كشفت بعثات علمية استخدمت روبوتات ذاتية التشغيل في ممر دريك، أحد أخطر الممرات البحرية على كوكب الأرض، عن جبال وتضاريس مخفية تحت الماء تؤدي دوراً محورياً في تنظيم مناخ العالم عبر تعزيز امتصاص الكربون وتخزينه في أعماق المحيطات لقرون طويلة.
ويقع ممر دريك بين الطرف الجنوبي لأميركا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية، ويمتد لنحو 600 ميل، ويعرف بظروفه البحرية القاسية التي تسببت في غرق ما يقدر بنحو 800 سفينة ووفاة أكثر من 20 ألف شخص عبر التاريخ.
وجمع الممر بين المحيطات الأطلسي والهادئ والجنوبي، ما يجعله ممراً فريداً يغذي التيار المحيطي القطبي الجنوبي، أقوى تيار بحري على كوكب الأرض.
ويدفع هذا التيار ما بين 95 و150 مليون متر مكعب من المياه شرقاً كل ثانية، مستفيداً من غياب أي كتلة قارية تعترض مساره حول القارة القطبية الجنوبية.
وأظهرت الروبوتات البحرية أن قاع الممر ليس سهلاً مستوياً كما كان يُعتقد، بل يضم جبالاً وسلاسل مرتفعة مخفية ترتفع آلاف الأمتار فوق قاع المحيط.
وتؤدي هذه التضاريس إلى توليد دوامات عميقة تسحب المياه الباردة من الأعماق نحو الأعلى، كما تعيد تشكيل حركة التيارات البحرية بطرق لا يزال العلماء يعملون على قياسها بدقة.
وكشفت الدراسات أن هذه الجبال البحرية تكسر الحواجز الطبيعية بين طبقات المحيط المختلفة.
فعادة ما تبقى الطبقات المائية منفصلة بفعل اختلاف الكثافة والحرارة والملوحة، إلا أن مرور التيارات القوية فوق المنحدرات الجبلية تحت الماء يؤدي إلى خلط مياه نادراً ما تختلط في الظروف الطبيعية، ما يفتح مسارات لنقل المواد من السطح إلى الأعماق، وفقاً لما ذكره موقع" Eco Portal"، واطلعت عليه" العربية Business".
وساعدت هذه العملية على نقل كميات كبيرة من العوالق النباتية المجهرية إلى أعماق المحيط.
وتقوم هذه الكائنات بامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي عبر عملية التمثيل الضوئي، لكن بدلاً من تحللها قرب سطح البحر وإعادة إطلاق الكربون إلى الجو، تُنقل سريعاً إلى الأعماق حيث يُحتجز الكربون لمئات السنين.
ولعب المحيط الجنوبي دوراً استثنائياً في دورة الكربون العالمية، إذ يمتص نحو 40% من إجمالي الكربون الذي تلتقطه محيطات العالم رغم أنه لا يمثل سوى ربع مساحة المحيطات.
ويبدو أن ممر دريك يُعد أحد أكثر المواقع كفاءة في تشغيل هذه الآلية الطبيعية، فيما تشير الاكتشافات البيئية حول جزر ساندويتش الجنوبية إلى ازدهار حياة بحرية غنية حول تلك البنى الجيولوجية المغمورة.
وأرجعت النماذج المناخية أهمية الممر إلى دوره في تشغيل" الحزام الناقل" العالمي للمحيطات، وهو النظام المسؤول عن توزيع الحرارة وتنظيم الطقس عبر القارات.
وتشير التقديرات إلى أن انفتاح ممر دريك، نتيجة انفصال أميركا الجنوبية عن القارة القطبية الجنوبية قبل ما بين 17 و49 مليون سنة، كان عاملاً أساسياً في تشكل النظام المناخي الحديث.
وأكد العلماء أن الجبال المغمورة في أعماق ممر دريك ليست مجرد تضاريس معزولة، بل جزء أساسي من نظام دعم الحياة على الأرض.
ومع استمرار عمليات المسح بواسطة الروبوتات البحرية، تتوسع صورة هذا العالم الخفي الذي يساهم بصمت في تنظيم المناخ العالمي والحفاظ على توازن الكربون في الغلاف الجوي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك