفات الأمن والمخدرات وسلاسل المعادن الحيوية.
لكن هذا النفوذ يبقى محدوداً، في ظل تعمق العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة والصين، التي أصبحت الشريك التجاري الأكبر لعدد من الاقتصادات اللاتينية، كما أشار موقع مجلس العلاقات الخارجية في تقريره صيف العام الماضي عن تزايد النفوذ الصيني في القارة اللاتينية.
أميركا اللاتينية في صلب" البندول السياسي"؟في السياق، يحذر باحثون ومنظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، من أن الإفراط في تبنّي المقاربات الأمنية قد يقود إلى تآكل تدريجي في البنى الديمقراطية.
التجارب في المكسيك وكولومبيا تُظهر أن" الحرب على الجريمة" كثيراً ما أنتجت نتائج عكسية: تصاعد العنف بدل احتوائه، توسّع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتزايد الانتهاكات بحقوق الإنسان.
في السياق، يظل السؤال مفتوحاً عن قدرة اليمين الجديد على تقديم حلول قابلة للاستدامة، أم أنه يعيد إنتاج نمط مألوف من الوعود السياسية الكبرى التي تنتهي إلى خيبات متكررة؟تتحرك أميركا اللاتينية تاريخياً وفق ما يُعرف بـ" البندول السياسي" (تأرجح الرأي العام بين تيارات متناقضة سياسياً) بين اليسار واليمين، وفق دراسات لدراسة مركز برشلونة للدراسات الدولية، غير أن هذا التذبذب بات اليوم أسرع وأكثر حدّة، بفعل تأثير الإعلام الرقمي، وتفاقم الاستقطاب السياسي، وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا السياق، قد لا تكون" الموجة الترامبية" مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، بل مؤشراً على تحوّل أعمق، تتداخل فيه الشعبوية مع خطاب الأمن، وتلتقي فيه الأيديولوجيا بالإحباط الاجتماعي، في مشهد سياسي تتصاعد فيه الوعود، بينما تتعقد فيه الوقائع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك