شيعت إيران مرشدها الأعلى الثاني للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي في الرابع من يوليو/تموز، بعد اغتيال إسرائيل له في 28 فبراير/شباط 2026.
هذا التشييع تم في فترة وقف إطلاق النار ومفاوضات مستمرة بين أمريكا وإيران للتوصل إلى اتفاق شامل بين البلدين يشمل إنهاء شاملا للحرب على إيران والحرب الإسرائيلية على لبنان.
وقف إطلاق النار الهش لكن المستمر، مفترض أن يستمر لمدة 60 يوما قابلة للتمديد.
إذا كان ثمة وصف جامع لمعاهدتي كلستان وتركمنجاي فهو أنهما كانتا" معاهدتين غير متكافئتين"، انتزعت بهما روسيا من إيران ما يسمى اليوم أذربيجان وجورجيا وأرمينيا وداغستان (القوقاز وإيروان ونخجوان تاريخيا)، وفرضت تعويضا قدره 20 مليون روبلمشهد التشييع يوصد بابا من أبواب التاريخ، ليفتح آخر على مصراعيه، فمشهد الحرب الأخيرة التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران -الجمهورية الإسلامية- منذ 28 فبراير/شباط 2026 وما نتج عنها من مشهد تفاوضي يذكر بمسارات الحروب الروسية الفارسية (إيران كانت تُدعى قبل الحكم البهلوي فارس).
تلك الحروب التي استمرت لنحو 11 سنة ونتج عنها معاهدتان شهيرتان هما معاهدة گلستان 1813 ومعاهدة تركمنجاي 1828.
بعد نحو 200 عام على المعاهدتين، وبعد أشهر قليلة من حرب شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، تقف طهران اليوم على عتبة اتفاق قد ينبثق عن مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في الـ18 يونيو/حزيران 2026.
يتناول هذا المقال بالتحليل المقارنة بين شكل تلك المعاهدتين النهائيتين وبين الشكل الذي يرجح أن يتخذه الاتفاق النهائي المستند إلى المذكرة، في مكاسب الطرفين السياسية والاقتصادية، وفي طبيعة الوساطة وأوراق القوة، وصولا إلى شكل الدولة الذي قد يخرج من كل ذلك.
وهنا لا بد من ضبط جوهر المقارنة.
فالمذكرة ليست معاهدة، بل إطار انتقالي ووقف نار يفترض أن يفضي إلى اتفاق نهائي يكتب خلال 60 يوما قابلة للتمديد ويثبت بقرار ملزم من مجلس الأمن، في حين كانت كلستان وتركمنجاي معاهدتين نهائيتين حسمتا حربين استمرتا إلى نحو 11 عاما.
ولذلك فإن المقارنة الدقيقة ليست بين المذكرة والمعاهدتين بل بين شكل المعاهدتين وشكل الاتفاق المنتظر، فالمذكرة دليل نقرأ من خلاله ملامح ما هو آت، لا طرفا في المقارنة.
في معاهدة تركمنجاي لم يكن الثقل في الأرض التي سُلبت وحدها، بل في الامتيازات التي زرعت سلطة قانونية أجنبية في الداخل؛ أما الاتفاق المنتظر فيؤجل جوهره وهدفه الأبرز: سقف البرنامج النووي وخفض التخصيب وحرية الملاحة في هرمز – إلى نص يصدر من خلال مجلس الأمنمعاهدات" غير متكافئة".
ولكنإذا كان ثمة وصف جامع لمعاهدتي كلستان وتركمنجاي فهو أنهما كانتا" معاهدتين غير متكافئتين"، انتزعت بهما روسيا من إيران ما يسمى اليوم أذربيجان وجورجيا وأرمينيا وداغستان (القوقاز وإيروان ونخجوان تاريخيا)، وفرضت تعويضا قدره 20 مليون روبل، وامتيازات تخضع رعاياها لقانونهم داخل الأراضي الإيرانية، واحتكارا بحريا في بحر قزوين.
لم يكن في النص تبادل للالتزامات، بل طرف يأخذ وطرف يدفع ويعتذر.
لقد أنهت كلستان حربا امتدت تسع سنوات (1804-1813)، وأنهت معاهدة تركمنجاي حربا ثانية دامت نحو عامين (1826-1828) خاضتها إيران لاستعادة ما خسرته ففقدت المزيد، بينما لم تتجاوز الأعمال العسكرية لحرب هذا العام 39 يوما، في حين تستمر حالة المواجهة بين الطرفين لحين توقيع الاتفاق الشامل المأمول.
حروب طويلة تحسم بالأرض والحصار، كانت حرب إيران مع روسيا، في مقابل حرب قصيرة تحسم بالضربة الدقيقة وبإدارة القوى الكبرى لتوقيت التسوية كما يحدث الآن مع أمريكا.
والاتفاق المنتظر -إن سار وفق المذكرة- فيكاد يقلب تلك البنية من حيث الشكل: التزامات متقابلة، واعتراف بالسيادة وعدم التدخل، وتدفق للموارد نحو إيران.
في معاهدة تركمنجاي لم يكن الثقل في الأرض التي سُلبت وحدها، بل في الامتيازات التي زرعت سلطة قانونية أجنبية في الداخل؛ أما الاتفاق المنتظر فيؤجل جوهره وهدفه الأبرز: سقف البرنامج النووي وخفض التخصيب وحرية الملاحة في هرمز – إلى نص يصدر من خلال مجلس الأمن.
ولا تكتمل الصورة دون النظر في هوية الوسيط.
فكلستان توسطت فيها بريطانيا عبر سفيرها غور أوزلي (Sir Gore Ouseley) الذي صاغ النص بينما أملى الجنرال الروسي رتيشيف الشروط؛ وكان" الوسيط" قوة منافسة تتحرك بمنطق" اللعبة الكبرى"، وقد تخلت فرنسا عن إيران في تيلسيت (1807)، وتخلت عنها بريطانيا فعليا عند توقيع معاهدة تركمنجاي رغم تحالفها معها.
أما في 2026 فالوسطاء قوى إقليمية لها مصلحة في التهدئة وإعادة الدمج لا في التقسيم: باكستان وقطر وسطاء، والسعودية وتركيا ومصر داعمين، وروسيا والصين تشجعان.
وهكذا تحولت الوساطة من افتراس يقتطع إلى ضمان يمول التسوية.
وفي ميزان المكاسب يتضح هذا الالتباس.
فإيران لم تكسب من معاهدة تركمنجاي شيئا؛ أما اليوم فتكسب وقف حرب وبقاء نظام ولغة سيادة، لكنها" تكسب" ما تملكه أصلا مقابل ثمن تدفعه للإبقاء عليه، لكن تجنب الكارثة قد لا يكون انتصارا.
حتى أبرز ما يحسب مكسبا، أي الإبقاء على البرنامج النووي، يحتاج قراءة أكثر تأنيا؛ فالبرنامج خرج من الحرب مدمرا، ولا أحد يعرف كم يلزم من وقت وكلفة لإعادته إلى ما كان عليه قبلها، فالسقف المفروض في شكل الاتفاق النهائي يوضع فوق ركام، والمكسب هو الحق في برنامج أكثر منه البرنامج نفسه.
واقتصاديا يبدو الاتجاه معكوسا عن معاهدة تركمنجاي القائم على التعويض والامتيازات؛ إذ تعود إلى إيران أصول مجمدة تقدر بنحو 24 مليار دولار، وإعفاءات نفطية.
لكنها في حقيقتها رفع حصار لا إغناء، وهي مؤقتة، والأصول أموال إيرانية أُفرج عنها لا هبة؛ ومن خلفها اقتصاد منهك يعجز فيه -وفق استطلاع رسمي منتصف يونيو/حزيران- نحو 60% من الإيرانيين عن تدبير معيشتهم.
وهكذا فالمكسب فيما يبدو فسحة للتنفس الاقتصادي وليس ازدهارا.
هل استبدلت إيران السيطرة على مضيق هرمز بورقة النفوذ الإقليمي الآفلة؟ يبدو الأمر كذلك إلى حد بعيدهرمز.
حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح ردعيبقى لإيران ورقتان كبيرتان، كلتاهما منهكة.
فورقة النفوذ الإقليمي دخلت التفاوض متراجعة قبل الحرب نفسها؛ إذ تهاوت ركيزتها الكبرى بخسارة سوريا بالكامل في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فانقطع العمق البري نحو البحر الأبيض المتوسط، ولم يبق من العنوان الإقليمي عمليا إلا حزب الله في لبنان.
ومن هنا يمكن قراءة ذكر لبنان صراحة في النص بوصفه محاولة ترميم لما تبقى لا توسيعا له.
والسؤال الذي يطرح هنا: هل استبدلت إيران السيطرة على مضيق هرمز بورقة النفوذ الإقليمي الآفلة؟ يبدو الأمر كذلك إلى حد بعيد.
فحين انهار النفوذ الهجومي الذي كان يمارس بعيدا عبر الوكلاء، لجأت طهران إلى ما تضمنه الجغرافيا وحدها -السيطرة على المضيق الذي يمر عبره نحو خمس النفط المنقول بحرا في العالم- مستبدلة قوة تسقط في الخارج بقوة تمارس عند العتبة.
ولم يكن إغلاق المضيق مجرد رد عسكري، بل فعل تموضع سياسي وأمني؛ رسالة مفادها أن إيران التي لم تعد تمسك خرائط الإقليم ما زالت قادرة على شل شريانه، تفرض بها على العالم -وفي قلبه واشنطن– أن يأخذ مصالحها في الحسبان لا أن يتجاوزها.
غير أن هذه الورقة ذات حدين.
ففي حربي القرن الـ19 لم تملك إيران ورقة ضغط أصلا سوى رهان على قوة ثالثة خذلتها، فجاء النص إملاء؛ أما هرمز فإيران لا تغلقه دون أن يتأثر اقتصادها المنهك أصلا، والحصار البحري الذي فُرض عليها ردا على إغلاق المضيق لم يكن إلا تحويلا لهذا النزف الذاتي إلى سلاح.
أمريكا لا تأخذ أرضا، بل تقيد قدرة وتضبط تدفقا -فتح هرمز وخفض أسعار النفط- وتبقي حضورا بحريا قريبا، وترسخ القيود في قرار أممي، وتكسب سياسيا صورة رئيس أنهى حربا أشعلها.
وهكذا تحول ما بدا توازن ردع إلى اختناق متبادل: إيران تغلق شريان الطاقة العالمي، وأميركا تغلق شريان إيران الاقتصادي؛ والمذكرة في جوهرها محاولة فك لهذين الاختناقين معا، إذ من المفترض أن تعيد إيران فتح المضيق وتنزع ألغامه في مقابل رفع الحصار.
ولهذا يبدو الاتفاق متكافئا في شكله، لا لأن القوتين متكافئتان في العمق، بل لأن إيران حضرت هذه المرة بأداة إكراه فعلية.
ومع ذلك يبقى المكسب تكتيكيا؛ فإن ألزم الاتفاق النهائي طهران بإبقاء المضيق مفتوحا، فإنها قد تكون تتنازل عن ورقتها البنيوية الوحيدة مقابل تنفس اقتصادي، تماما كما جردتها معاهدة تركمنجاي من بحريتها في قزوين، لكن بالقلم هذه المرة وليس بالمدفع.
ولعل في مرآة المنتصر ما يكشف المعنى كله.
فروسيا في القرن 19 كسبت أرضا وعمقا استراتيجيا واحتكارا بحريا ومالا ونقطة انطلاق نحو آسيا الوسطى؛ مكاسب تملك وضم لأراضٍ لا رجعة فيه.
أما أمريكا فلا تأخذ أرضا، بل تقيد قدرة وتضبط تدفقا -فتح هرمز وخفض أسعار النفط- وتبقي حضورا بحريا قريبا، وترسخ القيود في قرار أممي، وتكسب سياسيا صورة رئيس أنهى حربا أشعلها.
روسيا أخذت ممتلكات، وأمريكا تضبط سلوكا وتحتكر الشرعية؛ تغيرت العملة وبقي منطق الهيمنة.
ويبقى فارق في الديمومة يعمل في الاتجاهين: مكاسب روسيا نهائية ما زالت ماثلة، وقد تحولت أذربيجان وجورجيا وأرمينيا وداغستان إلى دول مستقلة عما كان يسمي بالاتحاد السوفياتي، ومكاسب أمريكا مشروطة قابلة للنقض، إذ ما يُمنح بإعفاء يُسحب بإعفاء.
وهو ما يجعل الاتفاق أقل انتهاكا وأقل يقينا في آن.
يقال إن التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه كثيرا ما يكرر منطقه.
والمسافة بين معاهدة تركمنجاي والاتفاق المنتظر ليست -في تقديري- مسافة بين هزيمة ونصر، بل بين شكلين من المساعي للسيطرة على إيرانالسؤال الذي يبقى مطروحا يتعلق بشكل الدولة الإيرانية التي قد تخرج من مسار التفاوض بين واشنطن وطهران.
وفق معاهدة تركمنجاي لم تقتطع أرضا فحسب، بل أعيد تشكيل الدولة الإيرانية من الخارج إلى الداخل؛ إذ جردتها الامتيازات سيادتها القضائية، وأنهك التعويض خزينتها، وأضعفت بنود التجارة إنتاجها، فدخلت قرنا من التبعية بلغ ذروته في اتفاقية 1907 التي قسمتها مناطق نفوذ بين روسيا وبريطانيا.
ومن رحم ذلك الإذلال ولدت لاحقا الثورة الدستورية في عام 1906 ثم صعود رضا خان.
أما الاتفاق المنتظر فقد يعيد التشكيل هذه المرة من الداخل إلى الخارج: انتقال مرجح من" دولة الحصار والمقاومة" إلى دولة ريعية معاد دمجها بأسواق النفط ورأس المال الخليجي، و" سيادة مقيدة" يضبط سقفها النووي وملاحتها بقرار دولي، وإعادة معايرة بين هوية الدولة الثورية وأولوية البقاء الاقتصادي.
لا أرض تبتر هذه المرة، بل علاقة تعاد معايرتها وقدرات يوضع لها سقف.
يقال إن التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه كثيرا ما يكرر منطقه.
والمسافة بين معاهدة تركمنجاي والاتفاق المنتظر ليست -في تقديري- مسافة بين هزيمة ونصر، بل بين شكلين من المساعي للسيطرة على إيران: أول أخذ الأرض والسيادة بثمن مرئي ودائم، وثان يعد بالاحترام المتبادل ويؤجل الكلفة إلى نص يدول في مجلس الأمن.
معاهدة تركمنجاي جعلت إيران تابعة بالامتيازات، والاتفاق المنتظر قد يجعلها" طبيعية" بالاندماج، أو" مروضة" بالمراقبة الدائمة ومحدودية التطور الاقتصادي.
خسرت إيران في حروبها مع روسيا أراضي لكنها لم تخسر ملكا كما خسرت إيران الجمهورية الإسلامية مرشدها الأعلى ومجموعة من قيادتها العسكرية والسياسية، وتداول على حكم مملكة القاجار خمسة ملوك بعد تركمنجاي قبل أن تنهار نهائيا في عام 1925.
لذا يبقى السؤال الكبير حول شكل إيران الجمهورية الإسلامية من حيث القيادة وبنية الدولة ومساراتها بعد هذه الحرب.
في كل الأحوال، لم يكتمل المشهد بعد، وحين تكتب سطور" الاتفاق النهائي" سنعرف أي إيران ستخرج منه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك