عبر وثائق حصرية، يكشف تحقيق" العربي الجديد" نمطاً من الفساد الممنهج في مشاريع البنية التحتية باليمن، ما يتسبب في وقوع الكوارث ومقتل المواطنين من جراء نهب المال العام وعدم التنفيذ أو التلاعب في المواصفات.
- مع تدفق السيول في مواسم الأمطار، تنقطع طريق هيجة العبد الجبلية في مديرية المقاطرة الرابطة بين محافظة لحج ومدينة تعز جنوب غربي اليمن، رغم التدخلات الطارئة الآنية والسابقة، وقبلها أعمال الصيانة المتكررة منذ أعوام، ومع ذلك لم يثمر كل ما سبق حلاً للمشكلة المتجددة سنوياً، كما يقول السائق اليمني عبد الصمد المقطري، مضيفاً: " نسمع عن موازنات تنفق، وأعمال صيانة تتجدد، إلا أننا في النهاية نجد أنفسنا أمام المشهد نفسه.
طرقات تجرفها السيول، وحركة سير تتوقف، وخسائر عديدة يتحملها المواطن البسيط".
بمرارة تحدث المقطري عما يحيق به وكل من يضطرون إلى المرور عبر الدرب ذاته، فقد جرفت السيول مركبته، وكاد أن يهلك، وكل ذلك من جراء وقائع فساد متغولة، يؤكد حدوثها المدير العام لفرع مؤسسة الطرق والجسور التابعة للحكومة الشرعية في محافظة لحج، المهندس رياض زين، قائلاً لـ" العربي الجديد"، إن مشاريع التدخلات الطارئة لإزالة أضرار السيول في طرق المقاطرة المنفذة خلال الفترة بين 24 أغسطس/ آب وحتى 26 سبتمبر/ أيلول 2024 بتمويل وإشراف صندوق صيانة الطرق التابع للحكومة الشرعية، اتسمت بالتلاعب وتضخيم التكاليف.
ويتجلى الفساد المالي عبر مقارنة القيمة المعلنة والمقدرة بـ 354 مليوناً و810 آلاف ريال يمني (سعر الدولار الأميركي 1550 ريالاً في مناطق الحكومة الشرعية)، بينما بلغت التكلفة الفعلية للأعمال المنجزة 27 مليوناً و779 ألف ريال، وفق ما جاء في وثيقة موجهة إلى محافظ لحج السابق أحمد عبد الله تركي في 15 يونيو/ حزيران 2025، أشارت كذلك إلى التلاعب في المدد الزمنية للتنفيذ وما يترتب عليها من حقوق مالية، إذ جاء في المستخلصات المالية الخاصة بالمشروع أن المعدات شُغِّلَت لمدة 121 يوماً، بينما جرى التشغيل الفعلي في 16.
5 يوماً، إلى جانب" تنفيذ بعض المشاريع جزئياً وعدم تنفيذ البعض الآخر"، وهي وقائع متكررة وفق ما تؤكده وثائق حصرية حصلت عليها" العربي الجديد" لمشاريع بنية تحتية في تعز ومحافظة عدن جنوبي البلاد، شابها جميعاً وقائع فساد وتلاعب بالمواصفات، إضافة إلى تمرير صفقات بالأمر المباشر، طبقاً لما يكشفه التحقيق.
تتكرر وقائع نهب المال العام عبر مشاريع وهمية لم تُنفذ، من بينها إزالة أضرار السيول في طريق طور الباحة – معبق بمحافظة لحج، ورغم ذلك" جرى رفع مستخلص مالي بقيمة 30 مليون ريال"، وفق وثيقة موجهة إلى محافظ لحج السابق أحمد عبد الله تركي في 15 يونيو/ حزيران 2025.
وطالبت المذكرة التي حصلت عليها" العربي الجديد"، السلطة المحلية في محافظة لحج بتجميد المستخلصات المالية المتعلقة بخمسة مشاريع، وتوجيه الأموال نحو مشاريع صيانة الطرق الحيوية التي تحتاج إلى تدخلات عاجلة، خصوصاً أن" بعض مشاريع التدخلات الطارئة لإزالة أضرار السيول، لم تنفذ في المقاطرة إطلاقاً".
إلى جانب الهدر المالي، يجري التلاعب بمواصفات المشاريع، كما هو الحال في إعادة تأهيل وصيانة طريق سوزوكي - جولة الرحاب وسط مدينة عدن، إذ" صرف مبلغ 169 مليوناً و600 ألف ريال، مقابل أعمال مخالفة للمواصفات، ورفع المستخلص دون توقيع استشاري المشروع، المهندس قاسم صالح هيلان"، حسب المذكرة رقم 471 الموجهة من معين محمود صالح وكيل وزارة الإدارة المحلية التابعة للحكومة الشرعية إلى المهندس معين الماس، رئيس مجلس إدارة صندوق صيانة الطرق والجسور في 18 سبتمبر 2022.
ورغم مطالبة هيلان للشركة المنفذة بإزالة المخالفات، لكنها" استمرت في تنفيذ الأعمال الفاشلة"، بحسب المذكرة السابقة التي حصلت عليها" العربي الجديد".
كذلك جرت بأعمال" سفلتة" الطريق دون معالجة لطبقات الأساس والأساس المساعد (يساهم في تقليل الضغط الواقع على طبقة التأسيس، وضبط تصريف المياه، ومنع تضرر الطبقات السفلية من الرطوبة)، وفق المهندس هيلان.
حيال المخالفات السابقة، يرد نائب وزير وزارة الأشغال العامة والطرق التابعة للحكومة الشرعية، الدكتور محمد ثابت، بالقول إن وزارة الاشغال معنية بمراقبة التنفيذ، وتقدم الملاحظات للجهات العاملة لمعالجتها وفق التصاميم والمواصفات الفنية قبل تسلّم المشاريع.
لكن في حقيقة الأمر، كما يقول لـ" العربي الجديد" المهندس أحمد محمد صالح، المشرف الميداني على مشاريع نفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية التابع للحكومة الشرعية، فإن التصاميم المعتمدة في الطرق لا تراعي الواقع الجغرافي واستيعاب مناسيب المياه المتدفقة والميولات وآلية التصريف المناسبة لمياه الأمطار وكمياتها المتوقعة والسبيل الأمثل للتعامل معها بالشكل الهندسي الصحيح، فتنتهي إلى المنازل، مضيفا أن طرق المدن اليمنية تتسمّ بالعشوائية وغياب التخطيط، إذ تعلو بعض الشوارع الرئيسية على الفرعية، ما يؤدي إلى تسرب المياه للمنازل بعدما تغمر الأحياء السكنية، فضلاً عن ظهور تشققات وعيوب متنوّعة ومتكررة أثناء مواسم المطر.
وهذه هي التداعيات التي يعيشها الخمسيني عبد الله ناصر وجيرانه، والأنكى أن سيارة الأجرة التي يملكها وتعمل على الطريق الممتد من منطقة المنصورة إلى خور مكسر وسط مدينة عدن، كثيراً ما تتعرض لأعطال وأخطار عديدة بسبب تشوهات الطرق وانهيارها، ما يفاقم من أزماته المعيشية ويحرم أسرته مورد رزقها الوحيد.
فساد ممنهج في صندوق صيانة الطرقإلى جانب وقائع الفساد السابقة، " تُصرف أموال لتغطية نثريات مختلفة عبر صندوق صيانة الطرق على حساب تمويل مشاريع البنية التحتية"، كما يقول سعيد الحسيني، المدير المالي المنتدب من وزارة المالية للإشراف على حسابات الصندوق، مؤكداً لـ" العربي الجديد" وجود فساد ممنهج في موازنة الصندوق البالغة 3 مليارات ريال سنوياً، منها 592 مليون ريال، صرفت تحت مسميات مختلفة لا توجد ضمن بنود الميزانية ودون أي مسوغات قانونية أو رقابية واضحة، على سبيل المثال مساعدات علاجية لشخصين فقط بقيمة 12 مليون ريال، ومن جراء كل ذلك التلاعب، عجز الصندوق عن تنفيذ خطط مشاريع الطرق والبنية التحتية وإنجازها خلال عامي 2023 و2024.
وهو ما أكدته مذكرة رقم (24/4) موجهة من وزير المالية السابق سالم صالح بن بريك (شغل المنصب من عام 2019 قبل توليه رئاسة مجلس الوزراء في مايو/ أيار 2025 حتى يناير/ كانون الثاني الماضي) إلى وزير الأشغال العامة والطرق السابق، المهندس سالم محمد الحريزي، في تاريخ التاسع من يناير 2025.
تضمنت المذكرة التي حصلت عليها" العربي الجديد"، وقائع مثل" عدم موافاة وزارة المالية بالحسابات الختامية وعدم إخلاء العُهد المصروفة سابقاً"، إلا أنها شددت على ضرورة" إيقاف أي نفقات ليس لها علاقة بالأهداف التي أُنشئ من أجلها الصندوق".
تلتها مذكرة أخرى في 11 مارس/ آذار 2025، موجهة من الحريزي، إلى رئيس مجلس إدارة صندوق صيانة الطرق، معين الماس، يحمّلهم فيها مسؤولية ما يصيب الأرواح والمركبات، نتيجة عدم التزام الأطر القانونية والإدارية والاستمرار بالمخالفات، لذا يشدد الحسيني على ضرورة إجراء تحقيق مالي شفاف واتخاذ إجراءات قانونية حاسمة لمنع استمرار هذا العبث المالي ومحاسبة إدارة الصندوق.
تقنياً، يبدأ فساد مشاريع البنية التحتية من المهندسين العاملين في إعداد التصميم والمواصفات وتقدير التكلفة، وإلى جانبهم مديرو المديريات، ثم يمر عبر أعضاء لجان المناقصات وهيئات المجالس المحلية ومسؤولون في الوزارات، كما يرصد مصدر في وزارة المالية التابعة للحكومة الشرعية (رفض ذكر اسمه للموافقة على الحديث)، مشيراً إلى أنه لم يكن ينقص منظومة الفساد سوى تعاقد السلطات المحلية في المديريات على تنفيذ مشاريع بنية تحتية بالأمر المباشر، في مخالفة لقرار مجلس الوزراء رقم 42 لسنة 2007 وقانون المناقصات والمزايدات رقم 22 لسنة 2007 بشأن اعتبار أي عقد وُقِّع على أساس التكليف المباشر باطلاً.
يتوافق حديث المصدر سالف الذكر، مع وثائق حصلت عليها" العربي الجديد"، منها المذكرة رقم 81 الموجهة من مكتب وزارة المالية التابع للحكومة الشرعية في محافظة تعز، إلى المدير العام لمديرية القاهرة وسط المدينة في 25 إبريل/نيسان 2026، بشأن مشروع الترميم وتصريف مياه السيول، وجاء فيها: " توجيه بعدم صرف أموال في تنفيذ المشروع دون الأخذ في الاعتبار أن التعاقد تم بالأمر المباشر، وطلب الصرف تم دون مراعاة النقص في الإجراءات الواجب اتباعها قبل البدء في تنفيذ أي مشروع بالمخالفة والتجاوز للمادة رقم 9 من قانون المناقصات والمزايدات، ودون وجود توجيهات من قبل السلطة المحلية في تعز بالموافقة على التكليف المباشر، ولا يوجد أي مبررات للتكليف المباشر، فضلاً عن عدم إرفاق ما يفيد الاعتماد والموافقة على تنفيذ المشروع بالأمر المباشر من قبل الهيئة الإدارية للمجلس المحلي في المحافظة".
هذه المخالفات كغيرها، تؤدي إلى ظهور عيوب مشاريع البنية التحتية بعد فترة وجيزة من تسليمها، فبمجرد تدفق السيول تتسرب المياه إلى طبقة الأساس، حسب ما لاحظه المهندس صالح، والنتيجة كوارث مستمرة، أدت إلى تضرر 329 ألف شخص في 16 محافظة يمنية، بسبب السيول، خلال الفترة من 15 وحتى 31 أغسطس الماضي وفق ما جاء في تقرير" آثار الفيضانات في اليمن"، الصادر عن مركز رصد الكوارث التابع للأمم المتحدة نهاية أغسطس الماضي، موضحاً أن الكارثة أودت بحياة 62 شخصاً، عشرة منهم في مدينة عدن، من بينهم طفلا الأربعينية آزال محمد، التي غمرت السيول منزلها بمديرية التواهي، والسبب من وجهة نظرها وتأكيد المهندس صالح، البنية التحتية الفاشلة والإهمال المتفشي في البلاد إلى جانب الفساد الطاغي على مقدرات الدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك