بدأت مالي والنيجر وبوركينا فاسو رسميا إجراءات الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، بعدما أودعت الدول الثلاث وثائق انسحابها المكتوبة لدى الأمين العام للأمم المتحدة في يونيو/حزيران الماضي، وفق ما أكدته المحكمة ومنظمات حقوقية دولية، ليدخل الانسحاب حيز التنفيذ بعد عام من تاريخ الإيداع.
وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن النيجر أودعت وثيقة انسحابها في 18 يونيو/حزيران الماضي، تلتها بوركينا فاسو ومالي في 24 من الشهر نفسه، مشيرة إلى أن الانسحاب يسري بعد عام واحد من الإخطار.
ويأتي الإيداع الرسمي تنفيذا لإعلان مشترك أصدرته الدول الثلاث، المنضوية في تحالف دول الساحل، في 22 سبتمبر/أيلول 2025، قالت فيه إنها تغادر المحكمة" بمفعول فوري"، واصفة إياها بأنها" أداة قمع استعمارية جديدة في أيدي الإمبريالية"، وذلك بعد أشهر من انسحابها الرسمي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) ومحكمتها في يناير/كانون الثاني 2025.
وبحسب هيومن رايتس ووتش، قدمت الحكومات العسكرية الثلاث مبررات متشابهة في إخطاراتها المودعة لدى الأمم المتحدة، إذ اتهمت النيجر المحكمة بأنها" أسيء استخدامها واستُغلت"، فيما اعتبرت بوركينا فاسو أنها" تتحول إلى أداة انتقائية ومسيّسة".
وأشارت المنظمة إلى أن الحكومات الثلاث لم تأت في إخطاراتها على ذكر الإدانات الدولية المتزايدة التي تواجهها بسبب فظائع ارتكبتها قواتها الأمنية، وقمعها الواسع لحقوق الإنسان.
من جهته، قال معهد الدراسات الأمنية الأفريقي إن البيان المشترك للانسحاب صدر عن رئيس مالي آسيمي غويتا بصفته رئيس التحالف، وإن الدول الثلاث أعلنت اعتمادها" آليات محلية ونابعة من الداخل" لترسيخ السلام والعدالة، بعدما كانت قد أعلنت في يونيو/حزيران 2025 مشروع إنشاء محكمة ساحلية للجرائم وحقوق الإنسان.
قانونيا، لا يترتب على الإيداع أثر فوري، فوفق المادة 127 من نظام روما الأساسي، التي استندت إليها الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، لا يسري الانسحاب إلا بعد عام من الإخطار المكتوب، وتظل الدول الثلاث حتى ذلك الحين ملزمة بكامل التزاماتها بموجب النظام، بما فيها واجب التعاون مع المحكمة، كما أن الانسحاب لا يمس الإجراءات الجارية المتعلقة بجرائم ارتُكبت قبل دخوله حيز التنفيذ.
وتحقق المحكمة في الوضع في مالي منذ عام 2013، بناء على إحالة من حكومة باماكو نفسها عام 2012، وأصدرت حكمين بالإدانة في قضيتي أحمد المهدي والحسن آغ عبد العزيز مع أوامر بجبر ضرر الضحايا، فيما لا تزال مذكرة توقيف قائمة بحق إياد آغ غالي، الزعيم المفترض لجماعة أنصار الدين، بحسب الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
غير أن الأثر العملي قد يسبق الأجل القانوني، إذ يرى معهد الدراسات الأمنية الأفريقي أن المحكمة تستطيع مواصلة النظر في قضاياها المفتوحة في مالي حتى بعد سريان الانسحاب، لكن ذلك" سيكون صعبا" من دون تعاون كامل من السلطات المالية.
وحذرت المحكمة في بيان من أن انسحاب الدول من عضويتها" يهدد بتقويض المسعى الجماعي لتحقيق العدالة وإضعاف الجهود العالمية لإنهاء الإفلات من العقاب"، فيما دعت رئاسة جمعية الدول الأطراف الدول الثلاث إلى البقاء أطرافا ملتزمة بنظام روما الأساسي، وعرضت عليها" تبادلا جادا" حول الأمر.
وتخوض جيوش الدول الثلاث، التي وصل قادتها إلى السلطة بانقلابات بين عامي 2020 و2023، نزاعات مسلحة مع جماعات مسلحة، وثقت خلالها هيومن رايتس ووتش عمليات قتل جماعي للمدنيين واحتجازات تعسفية وتهجيرا قسريا نفذتها قوات حكومية إلى جانب مليشيات متحالفة ومقاتلين أجانب.
ويبقى باب التراجع مفتوحا نظريا، إذ ذكّرت هيومن رايتس ووتش بأن إخطارات الانسحاب قابلة للسحب، كما فعلت غامبيا سابقا والمجر مؤخرا، داعية الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء في المحكمة إلى حث الدول الثلاث على العدول عن قرارها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك