تشهد أحياء مخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق حركة متزايدة لإعادة ترميم المنازل والمحال التجارية المتضررة، في إطار مبادرات يقودها السكان بجهودهم الذاتية، بعد تخفيف القيود التي كانت تحول دون عودة الأهالي إلى منازلهم، في وقت لا تزال فيه تحديات الدمار ونقص الخدمات وارتفاع تكاليف البناء تعرقل وتيرة إعادة الإعمار.
وأوضح عدد من سكان المخيم للجزيرة مباشر، أن إعادة تأهيل المنازل أصبحت ممكنة بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ كانت تتطلب في السابق موافقات أمنية وإجراءات معقدة حالت دون عودة كثير من العائلات إلى مساكنها.
وأشار أحد السكان إلى أن السماح بالعودة خفف الأعباء المعيشية عن كثير من الأهالي الذين كانوا يدفعون إيجارات مرتفعة بينما بقيت منازلهم خالية، موضحا أنه تمكن من العودة إلى منزله بمجرد السماح بذلك، وأن عدداً كبيراً من الشباب اتخذ الخطوة نفسها.
وأكد أن أعمال الترميم تتم وفق إجراءات فنية، من خلال لجان مختصة تتولى الكشف على الأبنية وتحديد مدى صلاحيتها للسكن أو خطورتها، لافتاً إلى أن هذه الخطوة ضرورية لضمان سلامة السكان.
وأضاف أن حركة البناء أعادت تنشيط سوق العمل داخل المخيم، مشيرا إلى أن الطلب على العمالة أصبح مرتفعا حتى بات العثور على عمال أمرا صعبا، مع عودة كثير من الشباب وكبار السن إلى ممارسة أعمالهم في قطاع البناء والترميم.
وأوضح أن المستفيد الأول من هذه الأعمال هم أصحاب المنازل أنفسهم، إذ تمكن كثير منهم من التخلص من أعباء الإيجارات والعودة تدريجيا إلى بيوتهم، في حين تعتمد بعض العائلات على مساعدات محدودة تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" الأونروا"، بينما يتولى السكان تمويل الجزء الأكبر من أعمال الترميم من مواردهم الخاصة.
الدمار يعرقل إعادة الإعمارورغم عودة النشاط العمراني، أشار السكان إلى استمرار معاناة كبيرة في توفير مواد البناء ونقلها إلى داخل المخيم، بسبب إغلاق عدد من الشوارع وتضرر البنية التحتية.
وأوضحوا أن غياب شبكات المياه يضطر الأهالي إلى الاعتماد على صهاريج المياه، وهو ما يزيد من كلفة أعمال الترميم ويؤخر إنجازها.
وأضافوا أن الأبنية الآيلة للسقوط تمثل أحد أكبر التحديات، إذ تمنع السكان من إعادة تأهيل منازلهم خشية انهيار المباني المجاورة، معتبرين أن هذه المخاطر تمثل أحد أبرز مخلفات الحرب التي لا تزال تؤثر في الحياة اليومية داخل المخيم.
وأكد السكان أن معظم أعمال الترميم تتم بجهود فردية ومن أموالهم الخاصة، في ظل محدودية الدعم الخارجي.
وأوضح أحدهم أن كثيرا من الأسر تلجأ إلى بيع مقتنياتها أو الاستدانة من الأقارب لتوفير تكاليف إعادة تأهيل منازلها، بينما تحول الشروط والإجراءات المطلوبة للحصول على مساعدات" الأونروا" دون استفادة عدد كبير من المتضررين، خاصة ممن فقدوا وثائقهم الرسمية خلال سنوات الحرب.
وأشار إلى أن العديد من العائلات فقدت أوراقها الثبوتية نتيجة الدمار أو وفاة أصحابها، الأمر الذي يجعل استكمال متطلبات الحصول على المساعدات أمرا بالغ الصعوبة.
وبيّن السكان أن إعادة ترميم المنازل تتطلب إعادة تنفيذ شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي بالكامل، إضافة إلى أعمال الحفر وإزالة الأنقاض، في ظل نقص واضح في مواد البناء مثل الأخشاب والبلاط والسيراميك.
وأوضحوا أن تكاليف الترميم أصبحت في بعض الحالات تفوق كلفة بناء منزل جديد، إلا أن الأهالي يتمسكون بالبقاء في المخيم باعتباره موطنهم، مؤكدين أن ارتباطهم بالمكان يدفعهم إلى مواصلة إعادة البناء رغم الصعوبات.
وتواجه سوريا تحديات كبيرة في ملف إعادة الإعمار بعد أكثر من عقد من الحرب، التي تسببت في دمار واسع للبنية التحتية والمنشآت الحيوية، بما يشمل المستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه والطرق.
وتشير تقديرات دولية إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى مئات مليارات الدولارات، في ظل تراجع الخدمات الأساسية وتضرر قطاعات الإنتاج والاقتصاد.
وكثفت الحكومة الجديدة في سوريا جهودها لاستقطاب الاستثمارات الخارجية وإعادة تأهيل البنية التحتية، عبر توقيع اتفاقيات تعاون مع دول وشركات إقليمية ودولية، وعقد منتديات اقتصادية مشتركة تهدف إلى جذب رؤوس الأموال والخبرات الفنية للمشاركة في مشاريع إعادة البناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك