لم يكن صعود الصين كقوة عظمى وليد الصدفة، بل جاء نتاج عقود من العمل الجاد والرؤية الاستراتيجية الثابتة التي جعلتها تكتسب احترام العالم أجمع.
هذا المسار الفريد نحو التقدم والاعتماد على الذات لم يبدأ اليوم، بل تمتد جذوره إلى ما قبل 90 عاماً، وتحديداً عندما انطلقت" المسيرة الكبرى" التاريخية التي أسست لنهضة الصين الحديثة وصاغت هويتها التنموية القائمة على تحدي المستحيل وتحويل الأزمات إلى فرص.
وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في مقاطعة" جويشو"، التي يمكن وصفها بأنها" معجزة الصين الذكية" التي تحولت في غضون عقدين من الزمان فقط من أفقر مقاطعة في البلاد يعيش ربع سكانها تحت خط الفقر، إلى مركز وطني وعالمي للاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا ومراكز البيانات الضخمة وكذلك إلى وجهة سياحية بارزة.
وكشف لو يونجشنج، عضو اللجنة الدائمة للجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة جويشو، ورئيس قسم الاتصالات ونائب المدير العام للجنة الشئون الخارجية، لوفد من الصحفيين الدوليين وأعضاء الأحزاب، عن أسرار هذا التحول الاستثنائي، مشيراً إلى أن المقاطعة التي كانت معزولة تاريخياً نظراً لطبيعتها الجبلية القاسية -حيث تغطي الجبال الوعرة أغلب مساحتها وتفتقر تماماً للسهول، أصبحت اليوم نموذجاً يُحتذى به في الإرادة السياسية والتخطيط، بعد أن وضعها الرئيس الصيني شي جين بينج ضمن أولويات الإصلاح والتنمية عبر حملات مكثفة وموجهة للإصلاح والتخفيف من حدة الفقر.
ثورة البنية التحتية.
" متحف الجسور العالمي"وأوضح المسئول الصيني أن التحدي الأكبر كان يتمثل في شبكة النقل، حيث كانت التضاريس الصعبة والضباب الكثيف والأمطار المستمرة تعزل المجتمعات المحلية وتعيق أي تطور اقتصادي.
وتضم جويشو اليوم شبكة نقل برية وجوية فائقة التطور تشمل 13 مطاراً مدنياً، وشبكة كثيفة من الطرق السريعة والسكك الحديدية فائقة السرعة، حيث يمر نحو 70% من هذه الشبكة عبر أنفاق شُقت تحت الجبال أو فوق جسور شاهقة الارتفاع.
وتُعرف جويشو اليوم في الأوساط الهندسية العالمية بأنها" متحف الجسور"، إذ تضم المقاطعة وحدها نحو 30 ألف جسر، ثلثاها أُنشئ حديثاً كرمز للابتكار والابداع الهندسي.
وافتتحت الصين العام الماضي جسر هواجيانج أطول وأعلى جسر في العالم بارتفاع 625 مترا فوق النهر ليربط بين تجمعات سكنية كانت معزولة تماماً في الماضي.
وأوضح المسئول رفيع المستوي للوفد الذي يضم" اليوم السابع" أن هذا الجسر لم يعد مجرد شريان للنقل، بل تحول لمزار سياحي عالمي يتمتع بأنشطة ترفيهية مثل القفز بالحبال وأنشطة سياحية أخرى.
وأضاف لو يونجشنج: " إن المهمة الأساسية للحزب الشيوعي الصيني هي خدمة الشعب وتوفير احتياجاته مشيرا إلى أن المقاطعة كانت معدمة قبل 20 عاماً، لكن نجحت في القضاء على الفقر وإخراج أكثر من 10 ملايين شخص من براثنه.
وقال إن الناتج المحلي الإجمالي للمقاطعة اليوم وصل إلى 2.
36 تريليون يوان صيني (RMB)، معتبرا أنه لا يزال متوسطا نسبيا ولكنه أكد أن مسار الاقتصاد للمقاطعة تصاعدي ويبشر بالمزيد من التقدم والنمو.
وبالتوازي مع الطفرة العمرانية، استغلت المقاطعة مميزاتها الطبيعية الفريدة مثل مناخها المعتدل وانخفاض تكاليف الطاقة الكهربائية لتتحول سريعاً إلى" وادي البيانات الضخمة" في الصين.
وتستضيف المقاطعة اليوم أكثر من 50 مركز بيانات واسع النطاق، مدفوعة بالمشروع الاستراتيجي الوطني الطموح" البيانات الشرقية - الحوسبة الغربية".
وأصبحت جويشو الموقع الأمثل لعمالقة التكنولوجيا في العالم.
وبالفعل أطلع" اليوم السابع" خلال الجولة على كيفية عمل مراكز البيانات أثناء زيارة إلى مركز التجربة والتبادل الرقمي إذ عرضت الشاشات العملاقة تدفقات البيانات الفورية الضخمة وحللتها لدعم قطاعات السياحة، والزراعة، النقل، الاتصالات، والرعاية الصحية، والتصنيع وحتى الأزياء والتصميم مما يمكن مختلف القطاعات من اتخاذ قرارات دقيقة مبنية على معطيات فورية ولحظية.
وأيضا خلال الجولة في المقاطعة المعروفة بتفوّقها التقني، استكشف" اليوم السابع" ما يعرف باسم" سيارات البطاطس" وهي سيارات ذكية بلا سائق أو عجلة قيادة.
ودخلت بالفعل حيز التشغيل في أبريل الماضي ويمكن استئجارها ب30 يوان للفرد وتسير لمدة 20 دقيقة وتغطي مساحة 8 كيلومترات.
ورغم أنها لا تزال في مراحل التشغيل الأولى، هناك خطط مستقبلية لتعزيز هذا المشروع في عموم الصين وكذلك في دول مختلفة حول العالم.
التنوع الثقافي والتوازن البيئي.
مزار" الشريط الأحمر"ولم يكن التقدم التكنولوجي والصناعي على حساب الطبيعة؛ بل شهد النظام البيئي في جويشو تحسناً هائلاً، حيث ارتفعت نسبة تغطية الغابات من 40% لتصبح أكثر من 60% من مساحة المقاطعة، بالإضافة إلى تحسن ملحوظ في جودة مياه الأنهار.
أول مزار من نوعه في الصينوتكليلاً للمسار التاريخي الذي بدأ قبل 90 عاماً، افتتحت المقاطعة في عاصمتها جوييانج قبل أعوام قليلة مزار" الشريط الأحمر" الثقافي والتاريخي، وهو متحف جويشو للفنون الرقمية لثقافة المسيرة الكبرى.
ويتميز هذا المعلم الضخم بواجهة حمراء متموجة، وهو أول مركز تجربة رقمية في الصين مخصص لهذا الحدث السياسي الكبير بهدف تكريم ذكرى المشاركين في المسيرة الكبرى تحت قيادة الزعيم الراحل ماو تسي تونج وتخليد تضحيات شهداء الصين في ثلاثينيات القرن الماضي.
وإلى جانب البعد التاريخي والبيئي، أضاف عضو الحزب الشيوعي الصيني، تتميز جويشو بتنوع عرقي فريد، حيث يجتمع فيها كافة العرقيات الـ 56 المكونة للشعب الصيني، مما يمنحها مزيجاً نابضاً بالحياة من التقاليد، اللغات، والمهرجانات الحية.
ويشكل التناغم بين الحداثة والتقدم التقني والأصالة العرقية، والمقومات الطبيعية، الركيزة الأساسية التي تجعل من جويشو وجهة سياحية ثقافية مميزة ليس فقط داخل الصين وإنما على المستوى العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك