بدأَتْ فكرة الإجازة الصيفية في القرن التاسع عشر لا لضرورةٍ تربويةٍ، بل كحلٍّ إداريٍّ لتفادي مخاطر الحرارة والأوبئة في بيئاتٍ مدرسيةٍ وفق ظروف ذلك الزمان.
فلم تكن الإجازة الصيفية مرتبطةً بالزراعة والصناعة، بقدر ما كانت مرتبطةً بالاعتبارات الصحية والإدارية واللوجستية.
اليوم، تَغَيَّرَ عالَمُنا؛ فالمعرفة لم تعد محصورةً داخل مبنى المدرسة.
وتعليميًّا، لا ينبغي أن يظل نقاشنا متمحْوِرًا حول" عدد الأيام" في التقويم الدراسي.
فالبيانات لا تَرْبِط التميزَ الدراسيَّ بطول العام الدراسي؛ هذه اليابان تدرس 210 أيام سنويًّا، وتلك إستونيا تدرس 170 يومًا سنويًّا، وكلاهما يحقق نتائج متميزة في الاختبارات الدولية.
أما" الفاقد التعليمي الصيفي" فهو واقعٌ، ويمكن معالجته باستثمار الإجازة الصيفية كفرصة للتعلم الإبداعي الابتكاري: " البرومبت" لتحليل قضايا تاريخية أو ظواهر علمية، و" تنكركاد" للمحاكاة الرقمية للمحيط المعيشي، و" ماينكرافت" لتحويل محاكاة الرياضيات والهندسة إلى ممارسة واقعية، و" زينوفيرس" لتحليل بيانات علمية، و" كانفس" لدراسة جدوى مشروعٍ ما، وهكذا يمكن محاكاة رحلةِ مُنْتَج ما من المصنع إلى المُسْتَهْلِك لاكتشاف سلاسل الإمداد، وتصميم نموذجٍ لحلِّ مشكلةٍ يوميةٍ وفق منهجية التفكير التصميمي، وغيرها الكثير من الأفكار غير المكلفة.
الحاجة ماسَّةٌ لمنظومةٍ مليئةٍ بالخيارات الجذابة المتاحة للجميع.
وبناء هذه المنظومة يتطلب وجود نسخة مبسطة من" الإطار الوطني للمؤهلات"، وهو المرجع الوطني المعتمَد الذي يحدد المعارف والمهارات والقيم المتوقعة في كل مرحلة تعليمية، بحيث يتحول هذا الإطار إلى دليل استرشادي للأندية الصيفية ومراكز الأحياء والأكاديميات والمكتبات والجمعيات، فيكون تصميم البرامج بحسب كلّ مرحلةٍ عمريةٍ ومستهدفاتها، ويُوَضَّحُ للأهالي نواتج التعلم وراء كل نشاط، على أن تبقى هذه الأنشطةُ اختياريةً وبعيدةً عن الدراسة والاختبارات.
ومن يدري؟ ! لعل هذا النمط من التعلم الصيفي غير التقليدي، إذا ارتَكَزَ على الإطار الوطني للمؤهلات، يكون هو الأجدى يومًا ما لبناء مواطن منافس عالميًّا، فيصبح الشكلَ الجديدَ للدراسة النظامية! ليس المهم كم عدد أيام الدراسة والإجازة، ولكن: كيف نصنع منظومةً مليئةً بالخيارات الجذابة المتاحة لكافة أفراد المجتمع حتى لا يقف الأهالي حائرين في فراغ الصيف؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك